المعارضة السورية الشريفة والمعارضة اللأخلاقية (1 من 3)

بقلم: فاروق محمد المصارع

منذ أكثر من عام ونحن في التجمع الديمقراطي السوري نجتمع ونتحاور في مسار العمل السوري المعارض، عن الدور الوطني الحالي الذي يجب أن نتبناه في سياستنا.
المعارضة للنظام من أجل ترسيخ الديمقراطية في سورية بعيدا عن الانفعالات وبعيدا عن ردود الأفعال تجاه الأحداث الساخنة التي تعصف منطقة الشرق الأوسط. ما هو الموقف الوطني المطلوب للمحافظة على وحدة سورية وعدم الانجرار مع القوى الدولية والعربية التي تهتم بالشأن السوري ولديها مصالح اقتصادية وعسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
ومنذ أكثر من عام ونحن نتحاور في المسارات الخطيرة لدى بعض الأطراف المعارضة السورية والتواجدات الفكرية الهدامة والخطيرة على مستقبل سورية وحدة وشعبا وأرضا، ونرى أنه من واجبنا الوطني وشعورنا بالمسؤولية أن نطرح مواقفنا الثابتة والمنهجية تجاه التغيير الديمقراطي في سورية وموقفنا من التحالفات الداخلية والخارجية التي تدور في محيط المعارضة السورية.

المعارضة السورية الشريفة
المعارضة السياسية موجودة مند نشوء الأمم، مند بدأ الإنسان في التجمع وتشكيل المكونات البشرية المتعددة. منذ جمهورية أفلاطون وحتى تاريخنا المعاصر. جميع شعوب العالم تؤمن بتعددية الأفكار واختلاف المبادئ والنظريات، حتى الأديان السماوية هي متعددة ولكن مختلفة في التفسير رغم أَنَها متوحِدة في المصدر الإلهي. لا توجد دولة في العالم لا توجد فيها معارضة سياسية، حتى الأحزاب لا تخلو من معارضات داخلية وتكتلات مختلفة.
يتجلى البعد الحضاري للأمة بمدى تعامل القوى المتناقضة داخل الأمة فيما بينها. تتقدَم الأمم حين تنمِي المبادئ الإنسانية في احترام المواطن وحقِه في الحرِية والمساواة، في احترام الدولة للإنسان، وتفاني الإنسان في الدِفاع عن حق أمته واحترامه للآخرين. غياب الديمقراطية في العمل السياسي فقدان الأمة لديناميكية التطور، وحرمانها من التجديد، عزل الشعب عن ممارسة حقوقه السياسية والاجتماعية والثقافية، معناه عدم استغلال الطاقات الفكرية والعلمية لهده الأمة. العمق الديمقراطي في التجربة السياسية يعطي الأحزاب قوَة وحصانة فكرية يساعدها في مسيرتها. غياب الحوار الديمقراطي داخل الحزب الواحد، يؤدي إلى نشوء الأفكار الاستبدادية، وإلى التطرف الفكري في القيادة، ونمو المغالاة السياسية التي تولد الانتهازية والإيمان بالحزب القائد لتصل إلى الإيمان بالقائد الضرورة و القائد إلى الأبد.
مند استقلال سورية بعد الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هدا، يعيش شعبنا بكافة أحزابه وقواه الوطنية وفئاته الدينية، في تلاحم وطني للدفاع عن قضايا أمتنا العربية في السيادة و الاستقلال والحرية> كان الصراع السياسي يدور دائما حول ثلاثة محاور فكرية.
المحور الأول: وهو المحور القومي الذي يقوده حزب البعث مع الأحزاب الأخرى.
المحور الثاني: وهو المحور الإسلامي الذي تقوده حركة الإخوان المسلمين.
ثم المحور الثالث اليساري الذي يقوده الحزب الشيوعي السوري مع بقية الأحزاب السياسية الأخرى.
مند نشوء الصراع السياسي في خمسينيات القرن الماضي وحتى سقوط بغداد تحت الإحتلال الأميركي، كانت المعارضة السورية متحدة ضمن برنامج سياسي يضم جميع القوى المتحالفة في التحالف الوطني للمعارضة السورية في الداخل والخارج، وكان الهدف الأساسي في المعارضة هو العمل المشترك من اجل التغيير الديمقراطي مع احترام خصوصية كل حزب وحقه في العمل والتنظيم داخل سورية.
طرحت المعارضة برنامجا مشتركا يضم الإعتراف بالديمقراطية وحقوق المواطن السوري، إحترام الدستور وحرية الصحافة والإعلام، الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإلغاء جميع القوانين الإستثنائية وقوانين الطوارئ.
لم تكن هناك أية طروحات شعوبية ولا عنصرية تجاه أية فئة من فئات الشعب السوري. كنا نرفض الأسلوب اللأخلاقي في الإعلام ونرفض المنطق الطائفي، نرفض التهجم الشخصي ونحترم كرامة الآخرين وخصوصية كل مذهب.
قبل الدخول في المسار التاريخي للمعارضة السورية لأكثر من نصف قرن، لا بد من التوضيح على ان المعارضة مرت بثلاثة مراحل مختلفة في تاريخها السياسي، كل مرحلة حسب وجهة نظرنا، لها خصوصيتها ولها ظروفها التي فرضت مواقف مختلفة و برامج سياسية تتماشى مع المرحلة التاريخية. من الاستقلال و حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة
تميزت المعارضة في تلك الفترة بنشوء الأحزاب الوطنية والعقائدية، وكان المحرك الأساسي لجميع تلك القوى،العمل ضمن سيادة القانون، ضمن المساحة الديمقراطية التي يحددها الدستور السوري في العمل السياسي. تتنافس جميع الأحزاب والقوى المستقلة للوصول إلى البرلمان وتشكيل الكتل البرلمانية وتعتمد الكسب السياسي بين الجماهير، مع وجود إعلام متنوع ومستقل. لم تكن هناك نظرة استبدادية في محاربة الاختلاف العقائدي والفكري ولم تكن هناك اعتقالات وسجون سياسية وحرمان من الوطن وتشريد الآخرين.
من الوحدة حتى سقوط بغداد
لقبول مبدأ الوحدة مع سورية، وضع الرئيس عبد الناصر شرطا أساسيا بحل جميع الأحزاب السورية، ما وافق عليه الجميع في البداية وخاصة حزب البعث، إيمانا منهم بمبدأ الوحدة و استجابة لطموحات الشعب السوري، إلاَ أنَ الأمور سارت فيما بعد بعكس طموحات الأحزاب السياسية، فبدلا من قيام أسس ديمقراطية وسياسية تعمق التجربة الوحدوية الناشئة، قامت مؤسسات أمنية، تلاحق السوريين لأبسط الأمور، ومنذ ذلك التاريخ بدأ نمو الفروع الأمنية وتعددها مع مرور السنين. في البداية كانت بحجة الدفاع عن الوحدة، ثم ضد إسرائيل، لتمتد بعدها لحماية الثورة وحماية الحزب لتصل إلى حماية القائد، وازدادت الصلاحيات لتتجاوز القوانين، ودخلت سورية مرحلة جديدة، تتميز بالعنف ونبد الآخر. بدأ التشرد ومنع الفرد من دخول البلاد، وانتشرت السجون السياسية. في المرحلة السابقة كانت الأحزاب تعترف بحق الآخرين في العمل بحرية ضمن الوطن، أما بعد الوحدة وحتى يومنا هدا، فقد بدأ المنطق يتجه نحو العنف ونبذ الآخرين، تغيرت الأهداف في العمل الديمقراطي، ليحل محلها الاستبداد والإنفراد في السلطة، من ليس معي فهو ضدي، من هو ضدي فهو عدو خائن ولا يحق له العيش في سورية. بدأت سياسة التشريد والتهجير السياسي، ونمت سياسة العنف والعنف المضاد، لا خيار لمن يختلف معي إلاَ السجن والتعذيب، أو التشريد والمنع من دخول سورية. أنا سورية وسورية أنا.
احتلال العراق وتبعثر المعارضة السورية
يعتبر احتلال العراق من قبل القوات الأميركية، حدثا هاما في التاريخ العربي المعاصر، وتبدلا جوهريا في مصير المعارضة السورية من حيث التحالفات السياسية. إضافة إلى الأحزاب التقليدية السابقة، تكونت تنظيمات جديدة، منها ما هو مبني على أسس عرقية وطائفية، ومنها ما هو تجمعات بلا أهداف واضحة، وساد الغرور الفكري والتباهي المزيف في التعامل السياسي تجاه الآخرين، نتيجة للشعارات المزيفة التي طرحتها إدارة بوش في نشر الديمقراطية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. هدفنا في ذكر المراحل الثلاثة، لا يقصد منه دراسة تفصيلية لكل مرحلة، وإنَما فقط لتوضيح الملامح الأساسية لكل مرحلة في حياة المعارضة السورية. ففي المرحلة الأولى، كان الجميع يعترف بحق الجميع في العيش والعمل السياسي المشترك ضمن سيادة الوطن الواحد. في المرحلة الثانية، ساد طابع الإنفراد بالسلطة ونبذ الآخر، وحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية، مع وجود معارضة سياسية متوحدة في المشروع السياسي الديمقراطي وتحافظ على الوحدة السورية. في المرحلة الأخيرة وبعد سقوط بغداد، ظهرت أساليب جديدة في التعامل السياسي، واتجاهات متعددة تتنافس في التعامل مع القوى الخارجية، منها من يؤيد تقسيم سورية، ويطالب بخلق كيانات منفصلة، ومنها من يبحث في التعامل مع القوى الخارجية، حتى إدا أدى دلك إلى احتلال سورية.
سنقوم بذكر الإنجازات والتحالفات السياسية الجديدة في المعارضة السورية، منذ أكثر من نصف قرن حتى يومنا هذا، وموقفنا تجاه كل جهة.
المعارضة وتشكيل لجنة الدفاع عن الحريات و المعتقلين السياسيين في سورية
من الإنجازات الهامة للمعارضة السورية في الخارج، تشكيل لجنة قانونية مختصة في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في سورية. يعود الفضل في ذلك الوقت لحزب البعث في تنظيمه القومي، وخاصة أن الصراع السياسي في مرحلة الستينات والسبعينات كان على أشده بين القيادة القومية والقيادة القطرية في حزب البعث وتمت تصفية الآلاف من الحزبيين وتشريد الآلاف الآخرين خارج سورية. تشكلت لجنة الدفاع عن الحريات والمعتقلين السياسيين في سورية، في بغداد عام 1975 تحت مسؤولية المعارض السياسي الكبير الأستاذ أحمد أبو صالح وبمبادرة منه.
كان عددنا لا يتجاوز أصابع اليد، وضعنا الأسس والمبادئ الهامة لانطلاقتنا في الدفاع عن حقوق الإنسان و قوق المساجين في سورية، ونبذ الاعتقالات والتنديد بالتعذيب.
قمنا بتأسيس لجان فرعية في كل أوروبا وأميركا، مع نشر مجلة خاصة اسمها "المنبر" تهتم بنشر الوثائق والدراسات ونشر أسماء المساجين السياسيين في سورية. لم نفرَق بين سوري وسوري على أساس طائفي أو عقائدي.
بدأت اللجنة تأخذ دورا هاما في مسيرة المعارضة السورية في الخارج و تعتبر إنجازا هاما ليس فقط على مستوى سورية وإنَما على مستوى الوطن العربي، خاصة وأنَه في السبعينيات من القرن الماضي لم يكن الاهتمام بحقوق الإنسان كما هو عليه اليوم. كانت نشاطات اللجنة مع جميع المنظمات العربية والدولية في مجال حقوق الإنسان، من منظمة العفو الدولية إلى هيئة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة. عقدنا أوَل مؤتمر دولي عام 1985 في قصر المؤتمرات في بروكسل، لمناقشة حقوق الإنسان في سورية، ضم جميع أطياف و قوى المعارضة السورية في الخارج. انبثق عن هدا المؤتمر تشكيل اللجنة الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان في سورية و مقرها كان في بروكسل، تضم عدة كتاب ومحامين وحقوقيين عرب وأجانب. نجتمع بشكل دوري مستمر لمتابعة انتهاكات حقوق الإنسان في سورية.
في عام 1989 عقدنا المؤتمر الدولي الثاني في جنيف للمعارضة السورية، بحضور الغالبية العظمى لأطراف المعارضة السورية في الخارج، ونجحنا في توحيد صفوف المعارضة ووضع برنامج سياسي مشترك ضمن تحالف وطني يضم كافة الأحزاب والقوى السياسية المتواجدة على الساحة السورية في الخارج. بدأنا بتوسيع دائرة نشاطاتنا القانونية وأصبحنا منظمة قانونية و حقوقية هامة على المستوى السوري، لها علاقات وطيدة مع جميع منظمات حقوق الإنسان، لكنها وئدت مع سقوط بغداد الأول في حرب الخليج الأولى، واليوم تشهد الساحة السورية وجود عشرات المنظمات الحقوقية التي تهتم بحقوق الإنسان وتدافع عنه. كل حزب سياسي لديه لجنة وكل مجموعة شكلت لجنة قانونية منفصلة. هذه ظاهرة جيدة، فالتنوع مفيد والعدد يعطي المعارضة قوة سياسية، إذا كان الهدف الأساسي هو المصلحة العليا في الدفاع عن المساجين السياسيين في سورية. هدفنا في هذا السرد التاريخي أن نظهر لبعض الجماعات المغرورة في المعارضة السورية الحالية، أن الاهتمام بحقوق الإنسان واحترام حرية المواطن وحرية الرأي كانت من إنجازات المعارضة السورية مند السبعينيات، حين كانت الغالبية العظمى للأحزاب والقوى السياسية في سورية وحتى على مستوى الوطن العربي، لم تكن تهتم بحقوق الإنسان كما هو عليه اليوم، بفضل دخولنا عالم الإنترنت وعالم التطور في مجالات الاتصال والإعلام، ووجود قنوات التلفزيونات المتعددة التي دخلت كل بيت، والتلفونات اليدوية في جيب كل مواطن.
المعارضة اللأخلاقية
بعد احتلال بغداد من قبل القوات الأميركية، بدأت وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية بترويج شعارات زائفة في الديمقراطية والتغيير في الشرق الأوسط، بدأ الإعلام بالترويج لأحلام وردية في شراء المفكرين العرب. وأوعزت إدارة بوش لعملائها الجدد الذين دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الأميركية، بإنشاء الميليشيات العرقية والطائفية وتحطيم الدولة العراقية وإنهاء التواجد القومي العربي في العراق.
لقد كنا في بغداد قبل وبعد الإحتلال مباشرة وشاهدنا كيف قامت القوات العميلة بدعم من قوات الإحتلال بقتل السوريين والعرب ومصادرة ممتلكاتهم. لدينا الوثائق التي تدين المرتزقة الجدد الذين جاءوا من إيران وبمباركة أميركية مقصودة.
شاهدنا كيف سرقت أموال وممتلكات الدولة العراقية، كيف هاجمت الميليشيات الكردية وميليشيات حزب الدعوة وجماعة الحكيم والجلبي بنوك الدولة العراقية. كيف سرقوا الملايين واحتلوا بيوت المسؤولين السابقين، كما فعل قادة الإحتلال الأميركي من احتلال القصور الرئاسية والسكن فيها. لقد نسي العملاء الجدد ما قدمه السوريون والعرب من تضحيات للدفاع عن العراق. هاجموا بيوت السوريين وحاصروهم وقتلوا الكثير منهم، مما اضطر الجالية السورية للهروب مع عائلاتها إلى الحدود السورية، وفضلت الدخول إلى السجن في سورية بدلا من البقاء تحت الإحتلال الجديد. لقد عادت الأغلبية الساحقة من السوريين مع عائلاتهم، وبقيت مجموعة من العائلات السورية تعاني الموت والفقر القاتل مند عام 2003، لا تهتم بهم أيَة منظمة دولية، ولا تسأل عنهم حكومتنا السورية الموقرة.
سعى اللوبي اليهودي الذي يسيطر على إدارة بوش من زرع الفتن الطائفية والعرقية بين المسلمين والمسيحيين، بين العرب والأكراد، بين الشيعة والسنَة. وعدوا بالأحلام الوردية وأوهموا القيادة الفلسطينية بخلق دولة فلسطينية مستقلَة. أين هو الشرق الأوسط الجديد الذي وعد به بوش؟ دمار في دمار، وفتنة بعد فتنة. إسرائيل تضرب جنوب لبنان ونحن نتفرَج، حتى اللبنانيون شمالا يتفرجون، ذلك لا يعنيهم لأن بوش وإسرائيل أقنعونا بأن الجنوب شيعة والحرب هي ضد حزب الله.
هاجمت إسرائيل القيادات الفلسطينية وزجَت بهم في السجون، استوطنت الأراضي المحتلة بدلا من الإنسحاب منها، زرعت الفتنة بين الفلسطينيين وخلقت العداء بينهم، شجَعت قتال الفلسطينيين مع الفلسطينيين باسم فتح وحماس لتقوم بتدمير مدينة غزة ونحن العرب نتفرَج. لسنا مع حزب الله لأننا لسنا شيعة، ولسنا مع حماس لأننا لسنا سنة، فمن نحن يا عملاء؟

فاروق محمد المصارع، الناطق باسم التجمع الديمقراطي السوري