المعارضة السورية الشريفة والمعارضة اللأخلاقية (3 من 3)

بقلم: فاروق محمد المصارع

حين قررت إدارة بوش مهاجمة العراق واحتلاله، أرسلت دونالد رامسفيلد للحصول على دعم أوروبا السياسي والعسكري، وحين لم يحصل رامسفيلد على موافقة غالبية الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، هاجم أوروبا ووصفها بالعجوز ولجأ إلى الدول الأوروبية الجديدة مثل رومانيا، بلغاريا، بولونيا، وأوكرانيا، التي تحلم بالديمقراطية الغربية بعد خروجها من بوتقة الشيوعية ونظام الحزب الواحد، ووصفها بأوروبا الشابة.
كذلك فعلت إدارة بوش مع إعلامها المزيف بترويج الدعاية لشرق أوسط جديد، بتشجيع الديمقراطية والأفكار الليبرالية، دعم حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، دعم الأقليات الطائفية والعرقية. اللعب بأوتار الحرية ومحاربة نظام الحزب الواحد. خلق الفتن الطائفية بين شيعي، سني، علوي، صفوي وهابي ومسلم معتدل، بين خطر القاعدة والإرهاب الإسلامي، بين حزب الله وحماس.
بدأت إدارة بوش بشراء العملاء لها في المنطقة وبشكل خاص في سورية. منهم من يقبض راتبه مباشرة من "سي.آي.أيه" ومنهم من يركض خلف حلم دعم المعارضة بمبلغ "الخمسة مليون دولار".
اتصلت إدارة بوش بجميع قيادات المعارضة السورية ولم تحصل على شيء، سوى من بعض حثالة المثقفين وسفلة المعارضة، ممن يلهث ويتوهم بالحلم الأميركي، و يتباهى بالليبرالية والديمقراطية، لأنَه جاء إلى أوروبا واستقر فيها مند عدة سنوات، ووجد التشجيع في تلك الظروف، لدعمه بالوسائل المادية المغرية، كي يبيع الوطن ويبيع الكرامة ويقبل بالوجود الأميركي في المنطقة، هل يوجد إنسان متعلم في دول العالم الثالث، لا يحلم أن يكون بلده على مستوى أميركا وأوروبا، ثمن الفيزا لأميركا وأوروبا تجاوز العشرين ألف دولار، سفن تهريب البشر تجول بالمئات كل يوم في البحر الأبيض المتوسط، لتوصل فقراء العالم الثالث، إلى جنة عدن. كل هذا ندركه ونعلم أن بلادنا تحتاج إلى مئات السنين الضوئية لتصل إلى مستوى أوروبا وأميركا.
أميركا أكبر دولة حضارية وديمقراطية في العلم، هذا لا يختلف عليه إنسان، حتى أهل الكهف لو جاؤوا الآن، لبصموا بأصابعهم العشرين (مع أصابع أرجلهم). لكن أميركا دولة عدوانية في سياساتها تجاه الأمة العربية. كل أمة تعتز بثقافتها وعاداتها، وكل سياسي ومثقف شريف يعتز بأمته ويعمل في سبيل تقدمها.
السياسي يحمل رسالة شعبه وطموحات أمته بدون غرور وبدون شوفينية. في دول العالم النائم السياسة هي "فن البلطجة والزعرنة" وفي جميع لغات وقواميس العالم هي العلوم السياسية، يقال علم الطب، علم النفس، علم الهندسة...الخ. أما في السياسة فهي العلوم السياسية لأهميتها وتنوعها.
غلطة الطبيب قتل المريض، وغلطة المهندس المعماري تدمير البناية على سكانها، أما غلطة السياسي فتدمير أمة بكاملها.
سورية جزء من دول العالم النائم حضاريا، لكنها ليست دولة الواق واق، ولا تقع في غابات الأمازون، لدينا جذور تاريخية تمتد لآلاف السنين في عمر التاريخ، لكن قطار الحضارة فاتنا بعدة سنوات. علينا أن نعمل سوية في تشخيص المرض الحضاري، بحيث نقدم العلاج اللازم لشفاء أمتنا في التطور.
كثرة الأحزاب والتجمعات السياسية مفيدة وتعبر عن مدى الإدراك السياسي والوعي الثقافي لهذه الأمة. لدينا أحزاب عريقة، أحزاب وطنية في مبادئها وإنسانية في فكرها. لدينا آلاف المساجين السياسيين، من بعثيين، شيوعيين، إخوان مسلمين، ناصريين، ليبراليين وأكراد مند أكثر من نصف قرن. آلاف السياسيين مثل مانديلا لأنَ عمر المعارضة طويل. لكنهم بلا كراسي رئاسية. آلاف السياسيين يحمل وظيفة "متقاعد سياسي" كأي مهنة في العالم بعد أربعين سنة من الخدمة. لكن المتقاعد السياسي في سورية لا يوجد له راتب، لأنَ نقابة المعارضة في سورية لا تملك ميزانية في ذلك. سياسيون بالآلاف وعندهم الخبرة في فنون المعارضة وفنون السياسة، ما يكفي لبناء عدة كليات سياسية. نحن لا نحتاج للإعلام الأميركي، كي ينفث فينا سموم التفرقة ويصف المعارضة السورية بالعجوز، وتفتقد الشباب، هذه لعبة جديدة تنطلي على بسطاء العقول، هل يعقل أنَ حركة الإخوان المسلمين أو حزب البعث أو الحزب الشيوعي السوري، أعرق وأقدم حزب في الوطن العربي لا يوجد فيه شباب؟ هل السيد دونالد رامسفيلد أو ديك تشيني أو جورج بوش أو أعضاء إدارتهم هم من الشباب؟
لو أنَ إدارة بوش الأميركية الغربية أو الشرقية، الجنوبية أو الشمالية، في كل الاتجاهات، لكي لا تنزعج الاتجاهات الأربعة، تريد سلامة سورية وسلامة الديمقراطية في المنطقة، لتفهمت قضايانا وساندت شعوبنا، بدلا من منطق الابتزاز والعمالة.
نستغرب من مثقفين جدد جاؤوا مند ساعات إلى أوروبا، قرؤوا عدة كتب في علم النفس والفلسفة: لفرويد، هيغل، نيتشه وجان بول سارتر، ليتفلسفوا في كتاباتهم البدائية.
أن تكون مولودا في دمشق، حلب، أو الرقة، لا يعني أنَك ابن باريس أو بروكسل أو واشنطن وتتميز عن بقية فئات الشعب السوري.
في المقاييس الحضارية كما ذكرنا سابقا، سورية دولة نائمة حضاريا واقتصاديا واجتماعيا. ليس بوجود الطبقات الإسمنتية وكثرة البنايات في مدينة، معناه الحضارة والتقدم، هدا منطق الشعوب النائمة، كيف نسميها مدينة حضارية، والكهرباء تنقطع عشرة ساعات في اليوم، المياه الصالحة للشرب غير متوفرة، مدن بلا طرقات جيدة ومواصلات آمنة واتصالات حديثة، لا تتوفر فيها الوسائل الصحية والطبية ولا حتى المواد الغذائية. طرقات خارجية من أيام الفراعنة، وسيارات ومواصلات مند بداية اختراع السيارات. ثلاثة أرباع الشعب السوري يعيش على بطاقات التموين، وأي مخزن تجاري "سوبر ماركت" في أوروبا، يوجد فيه مواد غذائية أكثر ما يوجد في جميع أسواق دمشق.
تفتقر المستشفيات والجامعات لأبسط وسائل التقنية الحديثة، وبيننا وبين الحضارة الحديثة مسافات ضوئية، ليأتي بعض حثالة المثقفين ويقول أنَ سورية تحكم من قبل قرويين ورعاة أرياف وأنه فيلسوف القرن الواحد والعشرين وخريج أحسن جامعات العالم تطورا. نسي أنَ شهادته ربما هي من جامعة دمشق، كلية الحقوق، ونحن جيل الستينيات نعرف ماذا تعني كلية الحقوق، والجامعة العربية في بيروت، وماذا تعني جامعة لومومبا للجهالة العالمية، وما هي شهادات جامعات الويسكي والمارلبورو والدولار الأميركي في دول أوروبا الشرقية سابقا.
جميع ملوك ونبلاء أوروبا وعلمائها وعباقرتها، يفتخروا في نهاية عمرهم، بالذهاب إلى المناطق البدائية في العالم، وتكريس عدة سنوات من حياتهم لدراسة هذه الشعوب، وتقديم الخدمات الإنسانية لمساعدتهم، جميع رؤساء وسياسيي ومفكري العالم المتقدم، يصبحوا في نهاية عملهم السياسي والمهني، رؤساء منظمات إنسانية تجول العالم في محاربة الفقر والأمراض وتفسخ البيئة، كما يفعل تماما حكامنا وملوكنا العرب وسياسيونا الموقرين!
سوريا من مدنها إلى قراها لا تختلف سوى بطبقات الأسمنت وزيادة الحشر السكاني. التقدم في الثقافة والعلوم يزيد الإنسان تواضعا ويدفعه لاحترام بساطة الآخرين، لا أن يهينهم ويصفهم بالرعاع والقرويين. في سورية لا يوجد ضمان اجتماعي ولا تأمين صحي للمواطن، ولا يوجد تقاعد يكفي الإنسان في شيخوخته ولا حتى إمكانية ضمان قبر له حين يموت.
واجب الطبقة المثقفة في مجتمعنا تطوير شعوبنا وإلحاقهم بالحضارة، لا أن نتهمهم بـ: علويين، دروز، شوايا، حوارنة، بدو وأكراد. هذا هو مجتمعنا وهذه سورية، فهل نأتي بسويديين أو أميركيين؟
أمنيتنا في الحياة، أن نجعل مستوى السوري يضاهي مستوى السويدي أو الأميركي، هذه أمنيات لا تتحقق إلاَ بالجهد والعمل الجماعي لكافة مقومات المجتمع السوري. لو كنا دولة حضارية ومتقدمة، لما حدث ما يحدث، ما لذي يمنع الأحزاب السياسية من العمل في سورية، ماذا سيحدث لو اجتمع السيد عبد الحليم خدام مع السيد البيانوني في دمشق بدلا من فندق في بروكسل.
الدول الأوروبية المتقدمة تمنع الأحزاب اليمينية المتطرفة من العمل، الأحزاب التي تدعو إلى الكراهية والعنصرية والتمييز العرقي في المجتمع. العمل السياسي ليس عملا تخريبيا، وتعتبر المعارضة السياسية العين الساهرة للشعب. كل حزب سياسي يعمل ضمن برنامج سياسي يلتزم به ويتحالف مع الأحزاب والتيارات التي تتناسب في رؤيتها مع برنامجه السياسي، وهذا ما حدث منذ استقلال سورية وحتى اليوم.
استلام السيد بشار الأسد السلطة في سورية
حين استلم السيد بشار الأسد السلطة في سورية، هبت علينا رياح التجديد وقلنا أن سورية دخلت عصرا جديدا في السياسة. جميع الأحزاب السورية بدأت تبحث عن التغيير الديمقراطي وتعمل من أجل الانفتاح السياسي في المجتمع السوري.
تجار سوق الحميدية السياسي من بعثيين، إخوان مسلمين، ناصريين، وحدويين، اشتراكيين عرب، قوميين سوريين، ليبراليين، حزب بكيتي، حزب الشعب، الحزب الوطني، الحزب الديمقراطي، الحزب الوطني الكردي، الحزب الديمقراطي الكردي...الخ. جميع هذه الأحزاب بدأت تطالب برخصة تجارية لمزاولة عملها بشكل رسمي في سوق الحميدية السياسي، كل حزب يطالب بفتح دكانه وترويج بضاعته "إيديولوجيته" لكافة زبائنه..."أعضائه". نشأت المنتديات الفكرية والثقافية في دمشق لتضم نخبة من المفكرين والسياسيين، كيف يمكن لتجار سوق الحميدية مع خبرتهم القديمة والعريقة في سوق التجارة السياسية، أن يذوبوا وينحلوا ضمن هذه المنتديات الفكرية، انها منتديات فكرية وسياسية للحوار فقط وبدون برنامج "سياسي" تجاري واضح. أيد جميع تجار سوق الحميدية –الأحزاب هذه المنتديات وباركوها و دعموها بالنقاش، وهذا ما حدث أيضا مع – "إعلان دمشق".
لا يمكن للتجار أن يكونوا ضد الإعلانات حتى إن كانت سياسية، الإعلان يبقى إعلان. المنتديات – الديوان أو المضافة عند العرب – ليست سوى ندوات ومحاضرات فكرية وسياسية مفتوحة على الجميع. التغيير السياسي في المجتمع يتم عبر الأحزاب وعبر الاتفاقيات السياسية في العمل المشترك والنظرة السياسية الموحدة وتتم بين أحزاب لها مبادئها وجماهيرها ومؤيديها على الساحة السورية، نختلف عن إعلان دمشق من حيث التجمع وليس من حيث الجوهر والمبدأ السياسي في التغيير، فجميع الدكاكين = الأحزاب تعمل من أجل التغيير الديمقراطي. اعلان دمشق قام على تجمع شخصيات من كل طائفة وديانة في سورية، وكأن كل واحد فيهم يمثل الطائفة والديانة التي ينتمي إليها. هل هذه سورية التي نناضل من أجلها، أين هي الأحزاب الوطنية التي لها جذور تاريخية عميقة في تاريخ سورية الحديث و تضم مئات الآلاف من الأعضاء و المؤيدين.
سوق الحميدية مفتوح لكل من يرتاده، ولا يمكن لأي تاجر =حزب أن يحتكره. زبائن السوق أحرار في أن يشتروا بضاعتهم من أي تاجر يرغبون، نحن لا نعتمد الموضة في عملنا السياسي ولسنا ضد التجديد. مبادئنا تنطلق من أسس فكرية تلتزم مصلحة الجماهير ومصلحة القاعدة الحزبية، حين جاء السيد عبد الحليم خدام حاملا معه لواء المعارضة، لم نؤيده ولم نقف ضده فسوق الحميدية مفتوح للجميع والمعارضة ليست محتكرة لأي حزب سياسي. الباب مفتوح للجميع والتحالفات مسموحة لمن يشاء، موقفنا ثابت ومنهجي في كل تحالف أو تجمع سياسي لا نعتمد "الطنطنة" ولا الأضواء الباهرة في عملنا.
جبهة الخلاص قامت على تجمع مسرحي مفاجئ ومشهد إعلامي ضمن ظروف دولية معينة، مع احترامنا وتقديرنا لجميع من دخل في الأمانة العامة لجبهة الخلاص، لا يوجد حزب سياسي ملتزم سوى حركة الإخوان المسلمين، الآخرين لا يمثلوا سوى أنفسهم ولا توجد لهم أية قاعدة حزبية أو جماهيرية في سورية ولا حتى في الخارج، كان المطلوب من السيد عبد الحليم خدام قبل أن يدخل سوق المعارضة السياسية، أن يقوم بالاعتذار من الشعب السوري عن أخطاء الماضي وهذا شرط لن نتخلى عنه في تعاملنا مع جميع رموز المعارضة والمسؤولين السوريين الذين سيدخلون لاحقا سوق الحميدية. حين جاء السيد عبد الحليم خدام الى فرنسا جاء بصفة قائد سياسي، فإذا كان قائدا فوق الأحزاب وقائدا لكل سورية، فكان الأولى به أن يطرح مبادئ وطنية تصب في مصلحة سورية عامة وفي مصلحة جميع أحزابها وحركاتها الثقافية والفكرية والاجتماعية. أما اذا كان قائدا في حزب البعث العربي الاشتراكي، وهذا ما طرحه بالفعل مع قيادته المؤقتة، فحسب معلوماتنا البسيطة هناك اتجاهان في حزب البعث ومتصارعان منذ الستينات، هناك البعث القومي وهذا اتجاهنا ونحن في المعارضة منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، ومنتشرين في أوروبا وأميركا والوطن العربي، عادت جميع قيادتنا وقواعد نا إلى سورية ودخلت السجن لعدة أشهر ثم أفرج عنها الآن، ثم هناك القيادة القطرية وهي في سورية، وكان السيد عبد الحليم خدام قائدا وعضوا فيها، ثم استقال في عام 2005 خلال المؤتمر القطري العاشر وهي تحكم الآن في سورية وأمينها العام هو السيد بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية. أم أن السيد عبد الحليم خدام لديه حزب آخر جديد وهذا حقه لأنه يتكلم عن القيادة المؤقتة، ومن حقنا أيضا كمعارضة بعثية أن نعرف ما هو البعث الثالث، ونحن لسنا ضد الرابع ولا حتى الخامس، لكننا كفصيل بعثي معارض علينا أن نعرف مبادئه وأهدافه، كانت دهشتنا قوية بدخول الإخوان المسلمين جبهة الخلاص الوطني، وكانت لدينا قناعات تامة بأن ذلك الزواج لن يدوم طويلا وأنه زواج متعة مؤقت.
كان لدينا الإيمان بأن الإخوان المسلمين لن يستمروا فقط لحضور حفلات الخمسة نجوم في بروكسل. القرار الأخير لجماعة الإخوان المسلمين بتجميد نشاطهم السياسي في المعارضة، ينطلق من شعورهم بالمسؤولية تجاه القضايا التي يؤمنون بها، وهذا شرف عظيم لكل حزب أو حركة سياسية تتخذ المنهجية و الالتزام السياسي، بدلا من الصخب الإعلامي و الضجيج الفارغ.
كل ما نتمناه من إخواننا في حركة الإخوان المسلمين تقديم الاعتذار الرسمي للشعب السوري تجاه أحداث الثمانينيات المأساوية و بشكل خاص للعائلات المنكوبة وطي صفحة الماضي، الشارع السوري لا يزال غاضبا ولا زال يذكر تلك الفترة بمرارة وأسى، الاعتذار للشعب شيء عظيم ويزيد من احترام المواطن وتقديره، نفعل ذلك انطلاقا من إيماننا وشعورنا بمصلحة سورية ومستقبلها، ونطالب جميع المسئولين في حزب البعث قومية وقطرية وحتى مريخية من الاعتذار عما حدث من مجازر في تدمر وحماه ونناشد السيد بشار الأسد بصفته رئيسا لجميع السوريين من الاعتذار أمام الشعب السوري عن أحداث الماضي وهو ليس مسؤولا عنها. لقد كانت فترة ستالينية النظرة ودموية التطرف من جميع الأحزاب ودفع الجميع ثمنها. يجب طي صفحة الماضي الأليم والاستفادة من الدروس والتجارب، لا أن نستمر في البكاء مئات السنين كما يفعل الآخرين على دم الحسن والحسين فسورية بعيدة عن ذلك.
نظرتنا للأمور يجب أن تكون نظرة إنسانية وعلمانية بعيدة عن التطرف العقائدي، تصب في مصلحة كافة مقومات الشعب السوري وليس في مصلحة طائفة على حساب الطوائف الأخرى، لسنا ضد حزب يدافع عن السنة، العلويين، الدروز، الاسماعليين، الأكراد، الكاثوليك، الأرثوذكس، الأرمن وحتى عن عبادي الشيطان إذا سمح للآخرين ما يقبل به لنفسه ويقبل بوجود الآخرين واحترام خصوصياتهم.
منذ خمسينيات القرن الماضي ونحن نتقاتل، ونستعمل منطق العنف في عملنا وفي خطابنا السياسي وبدون فائدة.
لقد ابتعد الشارع السوري عن جميع الأحزاب وقرف منها وقرف من روتين خائن، عميل، جاسوس، والحزب القائد، وبالروح بالدم نفديك يا زعيم. لماذا لا نخرج من دوامة الفراغ السياسي والفكري، لماذا لا نكون في المعارضة: غاندي السياسة في التسامح والمحبة؟ هكذا يجب أن ننظر إلى قرار الإخوان المسلمين الأخير، لقد آن لأولئك الفرسان أن يترجلوا، هذا قرار الحكمة وقرار الأمة في طي صفحة الماضي وليس قرار الضعف والخذلان. ننتظر من الحكومة السورية ومن السيد بشار الأسد طي الصفحة السوداء ومصافحة اليد التي امتدت إليه.
لماذا لا يعود السيد البيانوني إلى دمشق وإلى أهله في حلب، لماذا لا يعود جميع قادة الإخوان المسلمين في سورية ليمارسوا عملهم كبقية فئات الشعب السوري؟ لماذا لا يعود السيد عبد الحليم خدام وعائلته إلى وطنهم بكل حرية وكرامة؟ هل يعتقد المسؤولين في سورية أننا جهلة ولا نعرف الحقائق وأن الشعب السوري بعيد عن الأحداث؟ لقد قدم السيد عبد الحليم خدام حياته لخدمة سورية حسب إيمانه وحسب مبادئه، لندع الشعب السوري يحكم بذلك، لقد وافق السيد عبد الحليم خدام على مبدأ المحاسبة القانونية في الفساد والرشوة فهل سيوافق المسؤولين الآخرين على محاسبتهم وهم حتى الآن في السلطة وفي هرم الفساد؟
لماذا لا يعود قادة سورية وعظماؤها السياسيين، أمثال السيد أحمد أبو صالح، عدنان سعد الدين، شبلي العيسمي، حمود الشوفي، إبراهيم ماخوس...الخ. آلاف السياسيين السوريين لازالوا مشردين خارج سورية وأتاهم من العمر عتيا. لماذا لا تطوى صفحة الماضي ويعود القائد والمناضل العظيم الدكتور رفعت الأسد وعائلته؟ ألا يعتبر الدكتور رفعت الأسد قائد البعث وقائد سورية، أليس هو من وطد لكم الحكم ووفر لكم الاستقرار السياسي وله الفضل الأول والأخير. انه القائد المنسي والمنطوي على ذاته لأسباب نعرفها ويعرفها الجميع، انه بالفعل الأسد النائم على جراحه، فويل لمن يعاديه إذا غضب.
وافق الدكتور رفعت الأسد على الاعتذار إلى الشعب السوري عن أحداث الماضي وأبدى استعداداه الفوري لإجراء حوار تلفزيوني يراه جميع الشعب السوري، لمناقشة مسؤولية حماه وتدمر مع قادة الإخوان المسلمين، وليبرهن كما برهن لنا عدم مسؤوليته المباشرة عن تلك الأحداث. فهل هناك استعداد من قادة الأخوان في كشف ذلك بحوار هادئ ووثائق ثابتة.
نحن نضمن جانب الدكتور رفعت الأسد والتزامه. ويعلم الجميع أننا كنا في المعارضة وكنا ضد تلك الأحداث قبل وقوعها بأربعة عشر عاما.
كثير من الـ"لماذا" تنتظر الأجوبة؟
المحكمة الدولية وموقفنا منها
ينظر السوريون إلى اللبنانيين نظرة الأخوة ونظرة المحبة، كان لبنان منذ الاستقلال الأم التي تحتضن السياسيين السوريين و المفكرين والأدباء ورجال المال حين تضيق بهم الأحوال السياسية في سورية. علاقاتنا وطيدة ومميزة منذ استقلال بلدينا وتختلف في عمقها مع بقية الأقطار المجاورة، كنا منذ اليوم الأول لدخول القوات السورية إلى لبنان ضد ذلك، واعتبرناه احتلالا عسكريا لم نوافق عليه، لم نوافق على الحرب الأهلية في لبنان ولا بدخول القوات السورية في ذلك الموضوع. في النهاية خرجت القوات السورية من لبنان وكان ذلك مطلبا لبنانيا وسوريا ودوليا، فرحنا في خروج قواتنا وعودتهم إلى أهلهم. حدثت مجزرة مأساوية أدت إلى مقتل السيد رفيق الحريري مع غالبية مرافقيه وحمايته، في حادث مؤلم وانفجار رهيب، تستنكره جميع الأعراف السماوية والكونية. جميع أطراف المعارضة السورية استنكرت العملية الإجرامية، كما تستنكر أية تصفية لأي فصيل لبناني أو حتى عربي أو سوري وحتى من النظام، لأننا لا نؤمن بالقتل والتصفيات لا توجد لدينا أحقاد قاتلة ضد أية جهة كانت، نحن معارضة سياسية تهدف للتغيير الديمقراطي في وطنها، وتعمل من أجل التقدم والازدهار الاقتصادي.
ننظر دائما إلى لبنان كبلد الازدهار الاقتصادي، بلد الديمقراطية، بلد الأخوة والتسامح بين الطوائف، رغم الحروب ورغم الدمار لا زال أكثر من نصف مليون عامل سوري يعمل ويكسب قوت يومه في لبنان، لماذا نخلق العداء بين السوريين واللبنانيين.
جاء قرار تشكيل المحكمة الدولية في التحقيق في جريمة اغتيال السيد رفيق الحريري نتيجة لقرارات مجلس الأمن واستنكار العالم والضمير الإنساني لمأساة هذه الجريمة البشعة. ونحن سعداء ونتمنى أن تكشف أسرار الجريمة ويقدم الجناة إلى المحاكمة العادلة ليدفعوا ثمن جريمتهم.بالنسبة للشكوك وملابسات وخفايا الجريمة، تدور الأحداث حول شبهات بعض المسؤولين اللبنانيين وربما آخرين ومشاركة عدة جهات خارجية.
نحن في المعارضة نثق بقرارات ومهنية القضاة الدوليين، إنها محكمة دولية تملك قضاة مختصين في قضايا التحقيق الدولي، نزيهين ومهنيين في عملهم، يعرفوا واجباتهم ومسؤولياتهم أحسن من المعارضة السورية وحتى اللبنانية. لقد خرجت سورية من لبنان ولم يعد لها من وجود عسكري، وصرح السيد بشار الأسد أمام تلفزيونات العالم بأنه يعتبر أي مسؤول سوري يثبت بشكل رسمي ودليل قاطع مسؤوليته في جريمة مقتل السيد الحريري، خائن وسيحاكم. لماذا لا نثق بذلك وهو رئيس دولة وليس رئيس حزب معارض؟ همنا في المعارضة ليس إشعال الفتيل وتقديم المعلومات الخاطئة. جبهة الخلاص ومنذ تشكليها وهي تراهن على المحكمة الدولية وكأننا في المعارضة لا توجد لدينا مشكلة في سورية سوى قصة المحكمة وانتظار "غودو" الذي لن يعود. نحن لسنا في مسرح اللامعقول لكي نراهن على عودة "غودو". لا يوجد لدينا في المعارضة سوى أخبار المحكمة، ماذا ستفعل المحكمة؟ متى ستبدأ المحكمة الدولية؟ لتبدأ متى تبدأ وحين سيأتي القرار القانوني بإدانة أي مسؤول سوري، سنكون أول من سيطالب بتسليمه إلى المحكمة الدولية. ليس هدفنا تقديم الشكوك والبراهين الكاذبة لإعاقة عمل المحكمة الدولية. لقد قرف السوريون في جبهة الخلاص تكرار مسرحية المحكمة وتلفيق الأخبار الكاذبة. لقد خرج السيد بشار الأسد من لبنان وخرجت سورية معه، فعلى السيد عبد الحليم خدام أن يخرج من لبنان. لم يعد الحاكم العرفي هناك. المعارضة السورية لا يقودها مراهق عمره البيولوجي أقل من عمر المعارضة السورية، يسعى لقيادة السنة في لبنان وتشكيل كتلة باسمه. هذا شأن اللبنانيين وليس شأننا. لقد خرجنا من لبنان ويجب أن نخرج منه مع أفكارنا، لا أن نبقى رهن مصالحنا الشخصية ومنافعنا المادية.
لدينا القناعة ونحن نقول ذلك قبل عدة أسابيع من انعقاد المحكمة الدولية، بأن جريمة اغتيال السيد رفيق الحريري ستكون مثل جريمة اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي سنموت ونحن ننتظر غودو.
أحرار سورية في السجون وآلاف السياسيين في المهجر منذ عقود. لقد اكتسبنا المناعة ضد الهجرة القسرية، ولم تعد ترهبنا الأحداث ولا التهديدات السياسية وسنستمر في نضالنا السياسي حتى يتوفر النظام الديمقراطي في سورية.
نطالب جميع القوى السياسية في المعارضة، ومن سيدخل لاحقا إلى سوق الحميدية الاعتدال ونبذ العنف في العمل السياسي، نبذ الشعارات المزيفة في الديمقراطية والتخلي عن البيانات والأخبار الكاذبة من اعتقالات وهمية، ومنظمات سياسية وهمية، نطالب السياسيين الأكراد أن الكتابات بأسماء كتاب عرب لإهانة وتشويه صورة القومية العربية، والإبادات البشرية المبالغة والتصفيات الخيالية لا تخدم القضية الكردية.ليس بالهجمة "التلفونية" المبرمجة من أوروبا وشمال العراق، واحتكار المداخلات في أي برنامج وحوار تلفزيوني على القنوات العربية، حول القومية العربية والأحزاب القومية العربية وشتمها ووصفها بالشوفينية والأفكار المتطرفة، سيقنع المشاهد العربي بأن الرأي العام العربي جميعه ضد فكرة القومية العربية. لقد أصبح المواطن العربي يعلم جيدا هذه التكتيكات ولا تؤثر عليه، نحن في مرحلة تاريخية هامة في صراعنا الحضاري ضد قوى صهيونية واستعمارية جديدة تسعى لاحتلالنا واستغلال مواردنا الاقتصادية والبشرية، ليس بالتعامل مع الأجنبي المحتل، وليس بالتعاون العسكري والتجاري مع إسرائيل ستخدم القضية الكردية في سورية وفي العراق.
يجب أن يكون النضال السياسي المعارض، نضالا حضاريا ونضالا فكريا، يخدم مصلحة الوطن ومصلحة الجميع. يجب أن تكون مصلحة سورية فوق الجميع، يجب الاهتمام بقضايا المواطن السوري اليومية ومعاناته المعيشية، وتوفير الراحة و الحياة الكريمة له و لعائلته.
بالنسبة لنظام الحكم في سورية واستمراريته، لسنا ضد الاستمرار في الحكم، ولا حتى ضد التوريث، إذا كان النظام ديمقراطيا ودستوريا، يحترم المواطن ويعمل في خدمته.
نؤمن أنَ الاستمرارية في الحكم تعني الاستقرار السياسي. نحن سياسيون علمانيون، نؤمن بجميع الخيارات، اذا كانت في مصلحة الشعب السوري.
سورية جمهورية بسبب الخيار الفرنسي، ألم تكن الملكية الدستورية خيار بريطانيا "مولِدة الشرق الأوسط" في بداية القرن الماضي؟
النظام الملكي في العالم اليوم، يوفر الاستقرار والازدهار والديمقراطية. ما الفرق بين نظام جمهوري ونظام ملكي، إذا كان هذا قرار الشعب وقرار مؤسساته الدستورية؟
لماذا لا نترك للأحزاب السياسية وقوى الشعب الأخرى، حرية العمل السياسي في إدارة الحكومات ونترك الرئيس أو الملك في حصانته السيادية، التي يصونها الدستور ويحترمها الشعب.
من أجل استقرار سورية: لماذا لا نطرح جميع الاحتمالات السياسية؟ ما المانع في أن تكون (تلك الاحتمالات) سورية؟ فاروق محمد المصارع، الناطق باسم التجمع الديمقراطي السوري