المعارك الأدبية في مواجهة 'الوجبات السريعة'

القاهرة ـ من حنان خالد
د. صلاح فضل

هل يدل اختفاء الصالونات الأدبية والتجمعات الثقافية الأهلية على ضعف النشاط الفكري والحراك الأدبي، وهل يدل على جمود الحراك الثقافي، والتصالح على اللاشيء بعد أن خفتت أصوات المعارك الأدبية، وسكتت وجهات النظر الثقافية المتباينة؟ وهل يدل صمت الصالونات والتجمعات وغيابها في "طي النسيان" إلى حديث عن عزوف الخاصة عن هموم العامة؟ وهل مازالت القضايا الثقافية التي كانت تثار في تلك المنتديات قضايا حية أم أنها ماتت بـ"السكتة القلبية"؟

أم أن مثل هذه الأسئلة مجرد "نوستالجيا" وحنين إلى الماضي، إلى أيام المعارك الأدبية الكبري، أيام طه حسين، العقاد، المازني التي كانت صحف ومجلات ذلك الزمان تحولها إلى ساحات نزال معرفي وثقافي نبيل، يهدف لربط جسور التواصل وخلق نقاط تلاق بين مختلف شرائح المجتمع؟

أم أنها تعبير عن حاجة أفرزتها مرحلة ما بعد ثورة يناير وما تفرضه من ضرورة الحوار الهاديء الذي يوازي ضجيج وزعيق مكبرات الصوت في الدعاية السياسية؟

أم أن السؤال عنها مجرد "نقاش" يحلم بإثراء الساحة الثقافية ورفدها بزحم من الوعي الجديد الذي تفجر في الناس بعد الثورة، أم أنه دعوة "ناعسة" للإرتقاء بمستوى الجماهير، مثلما كانت منتديات وصالونات تلك الأيام تفعل، أم أنه سؤال يدعو لكسر الركود وهزيمة ثقافة الوجبات السريعة التي اجتاحت العالم ليس إلا؟

كل هذه أسئلة يحاول التقرير التالي أجابتها!

معارك تافهة

يرى الناقد د. صلاح فضل أن ما يدور من معارك الآن معارك "شخصية وتافهة"، لا تستثير اهتمام الناس، وحماقات لاقيمة لها، وأن تحويل الصراعات الفكرية التي تمور في أحشاء الوطن إلى معارك أدبية صعب جداً.

امجد ريان

ويقول: "ستظل هذه الصراعات شاغل النخبة دون أن تشق طريقها للجسد الثقافي للشعب، نتيجة لحالة التهميش والاضطراب، والتغيرات الاجتماعية، وبوسعنا أن نقول إن لكل عصر مظاهره التي تتجلي منها حيويته وتفاعلاته الديناميكية، لأن عصرنا الحديث لم يعد ملائماً لنوع المعارك التي كانت تنشب قديماً بين الأدباء، وتختلط فيها القضايا الحقيقية بالشخصية، إن المعركة الكبري الحقة التي تتحدي جميع المثقفين الآن أن ندخل العصر الحديث بشروطه وتضحياته، وروحه النقدي، أو نظل أسرى للنموذج السلفي للعصور الوسطي، لا نريد للتاريخ أن يعود للوراء لنعيش في القرون السابقة، وهذه هي المعركة المصيرية التي يتعين علي كل واحد منا أن يحدد موقفه بالنسبة إليها.

قصف الصغار

ليس من الغريب أن نجد أديباً كبيراً اليوم يلقي بجام غضبه وسخطه على شاعر صغير لا حول ولا قوة، كل ما قدمه للحياة الثقافية هو قصائد قليلة تعد على الأصابع، وأن لا يجد الشاعر والناقد أمجـد ريان تبريراً لهذه المرارة والعنف إزاء كتابات لأدباء صغار مازالوا في محاولاتهم الأولى الغضة.

ويؤكد "ريان" أن المعارك الأدبية الصغيرة تختفي الآن حتى الفرقعات الحامية التي تعوّد الصحفيون وبخاصة الصغار منهم أن يشعلوها اختفت تماماً، ولكن هذا الصمت، وهذا الخوف هو لصالح معركة كبرى بدأت بالفعل على أرض الواقع الثقافي، وهي معركة التغيير الكبير الذي يشهده واقعنا إجتماعياً وفكرياً وثقافياً فالإنسان يسعي نحو حاجته الشديدة لإثبات وجوده الإنساني، وبحثه عن أدوات جديدة، تسعى نحو طريق مختلف للمعرفة، والإبداع الأدبي والفني يدخل الآن إلي منطقة جـديدة.

معارك مزيفة

يقول الناقد عبدالقادر حميدة: إننا نعيش لحظات فارقة، تغيب فيها المعارك الثقافية الكبرى التي كانت تدور في أزمان سابقة بين طه حسين والعقاد، ومحمد مندور، وغنيمي هلال ولويس عوض. تلك المعارك التي حققت كل ما نسميه بآفاق التنوير وفي ظل ذلك كله، لم نعد نملك، ونستطيع أن نطل من خلاله على العالم إلا بعض الإبداع الجيد والثقافة الحرة.

ماهر شفيق فريد
ويرى حميدة أن تهميش الإعلام المرئي لكل ما هو ثقافي جاد، والاكتفاء بالبرامج السريعة الترفيهية اليومية وحشد كافة مشاعر المتلقين بما يغيب الوعي، جعل هذه الثقافة، وهذا الإبداع على الهامش، وكذلك تهميش الحركة السياسية لكل ما هو ثقافي، وعدم استعانة السياسي بالمثقف لخلق جغرافياً ثقافية فكرية لدى المتلقي، بالإضافة إلي غياب حركة نقدية حقيقية تركز مشروعها النقدي حول ما تنتجه المخيلة الإبداعية من فكر وإبداع، ومحاولة هذه الحركة النقدية تقريب هذه الفعاليات وفي غياب هذا الدور يحدث عدم التأثير وعدم الفعالية.

اسألوا "الشللية"

أما الناقد د. ماهر شفيق فريد فيقول: أعتقد أن الإبداع الفني اليوم يقل من حيث الكم والكيف عما كان يكتب بالأمس بل لقد ظهرت أعمال هامة في الشعر والمسرح والقصة لأدباء الستينيات والسبعينسات والثمانينيات، ومن ثم لا يمكن القول بأن الطرح الإبداعي ليس على مستوى النقد.

ولا نستطيع أن نبرئ النقاد من تهمة الشللية، فهناك شلل في كل مكان يتفاوت حظها من الموضوعية والنزاهه، وهناك أيضاً نقاد ذو ضمير فجروا قضايا أدبية، وبعثوا قيما نقدية هامة، والمسألة في النهاية تعتمد على حيوية المناخ النقدي، وارتفاع الإبداع إلى مستوى النقد ووجود جمهور قارئ يرغب في متابعة المعارك الفكرية والنقدية.

د. محمد عناني

ويبرر د. فريد أن غياب المعارك الأدبية يرجع إلى غياب النقاد الكبار عن الساحة، هناك بشائر خير، ونقط مضيئة، ولكن لا أملك رغم ذلك إلا أن أقول رحم الله مندور، ولويس عوض، وغنيمي هلال، وزكي نجيب محمود، وعبدالحميد يونس، وأنور المعداوي، فمنذ رحيلهم عن هذه الدنيا، اضطرد الهبوط في مستوى النقد إلا من عصم ربك، فالبعض يسمي ثرثرته دراسة نقدية.

أما الناقد والمترجم د. محمد عناني فيري أن المعركة التي تشغله هي الثقافة في القرن القادم، ويتمنى أن ينشغل بها كل المفكرين والمتحدثين فهي قضية المستقبل، بمعنى أن نسأل أنفسنا: هل نتقدم إلى الغد أم نتقهقر إلى الوراء؟!