المعارضة السورية والفرصة التاريخية للعودة والإلتحام مع الشعب دفاعا عن سوريا

بقلم: سمير عبيد

كم أتمنى أن لا تقع المعارضة السورية بأخطاء المعارضة العراقية التي قدمت العراق على طبق من ذهب الى الولايات المتحدة وإسرائيل والعصابات الداخلية، والى تجار المافيا ولوبيات المخابرات العربية والإقليمية والدولية، وأصبح العراق على منحر التقسيم والضياع، حيث تحول العراق الى الجمهورية "الكربيّة" حيث هناك إصرارا منقطع النظير لسلخ العراق عن عروبته ومحيطه العربي وتحويله الى كيانات وإقطاعيات متناحرة خدمة للمخططات الأميركية والصهيونية وإن مسألة تفتيت العراق وسوريا والسودان ومصر وليبيا على أسس عرقية وإثنية ومذهبية ليست وليدة الساعة، فلقد جاءت بوثيقة عبر مجلة ناطقة باسم المنظمة اليهودية العالمية و التي تحمل أسم "كيفونيم" ولقد ترجمها من العبرية الى العربية البروفيسور إسرائيل شاحاك قبل سنوات طويلة، وكانت تتحدث عن أهمية تفتيت الأقطار العربية عامة والكبيرة نسبيا منها، وتقول الوثيقة "أن تفكيك مصر إقليميا الى مناطق جغرافية متمايزة هو الهدف السياسي لإسرائيل على جبهتها الغربية، فإذا تساقطت مصر فإن دول مثل ليبيا والسودان وحتما الدول الأبعد لن تتمكن من البقاء بشكلها الحالي"، لذا فهي إستراتيجية صهيونية بأن يُفتت العراق والدول الأخرى فلقد قال الباحث الإسرائيلي موشي سيرجي في مؤتمر عقد في جامعة بار إيلان قبل سنوات مايلي "ينبغي أن يكون السودان إمتدادا طبيعيا لإسرائيل، فأرض دولة السودان تقع ضمن الإستراتيجية الأمنية التي وضعها بن غوريون... لذا فأن خطة تقسيم السودان الى أربع دول يعتبر من أولويات الأجندة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط" فإذا كانت هذه النظرة عن السودان البعيد فما هي النظرة إذن الى سوريا ولبنان والعراق والدول الأخرى، لذا فالوثيقة تقول عن سوريا "يراد لسوريا التفتيت على أساس تنوعها الطائفي وكذلك العراق، أما الأردن فيكون مكانا لدولة فلسطين، وأما السعودية فستتفكك بسبب الضغوط الداخلية والخارجية"!
ولكن السؤال هل أن كلام بن غوريون منّزل من السماء، وهل أن وثائق بني صهيون مقدسة، فالجواب لا والف لا، لهذا فالعزم والإصرار على الثبات هو الذي يجعل وثيقة بل وثائق بن غوريون وبني صهيون تحت أقدام الشرفاء والشجعان، فانظروا صوب الجنوب اللبناني كيف إستطاع حزب الله اللبناني كسر المعادلة تماما، حيث هي بداية كتابة التاريخ العربي الناصع وبحلّته الجديدة، وبسواعد الرجال الذين أمنوا بإستراتيجية الوفاء للعهد الذي قطعوه للشعوب المستضعفة، لذا فإن الهالة العملاقة لإسرائيل أصبحت بالوحل، وذلك بفعل قرار الرجال في حزب الله، وسوف يترتب على ذلك إنهيارا نفسيا لجميع طبقات المجتمع الإسرائيلي السياسية والعسكرية والإجتماعية، فلقد كُشف أمر هذه الدولة التي تخيف العالم العربي والعالم، وتبينت أنها النمر الورقي، ولن تمتلك إلا إستراتيجية قتل الأبرياء والمدنيين من أجل المراهنة على العامل النفسي للناس.
لذا فالمعارضة العراقية رهنت قرارها بيد واشنطن وبريطانيا ومن ورائهما إسرائيل، وخسرت حاضرها ومستقبلها وضاع العراق، ودخل العراق في نفق مظلم، أما الشعب العراقي فوجد نفسه في بحر متلاطم من الجريمة المنظمة، ووسط ثقافة القتل على الهوية والتهجير والتكفير والتسقيط بحيث أصبح العراق جمهورية طالبان العراقية، وهنا نعطي دليل بسيط حيث هناك عصابات تقتل الذين يبيعون الثلج والذين يشترونه تحت حجة إن الثلج لم يكن موجودا في صدر الإسلام، وهذه ليست تهمة من الكاتب أو أنها مسحة فنتازية، بل هذه حقيقة ومن أجلها تم إصدار فتاوى توصي بعدم شراء وتناول الثلج، والأمثلة كثيرة جدا، فهذه هي الديموقراطية والإصلاح والإنفتاح الذي جلبه الرئيس بوش وإدارته الى العراق والعراقيين.
فهل أن المعارضة السورية تريد أن تقوم بنفس المهمة، فإن كانت هكذا فسوف نحاربها حتى بأحزمتنا وبالحجر والعصي لأنها تقوم بجريمة كبرى بحق الشعب السوري والوطن السوري، وهنا لا ندافع عن النظام في سوريا، فنعم هناك أخطاء كثيرة ومتراكمة، ولقد أعترف الرئيس السوري بشار الأسد وكبار المسؤولين السوريين بمعظمها وتم معالجة قسم منها، لذا على النظام أن لا يتحجج بالتهديد ويركن الى الخمول، بل يستمر بالإنفتاح والإصلاح (وبالمناسبة فأن الولايات المتحدة لا تريد للنظام السوري الإستمرار في الإصلاح، وهي التي تعيق عمليات الإصلاح، لأن في رأسها موال إصلاحي لسوريا لا يختلف عن ما حصل ويحصل في العراق، فهي التي تريد القيام بهذا وعن طريق الذين باعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان) وهؤلاء غير مشمولين بهذا المقال وهذه الدعوة، ولكن هناك أطيافا معارضة في دول الإغتراب لا تريد مخططات واشنطن، بل رفضت عروض واشنطن وعملاء واشنطن من السوريين الذين باعوا ضمائرهم، ولكن هؤلاء لديهم طلبات لابد من التفاهم عليها ،وكذلك هناك أطياف معارضة للنظام وهي في الداخل وترفض مشاريع ومساعدات واشنطن وباريس وغيرها ،فهذه المعارضة بحاجة للحوار، وهناك رجالات ومجموعات صغيرة خائفة ومترددة من العودة الى سوريا الوطن، فهذه فرصتها أن تضع جميع الخلافات جانبا لأن الوطن والشعب السوري في خطر، وإن إسرائيل تتربص بسوريا والشعب السوري وأصبحت الأمور مفتوحة وبأي لحظة، لذا على المعارضين السوريين ضرب الطاولة وسحب (الشنط) نحو المطار حيث سوريا الأهل والوطن، وذلك للدفاع عن سوريا، وبالمقابل على القيادة في سوريا تهيئة كوكبة من الأطفال السوريين وهم يحملون الورود في مطار دمشق الدولي مع رسالة عهد مكتوبة يوقعها كل معارض تطأ قدمه أرض المطار، حيث يتعهد بالدفاع عن سوريا والشعب وكل من موقعه، وتُحفظ تلك الأوراق في ذاكرة الطفولة والأجيال أولا، ثم في دائرة الأزمات التابعة لمجلس الأمن القومي السوري كي تعود الأطراف لها في حالة الهدوء وعبور سوريا لضفة الإستقرار والهدوء، كي تكون مفتاحا لإنطلاق الحوار بين هؤلاء الذين سيضعون أرواحهم على أكفهم من أجل وطنهم وبين النظام في سوريا،و تتم تسوية الملفات العالقة عن قرب ودون تدخل من أحد.
ولكن كل هذا لن يتم إلا بالتحرك والإيعاز من الرئيس بشار الأسد حيث أن معظم المعارضين السوريين لديهم ثقة كاملة بوعود الرئيس بشار، وهذه نقطة إنطلاق ممتازة وحميدة، وأن معظمهم يكنون الإحترام لهذا الشاب العاقل والحكيم، ولكنهم يتخوفون من الوعود الأخرى، وبهذا نصارح الرئيس والشعب السوري، ولكن هذا لا يعني أن الرئيس بشار ديكتاتورا بل بالعكس فهو من أفضل الرؤساء العرب بالحوار والسماع، ويفرح بالفكرة الجيدة والنقاش المفيد، ولديه سعة رؤيا وتحمل في غاية الروعة، ناهيك عن أدبه الجم مع محاوريه شفاهيا وكتابيا،وكذلك هذا لا يعني أن المسؤولين السوريين الذين هم أدنى من الرئيس الأسد لا يمتلكون المصداقية، أو لا وعود لهم فليس هذا القصد، ولكن عندما تأتي الأمور من الرئيس ويتكفلها الرئيس يشعر هؤلاء بضمان كبير وبراحة كبيرة، وهذه خصلة نهنئ الرئيس بشار عليها، وهي تقطع نصف الطريق.
وفي نفس الوقت لا داعي للمكابرة من قبل بعض المعارضين السوريين ويحسبوها حساب الربح والخسارة، أو حساب التجار فكم سنستفيد وكم سنخسر، وهل أن النظام ضعيفا كي يسمح بهذا أم هو قويا والى آخره من هذا الكلام الذي لا يخدم الوطن والشعب، ولا يخدم مستقبل المعارض إن كان وطنيا.. فهي أيام كشف الرجال الذين يدعون الوطنية والمعارضة الشريفة، فها هي دمشق مهددة، وها هو الشعب السوري يترقب جنون إسرائيل ومن وراءها....فأين الموقف الوطني؟
وكذلك لا داعي أن يزايد مسؤول هنا ومسؤول هناك داخل التركيبة السياسية في سوريا من باب الشعور بالتعالي، أو من باب الشعور أن هؤلاء سوف ينافسون الذين في الداخل، فنرجو الإبتعاد عن هذا النفس الضيق وأن شاء الله غير موجود لأن الأهم أكبر من المهم، وخصوصا في هذه الأيام الحرجة والعصيبة..لذا لابد من حسم الأمور من جانب المعارضين الشرفاء، وكذلك من جانب القيادة في سوريا والتي هي في موقف القوي وليس الضعيف.
ونحذر من المقارنة بين نظام صدام حسين ونظام الرئيس الأسد، فالأول كان ديكتاتورا لا يرحم ويستخف بجميع المعارضين، وكان يعتقد لن تقع الضربات ولا الحرب، ورفض جميع الإشارات التي جاءت من المعارضين العراقيين المخلصين نحو إنتشال العراق من الضياع، وذلك من خلال المشاركة بإعادة تنظيم البيت العراقي، وحسبها صدام حسابا خاطئا مع العلم إن المعارضين العراقيين الذين طلبوا ترتيب البيت معا كانوا يستشعرون الخطر الحقيقي على العراق.... لهذا فالأمر مختلف مع الرئيس الأسد، ونهنئ المعارضة السورية الوطنية أن لها رئيسا وقائدا يسمع ويحاور ويتفهم وجهات النظر المختلفة، ولا يركن للإلغاء والدم والتصفية إطلاقا، وهي فرصة تاريخية للحفاظ على سوريا الوطن والشعب، وكذلك هنيئا للرئيس بشار ولسوريا أن هناك طيفا كبيرا من المعارضين السوريين الذين يرفضون الإنخراط بمخططات الأعداء، بل يصرون على الحوار ويرون أن الإتحاد مع القيادة السورية هذه الأيام هو الأهم، وتعليق الخلافات لأن الوطن أكبر من الكل.
فقلها يا بشار وإسمعها يا معارض يا شريف... وأن أقلامنا وحناجرنا وجميع إمكانياتنا خدمة للوصال الوطني، وخدمة للجمع وضد الهدم والخصام .... وإيانا وأياكم أن نفقد دمشق مثلما فقدنا بغداد لا سمح الله.

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي Samobi200@yahoo.com