المعارضة السورية ما بعد سان جرمان!

بقلم: غسان يوسف

لم تكن المعارضة السورية في الخارج بحاجة لاجتماع باريس الذي نظمه اللوبي الصهيوني في فرنسا لتكشف عن مدى ارتباطها وتورطها في المشروع الصهيوني الهادف إلى تفتيت المنطقة وتجزئتها.

فالكل يتذكر ما أعلنه مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير فيتالي تشوركين عن وجود «عناصر مدمرة» في هذه المعارضة تسعى إلى خراب سوريا! والسؤال: من له مصلحة بخراب سوريا؟

كلام تشوركين لم يختلف كثيراً عما قالته ثريا عزة (الفتاة الجزائرية) في قاعة السان جرمان في فرنسا عندما صرخت بأعلى صوتها: «لا يوجد أي سوري في هذه القاعة.. لا يوجد إلا الصهاينة»! وهنا تبرز حقيقة المعارضة السورية في الخارج كجماعة الإخوان المسلمين وعبدالحليم خدام ومنظمات حقوق الإنسان (عمار قربي) وقوى المعارضة الأخرى التي شاركت في مؤتمرات مرمرة وأنطاليا وبروكسل لتنضوي جميعها تحت الراية الصهيونية التي يمثلها برنار ليفي وجيل هرتزوغ وبرنار كوشنير ولوران فابيوس وغيرهم. أي أن «من أيد ودافع عن الحرب الإسرائيلية على غزة ووقف إلى جانب الحرب على العراق» ـ كما قال الشاب السوري محمد عليوي في قاعة السان جرمان - هو من يدّعي دعم المعارضة السورية!

وهنا لا بد من التوقف عند المعارضة السورية الموجودة في الداخل والتي تُزايد على الآخرين في الوطنية والمسؤولية فهي مدعوة اليوم لإعلان موقفها من ثلاثة أمور ملحة لأنها تمس وحدة سوريا وأمنها ووجودها كوطن وحضارة.

الأول: موقفها من مؤتمر سان جرمان الذي عقد برعاية الداعمين والموالين لإسرائيل وتكليف هنري ليفي بنقل القضية إلى مجلس الأمن والمحكمة الدولية!

الثاني: موقفها من العصابات المسلحة التي تستمر في قتل أفراد الشرطة والجيش وقوى الأمن ومجزرة جسر الشغور هي النقطة الفاصلة، فما بعد جسر الشغور هو غير ما قبلها، ومن لا يعترف بوجود العناصر المسلحة يكون داعماً للارهابيين لا بل مؤيداً لهم أو محاولاً تبرير أعمالهم، كما فعل لؤي حسين عندما قال: »قد تكون فرقة إسرائيلية دخلت إلى جسر الشغور وقتلتهم»، ليتلاقى كلامه هذا مع صمت السفير الأميركي عن هذه الجرائم عندما رأى بأم عينه ما ارتكبته هذه العصابات المسلحة، وتصريحه المستفز بعد عودته من حماة وهو الذي ذهب إلى هناك بحماية هذه العصابات التي تتلقى الدعم المعنوي واللوجستي من حكومته وحكومات الغرب، وما كشف في بانياس ودرعا وجسر الشغور خير دليل على ذلك.

الثالث: رفض التدخل في شؤون سوريا الداخلية على الأرض وما يرافقه من تشجيع على أعمال العنف والتخريب ومن ضمنها التحركات التي يقوم بها السفراء الغربيون في سوريا كزيارتي سفيري أميركا وفرنسا إلى حماة دون التنسيق مع السلطات المختصة وهنا تقع المسؤولية على الدولة كما على المعارضة من رفض مثل هذا التدخل في الشأن الداخلي السوري والمطالبة بطرد السفيرين والإعلان أن أمنهما وأمن سفارتيهما ليسا من مسؤولية الحكومة السورية.

إذن.. المعارضة السورية في الداخل تتحمل مسؤولية كبيرة أمام نفسها أولاً، وأمام الشعب ثانياً، وأمام العالم ثالثاً، وهي بحاجة اليوم لأن تكون مسؤولة عن كل ما تصرّح به لأن مسؤوليتها أصبحت مضاعفةً، فهي مسؤولة أمام الناس الذين قد يخطر لهم - وهذا من حقهم - المقارنة بينها وبين السلطة، وهي مسؤولة أمام الخارج لأن العالم سيعمد إلى التمسك بأي كلمة تقولها، ويعاملها على هذا الأساس، ومن هنا فإن كلام لؤي حسين اتصف بعدم المسؤولية وضعف الحس الوطني، لا بل جعله يفقد رصيداً كان جناه من مجرد كونه سجين رأي سابق، ليسقط في أول اختبار، فهو لم يراع مشاعر الأيتام والثكالى، لا بل انخرط عن قصد أو غيره إلى جانب التكفيريين والارهابيين، وعملاء إسرائيل في باريس ولندن وزوار موسكو (رضوان زيادة، ملهم الدروبي...إلخ) من طالبي التدخل الأجنبي، وتكرار النموذج الليبي، حتى أن وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف صرّح بأن: «الدول الغربية تواصل الضغط على الحكومة السورية، فيما المجموعات التخريبية والمسلحة تتلقى الدعم والتشجيع»!.

نعم، بعد سان جرمان الوضع لن يكون كما قبله في سوريا. فالتدخل الأجنبي بات واضحاً! وحتى التعامل مع الأجنبي صار بعرف البعض مشروعاً حتى لو كان صهيونياً! وما حدث في باريس بإرادة بعض من يدّعون المعارضة، حصل في حماه بتدخل واضح من السفيرين الأميركي والفرنسي، ودعم من يدعون إلى الجهاد، حتى أن العلامة محمد سعيد رمضان البوطي صرخ مستنكراً: «ما هذا الجهاد الذي يقوده السفير الأميركي»؟

وهنا يجب أن يكون الردّ واضحاً من الشعب السوري الذي لا يقبل الذلّ، لا من أجنبي ولا من عميل، وعلى المتردّدين من المعارضة أن يسارعوا إلى اتخاذ موقف حازم، ما يكسبهم أهلية المشاركة في إعداد سورية لمرحلة ديمقراطية جديدة من دون تدخل أجنبي!

فهذه المعارضة غير المسؤولة خطر على سوريا، لأنها بالمفهوم السياسي ليست معارضة، بل مشروع مؤامرة صهيونية يدعمها المحافظون الجدد لتنفيذ شرقهم الأوسط الجديد، ولكن هذه المرة باستعمال أسوأ الأساليب، بما فيها الدعوة إلى الجهاد تحت الراية الأميركية، لتعاد سيناريوهات أفغانستان والعراق وليبيا، وغيرهم ممن يشقّ عصا الطاعة الأميركية!

غسان يوسف