المعارضة الحضارية والمثالية التي مارسها حزب الله

بقلم: حسان القطب

يقود حزب الله حملة واسعة على قوى المعارضة الجديدة، ودفاعاً في الوقت عينه عن حكومته التي يرأسها نجيب ميقاتي، ولهذا فإن حزب الله يوجه انتقادات شديدة اللهجة للطريقة التي تبرز فيها المعارضة الجديدة مواقفها وخطابها السياسي، دون أن يلتفت إلى الخطاب التحريضي الذي يطلقه ميشال عون بحق الطائفة السنية ورموزها في لبنان، وما قد يؤدي إليه هذا الكلام من تحريض لأبناء هذه الطائفة على التحول من الاعتدال للتطرف لمواجهة ما يخطط له حزب الله والفريق السوري في لبنان، بناءً على الكلام الذي ورد على لسان ميشال عون.

من هنا كان خطاب نواف الموسوي خطيب ومفكر حزب الله الذي قال فيه: "على هذه الحكومة أن لا تتراجع عن تخليص لبنان من الفتن المذهبية ورئيس الحكومة الذي نحيي شجاعته مسؤول بالدرجة الأولى، وقادر على أن يخلص البلد من الفتنة".

هذا الكلام معناه أن كافة الأحزاب والقوى اللبنانية هي أحزاب طائفية مذهبية، باستثناء حزب الله؟

ورأى وزير الزراعة حسين الحاج حسن أن "أمام الحكومة الحالية صعوبات ومسؤوليات جساماً، لأنها ورثت من الحكومات السابقة لفريق 14 آذار عبئاً ثقيلاً".

طبعاً هذا الكلام يوحي أن لا علاقة لحزب الله وحركة أمل وميشال عون ووليد جنبلاط بالحكومات السابقة، بالرغم من مشاركتهم جميعاً في كافة الحكومات وموافقتهم على كافة القرارات التي اتخذت بالتوافق بين كافة مكونات تلك الحكومات. وبالتالي يكون هذا الكلام غير صحيح بل منافي للحقيقة التي يعرفها جميع المواطنين اللبنانيين.

أما الشيخ نبيل قاووق فقال: "الواجب الوطني يفرض على الحكومة أن لا تنجر إلى استنزاف ومنزلقات داخلية وعليها أن تتفرغ لخدمة الناس ومعالجة الأزمات ومواجهة التحديات، والرد على محاولات فريق 14 آذار لإبعاد الحكومة عن الإنجازات هو في العمل لتحقيق الإنجازات لكل الوطن".

هذا التصريح الذي ظاهره البراءة في دعوته للعمل لخدمة الشأن العام ومصالح الناس، يذكرنا بكيفية تعطيل عمل كافة الحكومات التي تلت الانسحاب السوري من لبنان.

ورأى عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض أن "انفجار الوضع الأمني في طرابلس بعيد تشكيل الحكومة مباشرة هو بمثابة لغم جرى تفجيره في وجه الحكومة الجديدة ويهدف إلى إرباكها وعرقلة انطلاقتها وهذا ما مهد إليه البعض من خلال خطاب سياسي طائفي ولغة تحريضية متوترة ومداخلات ميدانية لم تكن خافية على أحد، وذلك مؤشر صارخ على أن البعض يريد أن يواجه الحكومة بكل الوسائل ومهما يكن الثمن".

وهنا يتهم نائب حزب الله والمنظر السياسي للحزب، المعارضة الجديدة بالتمهيد لما جرى من إشكال امني في طرابلس.

من هنا نرى انه ربما على قوى المعارضة الجديدة في لبنان أن تتبع أسلوب حزب الله الحضاري والسلمي والديمقراطي في المعارضة، والذي اتبعه على امتداد السنوات الست لماضية أي منذ خروج جيش احتلال النظام السوري من لبنان، حتى تكون هذه المعارضة على مستوى المسؤولية في مواجهة فريق من هذا النوع وبهذا التفكير وبهذه القدرة على تغيب الحقائق وتجاهل الوقائع وتضييع وتجهيل الذاكرة، وهذا الكلام قد ينفع الرئيس نجيب ميقاتي الذي اتهم المعارضة بالتفجير، وكذلك الوزير محمد الصفدي الذي انقلب على مدينته وناخبيه.

- خدمةً للنظام السوري وتعطيلاً لمصالح اللبنانيين التي يتحدث عنها بشغف حزب الله اليوم.. في العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، عام 2005، قال وزراء التحالف الشيعي بقيادة حزب الله وحركة أمل المؤيدين لسوريا أنهم انسحبوا من جلسة للحكومة اللبنانية احتجاجا على مناقشة خطاب بشار الأسد الذي شن فيه هجوما لاذعا على رئيس الوزراء فؤاد السنيورة. فقد كانت حماية الرئيس السوري ونظامه أهم من خدمة مصالح اللبنانيين.

- في 11/11/2006، أعلن عن استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل من الحكومة اللبنانية بعد فشل جلسة التشاور التي كانت قد عقدت. واصدر الحزبان الشيعيان بيانا أعلنا فيه انسحاب الوزراء الخمسة. وتأتي هذه الخطوة في اليوم الثاني لتسلم الحكومة اللبنانية لمسودة قرار إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة المشتبه بهم بقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، كما كان من المتوقع أن توافق الحكومة في جلسة استثنائية على هذه المسودة.

- يوم الجمعة 1 كانون الأول/ديسمبر من عام 2006، واصل أنصار القوى اللبنانية المعارضة الاعتصام وسط العاصمة بيروت وعلى رأسها أنصار حزب الله بهدف إجبار الحكومة على الاستقالة وفتح الباب أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية، ونصب المعتصمون خياما على طريقين يؤديان إلى السراي الحكومي مقر رئاسة الحكومة، من جهة أخرى، وأجمعت مصادر غربية رفيعة المستوى على القول: إن المعارضة اللبنانية أرادت بإضرابها عشية مؤتمر "باريس –3"، توجيه رسالة إلى الأسرة الدولية، مفادها أن حكومة "السنيورة" ضعيفة يمكن إسقاطها في أية لحظة. خصوصًا أن المعارضة أخذت المطار رهينة، وفرضت حصارًا مماثلاً للحصار "الإسرائيلي" في الصيف الماضي". وأشارت إلى أن الجيش اللبناني أبدى حذرًا مبالغًا في بعض الأحيان، إذ تدخل فقط للفصل بين الأطراف، ولم يمنع المتظاهرين من إغلاق الطرق المؤدية إلى المطار فيما كان ينبغي أن يفتحها. ورأت أن قائد الجيش العماد ميشال سليمان، "اعتمد حذرًا مبالغًا فيه قد يبرره أنه يريد البقاء على علاقة جيدة مع كل الأطراف، في إطار أمنيته الوصول إلى الرئاسة".

- في 25/1/2007، شهد محيط الجامعة العربية أحداثا خطيرة حيث "أعلنت مصادر أمنية لبنانية، أن عدد الموقوفين في الاشتباكات التي وقعت أمس الأول داخل حرم جامعة بيروت العربية بلغ 20."

- في 22/9/2007، رأى النائب السابق محمد عبد الحميد بيضون "أن اكبر عملية اغتيال تعرضت لها الأكثرية هي في إغلاق المجلس النيابي وتعطيله ومنع هذه الأكثرية من ممارسة دورها وواجبها، واليوم تمثل محاولات بعض الأطراف بتعطيل انتخابات الرئاسة أو تأجيلها بذريعة النصاب وغيره، مرحلة جديدة من مراحل اغتيال الدولة وليس اغتيال الأكثرية فحسب".

- بيروت في 27 من يناير/كانون الثاني عام 2008 قال حزب الله أن تحقيقا جديا في مقتل سبعة من الشبان الشيعة الشهر الماضي هو أمر أساسي للحفاظ على الجيش اللبناني الذي يُنظر إليه كضامن للسلم الأهلي في بلد يُعاني انقسامات عميقة. وتم اعتقال ثلاثة ضباط وثمانية جنود على خلفية إطلاق النار الذي حصل، والذي بدأ إثر تحرك الجيش لتفريق احتجاج على انقطاع الكهرباء. هكذا نعزز الثقة بالجيش ودوره؟

- في السابع من أيار/مايو عام 2008، وقعت أحداث مدينة بيروت حيث اجتاح حزب الله وحركة أمل والقومي السوري، شوارع مدينة بيروت ومناطق واسعة من الجبل بهدف احتلالها وتعطيل الحياة فيها..وسقط خلالها مئات القتلى والجرحى ولم يتحرك الجيش. هذا هو دور الجيش الذي يريده حزب الله؟

- قٌتل الضابط الطيار الشهيد سامر حنا، بعد تعرض طوافته العسكرية لإطلاق نار في محلة تلة وزلان في سجد في 28 آب/أغسطس من العام 2008 فأصيب في رأسه برصاصة قاتلة فوق الأراضي اللبنانية واعتقل قاتله مصطفى المقدم احد عناصر حزب الله الذي اعترف بقتل الشهيد حنا عن غير قصد معتقدا بأن الطوافة إسرائيلية، مع العلم أن العلم اللبناني موجود على مقدمة ومؤخرة الطوافة... وبعد أقل من 10 أشهر من استشهاد الطيار سامر حنا، أطلقت المحكمة العسكرية أمس المتهم بالتسبب باستشهاد الضابط بكفالة مالية مقدارها عشرة ملايين ليرة. وأثار هذا الأمر ردود فعل منتقدة. هكذا تكون المقاومة إلى جانب الجيش والشعب. المثلث الذهبي.

- في 25/8/2010 وقع إشكال قرب جامع الأحباش في محلة برج أبي حيدر بين عناصر من حزب الله وآخرين من جمعية "المشاريع الخيرية الإسلامية" المعروفة بالأحباش تطور إلى إطلاق للنار، ما أدى إلى مقتل كل من المسؤول الأمني لحزب الله في بيروت محمد فواز ومرافقه علي محمد جواد، إضافة إلى سقوط عدد من الجرحى من الطرفين. وأفاد مصدر أمني أن "الاشتباك استخدمت فيه الأسلحة الرشاشة وقذائف أر بي جي. وأوضح عنصر من حركة أمل موجود في موقع الاشتباك رافضا الكشف عن هويته لفرانس برس، أن "عناصر من الحركة تدخلت إلى جانب حزب الله، ولا تزال الاشتباكات مستمرة. هكذا يحافظ حزب الله على السلم الأهلي.

- في 22/4/2011، البناء غير الشرعي ينفجر في وجه الدولة "رفع غطاء" متأخر والحملة الأمنية متواصلة، فقد رسمت موجة الهجمات المتعاقبة التي تعرضت لها القوى الأمنية والعسكرية في حملتها لإزالة التعديات على الأملاك العامة والتي تفاقمت على نحو لافت أمس في مدينة صور والضاحية الجنوبية، معالم بالغة الخطورة على المستويين الأمني والسياسي بدليل الاستنفار المتعدد الجانب الذي أثارته. وإذا كانت الشراسة التي واجهت بها مجموعات "أهلية" القوى الأمنية شكلت صدمة فعلية وعكست خطورة حال العصيان على القانون التي تسود المناطق التي تتكرر فيها هذه الهجمات. فان الأسوأ من ذلك برز في معلومات توافرت لـ"النهار" من مصادر معنية مفادها أن ظهورا مسلحا كثيفا رصد في محلة المساكن الشعبية شرق مدينة صور تزامن مع قمع دوريات من قوى الأمن الداخلي بمؤازرة قوة من الجيش مخالفات بناء على أملاك عامة. ومع تجمهر أعداد من الأهالي واعتراضهم القوى الأمنية وتطور الأمر إلى اعتداءات على هذه القوى، أطلق الرصاص من الجهة الخلفية في اتجاه القوة الأمنية التي رد أفرادها بإطلاق النار ترهيبا في الهواء، ثم تطور الأمر إلى قطع طرق وإحراق سيارات تابعة لقوى الأمن الداخلي. وسرعان ما انتقلت المواجهة إلى منطقة الاوزاعي في الضاحية الجنوبية حيث تعرضت قوة أمنية أخرى لهجمات حادة من مجموعات أهلية بينها نساء وأطفال وتكرر مشهد قطع الطرق والاعتداء على رجال الأمن. الحفاظ على الأملاك العامة والمال العام تكون بالاستيلاء على الأراضي من قبل فريق معين وعدم محاسبته حفاظاً على السلم الأهلي والعيش المشترك.

هذا غيض من فيض ممارسات فريق حزب الله وحركة أمل على الساحة اللبنانية ولو رغبنا في تعداد المزيد لكان لنا ما نريد، ولكننا أوردنا هذه الأحداث وبإيجاز فقط لتذكير المواطن اللبناني أن هذا الفريق الذي يتحدث عن غياب الدولة ومشروعها، لم يكن يوماً إلى جانبها، ولم يساهم يوماً في بناء صرحها، بل على العكس من ذلك تماماً فهو كان في مواجهتها دوماً، وفي حالة صدام مع أجهزتها وفي تجاهل كامل لقوانينها ومؤسساتها ودورها.. واليوم يطل علينا من يتباكى على هذه الدولة وحضورها ويعدنا ببناء دولة عصرية تتحمل مسؤوليتها بأمانة وإخلاص، وهو كان معول هدم في جسمها، وسيف مسلط على رقاب اللبنانيين في أحداث ومناسبات عدة.. إن هذا الفريق لا يعرف لغة الحوار والنقاش والتواصل مع الفريق الآخر، بل يريده خانعاً مستسلماً، لذا يمكن القول أن هذه المعارضة بالشكل والمضمون الذي قراناه أعلاه هي المعارضة الحقيقية والمثالية والحضارية التي يعترف بها حزب الله وفريقه، لأنها الوحيدة التي يتقنها إلى جانب حركة أمل وفريقهما، بل هي التي يفهمها، ويعرف كيف يمارسها، أما إدارة الدولة وشؤون الناس فلن تكون يوماً من شان هذا الفريق أو من أولوياته.. وهذا التاريخ الحافل بالأحداث والمآسي والارتكابات، يجعل هذا الفريق غير قادر على استيعاب أو تقبل أي وجهة نظر معارضة أو معترضة على سياساته أو ممارساته لأنه فوق القانون، هكذا كان في الماضي، وهكذا سوف يكون في المستقبل، وللأسف فقد اختار ميقاتي والصفدي وجنبلاط التحالف مع هذا الفريق للإجهاز على ما تبقى من مكونات هذه الدولة.

حسان القطب