المطبعي .. أمير التحقيق الثقافي في الصحافة العراقية

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
موسوعة العراق

هل تكفي بضع صفحات للكتابة عن الرجل الموسوعي، الكاتب، والباحث، والأديب الأستاذ حميد المطبعي؟
يقينا أنها لن تكفي، فنحن إزاء جبل من المعلومات، والوثائق، والصحف والمجلات. له في الصحف فقط قرابة 5000 مقالة، فضلاً عن كتبه المنشورة، ومجلة "الكلمة" التي أصدرها، و"موسوعة المفكرين العراقيين"، وموسوعة "أعلام العراق في القرن العشرين" في ثلاثة مجلدات، وهو لا يزال يحث الخطى، لايكل ولا يمل، ويريد أن يحفر لنفسه موقعاً، في الذاكرة الثقافية العراقية المعاصرة. فمن هو حميد المطبعي؟
في يونيو/حزيران 2006، كرم مع نخبة من رواد الصحافة العراقية وشهدائها. وكرمته جريدة الزمان (اللندنية) فوقف الرجل، شامخاً، بين زملائه رواد الكلمة والحرف بإنجازاته الكبيرة.
حميد المطبعي، كما يحب هو أن يقدم نفسه، إنسان مشغول بالفلسفة، ثائراً بطبعه، جدلي الفكر، كما أنه جدلي الفعل، لا يستقر ولا يهدأ، حتى يضع لمساته على موضوع مقال له. يتناول الحرية، ويبحث في الإدارة، ويناقش مديات العطاء الإنساني. هو "حميد محمد علي المطبعي". ليس المهم هو من العشيرة الفلانية أو المدينة العلانية، إنه ابن العراق، لا يفرق بين من يسكن الشمال ومن يسكن الجنوب. المعيار عنده هو الإبداع. والمقياس هو من يقدم للعراق. يستحق أن يشار إليه بالبنان.
ولد في مدينة النجف الأشرف، العاصمة الثقافية العراقية سنة 1942. وفي معاهدها العلمية درس الفلسفة، وعلوم العربية، وقد أخذ الكثير مما يجب أن يعرفه هو في سن الشباب من عبدالكريم الزنجاني صاحب نظرية التقريب بين المذاهب، ومن هنا تعلم التسامح، وتعلم احترام الآخر، وعرف الشوق لأنه كابده.
وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي تعرف على الوجودية، فارتبط مع روادها، وتراسل مع جون بول سارتر صاحب الفلسفة الوجودية، وتعلم من جيفارا أن النزعة الثورية حركة، وأعجب بحركة اليسار الجديد، وهذا هو ما دفعه إلى كتابة رسالة في جدل الآخر سنة 1959 بعنوان: "الفجر الصادق".
وبعد ذلك وقف عند القومية وألف سنة 1960 رسالة "في القومية العربية".
الوجودية تعانقت مع اليسار، والثورية ارتبطت بالقومية، ووجد نفسه مدفوعا للتعبير عن مكنونات نفسه، فاجتمع مع نخبة من أصدقائه، وفي مقدمتهم الأستاذ موسى كريدي ليصدر مجلة "الكلمة" في 26 يناير/كانون الثاني 1969 هذه المجلة التي كان لها حضورها الفاعل في الساحة الثقافية العراقية المعاصرة، مع بساطة إخراجها، وضعف إمكاناتها.
قال عنه صديقنا الدكتور عبدالإله الصائغ في معرض حديثه عن الشيخ الدكتور محمد كاظم الطريجي (أحد علماء النجف الاشرف الكبار) إن حميد المطبعي، كان واحداً من مؤسسي "ندوة الآداب والفنون المعاصرة" التي تأسست في النجف الأشرف مطلع الستينيات من القرن الماضي، إلى جانب الرواد: عبدالإله الصائغ، وزهير غازي زاهد، وزهير الجزائري، وموفق خضر، وعبدالأمير معله، وموسى كريدي، وجاسم الحجاج.
وكان لهذه الندوة لقاءات، وحوارات ساخنة في مقاهي ومنتديات الكوفة والنجف، وقال الدكتور عبدالإله الصائغ إن حميد المطبعي كان زميله في مدرسة الغري الأهلية المسائية، وفي متوسطة الخور نق، وإنه أصدر مجلة "الكلمة" على هيئة ملفات مستغلاً ثغرة في قانون المطبوعات عهد ذاك، مستفيداً من عمله في مطبعة الغري التي يمتلكها أخوه الأكبر عبدالرضا المطبعي، وأضاف الصائغ، أن المجلة اتجهت نحو اليسار والماركسية. وكانت تتحدث عن الديمقراطية، وحرية الكلمة فاستقطبت الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء، من داخل العراق وخارجه، أمثال: نزار قباني، وسعدي يوسف، وأدونيس، وعبدالواحد الخضيري، وبشرى البستاني، وعبدالرحمن طهمازي، وجليل القيسي، وإسماعيل فهد إسماعيل، ويوسف الحيدري، ومحمود جنداري.
أما الأستاذ زيد الحلي فكتب مقالاً أعرب فيه عن رأيه في مجلة "الكلمة" قائلاً: إن مجلة (الكلمة) سطعت نهاية ستينيات القرن الماضي، وحملت أجنحتها العديد من الأدباء المعروفين محليا وعربيا، وفتحت صفحاتها (السمراء) لأقلام كانت تحلم بالنشر، بينهم من تسلق هامات الشهرة، وهو يستحق. ومنهم بقى متعكزاً على وهم سرعان ما ضاع في التيه، لكن المجلة بقيت تتحمل أعباء الصدور... ".
وكان يهم المطبعي وزميله موسى كريدي، الذي التحق به في تحرير مجلة "الكلمة"، أن تجد المجلة طريقها إلى المكتبات والمثقفين آنذاك، وقال الحلي "إن من يطالع مجلة (الكلمة) مجدداً، ويحاكمها بمنطق العدالة، يجد أنها آمنت بسريان التاريخ والحضارة، وأدركت أنه ليس هناك حداثة لا تراث لها، وتجلى ذلك بما نشرته في معظم أعدادها..".
لقد شكل طائر العنقاء سمة أساسية في كل ما نشرته المجلة من شعر ودراسة ومقالة...".
وكانت مجلة "الكلمة" ملتقى الأدباء، والشعراء، وكتاب القصة، فضلا عن أنها سهلت للشباب نشر نتاجاتهم. وأصدرت سنة 1973 عددا خاصا عن شعراء السبعينيات من القرن الماضي، ونشرت بيانهم "بيان القصيدة اليومية".
وكانت "الكلمة" تصدر بجهد شخصي من حميد المطبعي وموسى كريدي، وأصبح لها صدى في البلاد العربية، حتى أن أدونيس عندما زار العراق سنة 1969، أصر على زيارة المطبعة التي كانت تطبع مجلة الكلمة، وأعجب بجهد محرريها وحرصهم على نشر الأدب الحديث.
كان حميد المطبعي يقترن ببغداد كصرح ثقافي، وجزء مهم من عمارتها الإبداعية والمعرفية.
جاء في ترويسة مجلة "الكلمة" أنها "مجلة شهرية ثقافية تصدر في النجف الأشرف". ثم انتقلت إلى بغداد بانتقال صاحبها حميد المطبعي، ورئيس تحريرها موسى كريدي.
رأس المطبعي كذلك تحرير جريدة "العامل الاشتراكي" وجريدة "النقابي" سنة 1963.
من كتبه المنشورة:
1. الدكتور أكرم نشأت إبراهيم أستاذ الفقه الجنائي العراقي، 2002.
2. النفساني التربوي الدكتور عبدالعزيز البسام، 2002
3. المؤرخ الدكتور صالح أحمد العلي، 2003.
4. ضياء شيت خطاب، 2002.
5. الدكتور جميل الملائكة المبدع في الهندسة والترجمة، 2002.
6. جمال الدين الألوسي، 1987.
7. رحلتي إلى الشمال، 1986.
8. الشاعر حميد سعيد، 1990.
9. عبدالحميد العلوجي، 1987.
10. العلامة محمد بهجت الأثري، 1987.
11. محاور في الفكر والتاريخ ، 1979.
12. مسائل ثقافية تبحث عن الطريق الواحد من منظور قومي، 1978.
13. المؤرخ سعيد الديوه جي، 1988.
14. موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، 1992_1995 ثلاثة أجزاء.
15. موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، الدكتور راجي التكريتي 1989.
16. موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، الدكتور سامي سعيد الأحمد، 1992.
17. موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، بشير فرنسيس، 1989.
18. موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، حسين علي محفوظ، 1989.
كانت الحرية، ولا تزال، هاجسه الوحيد، فألف كتابه "رسالة في الحرية" ولكن متى؟! انتظر أكثر من ثلاثين عاماً ليخرج كتابه إلى النور، فالكتاب صدر سنة 1990 وفي هذه الرسالة قال قولته الشهيرة: "الإنسان أقوى من الحرية، والحرية أضعف من أن تغرى الإنسان على السقوط".
وخلال السنوات الأربعين الماضية أصدر أكثر من ثلاثين كتاباً وموسوعة. وارتبط بعلاقات واسعة مع معظم ممثلي الثقافة العراقية، بتياراتها المختلفة: القومية والاشتراكية والدينية والليبرالية. ولم يزعل أحدا، ولم يغضب من أحد لكن البعض، وخاصة من لم يعجبه العجب ولا الصوم في رجب، يلومه وينتقده ويسفه مقالاته، لكن ذلك في اعتقادي لا يستطيع أن يضر بصخرة المطبعي بقدر ما يؤذي من يحاول الاصطدام بهذه الصخرة.
أراه أنا، إنسانا طيباً، ودوداً، يحترم غيره، ويعترف بمجهودات الجميع إلى درجة أنه روج لأفكار وسير عدد كبير من أعلام العراق في القرن العشرين.
أصدر 20 جزءا من "موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين"، وكتب عن جواد علي، ومحمد بهجت الأثري، وسعيد الديوه جي، وحسين علي محفوظ، والدكتور سامي سعيد الأحمد، وعبدالرحمن التكريتي .. وغيرهم. لم ينس أحدا ولم يغبن أحدا. وهذا دليل على أنه يضع الآخر ونشاطاته في مكانة متميزة من اهتماماته.
قال عنه الأستاذ محمد بهجت الأثري، عضو المجمع العلمي العراقي، الكاتب والباحث والمحقق المعروف في سنة 1986 إن حميد المطبعي "كاتب من طراز خاص، معني بأحوال العلماء والأدباء والمتأدبين، وله بالتاريخ شغف. مع نزعة إلى فلسفة ما يقرأ وحفظ واستحضار للألفاظ والنصوص. كما أنه محاور متفنن لمن يحاول فعالية محاوره، ويحسن إثارته ليظفر منه بالصريح من الرأي والقول، وهو قبل هذا وذاك إنسان اجتماعي متفتح، يحب الناس من كل جنس ما لم تكن لهم نازعة إلى الشر تكدر صفو الحياة، ويحترم أقدار الرجال، ويجتهد أن يضع كلاً منهم، فيما يكتبه في شؤونهم، في مكانته، كما يتراءى له...".
أما الفيلسوف العراقي الشهير مدني صالح، فقد قال عنه إنه كاتب لامع وهو "في نظري أحسن رئيس تحرير مجلة في تاريخ الصحافة العراقية حتى هذه الساعة (1985) من أزمنة الصحافة الثقافية في الجرائد وفي المجلات، وإلا فمن في كل تاريخ الصحافة العراقية، أحب مجلته واحترمها مثلما أحب حميد المطبعي مجلته (الكلمة)، واحترامها فأحب واحترم، إكراماً لعينيها، كل المبدعين الواعدين في الثقافة أينما كانوا: لا فرق بين شرق وغرب، ولا فرق بين شمال وجنوب. ولا فرق بين الواعدين إذا توصلوا بالإبداع: يستخرج من المثقفين أحسن ما عندهم للثقافة ولا يسأل المثقفين أجرا إلا المودة في استخراج الثقافة منهم ليعرضها على الناس في الجرائد والمجلات..".
"من هو الذي يبهجك حين يحاورك، ويمدحك، ويرفعك في أعين الناس، ويلاحقك وأنت منسي، ويزين لك الثقافة، ويستدرجك إلى الكتابة ويلح.. ويلح.. ويلح.. من هو الذي يحسن في تعامله مع الناس في الساحة الثقافية العراقية، من هو الذي ينزل الناس منازلهم ويعطي لكل ذي حق حقه ويرد الأمانات إلى أهلها.. إنه أمير التحقيق الثقافي في الصحافة العراقية.. ولا أحسن منه في كل العراق.. ذلكم هو حميد المطبعي."، هكذا يقول مدني صالح الذي عرفته لا يجامل ولا يحابي، ولا يقرض أحدا شهادة إلا بالحق.
اعترف بأنني لم أر المطبعي إلا بضع مرات. وأقصد لم أتحدث معه كثيرا لكنني اقرأ له. وأعجب بما يكتب، ولا زلت أتابع نشاطاته، وهو بالمقابل كتب عني في "موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين"، الجزء الثاني، وأشار إلى كتبي في أكثر من مكان في موسوعته.
بارك الله بالمطبعي، وأمده بالصحة، والقوة، ووفقه لخدمة حركة الثقافة العراقية المعاصرة. أ. د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث - جامعة الموصل