المصير السوري: لماذا استبعاد العرب؟

تراكم هائل من الخُطب والمؤتمرات الصحفية تلك التي القيت تحت قبة الجامعة العربية وخارجها في التنظير للازمة السورية منذ اشتعالها وحتى ساعة اصدار قرار مجلس الامن الاخير الذي بدا في طريقة اعداده واعلانه وكأنه بمثابة استبعاد العرب وجامعتهم عما يطبخه الكبار. هذا رأي صرنا نسمعه ممن ارادوا للعرب دورا محوريا في تقرير مستقبل سوريا لا سيما بعد مؤتمر الرياض الاخير للمعارضة السورية.

كانت الجامعة العربية تستعد دوما وبين الحين والاخر لعقد المؤتمرات وبما في ذلك شحن وسائل الاعلام بحلول تفترض اسقاط النظام السوري وتحالفاته سريعا ولطالما شعر المتابعون خلال السنوات الماضية ان المسألة هي قاب قوسين او ادنى.

لا يغيب عن الذاكرة هنا يوم حشّد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي اتباعه وسائر تيار الاخوان في منتصف العام 2013 في ملعب رياضي مغلق في وسط القاهرة معلنا الجهاد العظيم ضد بشار الاسد واتباعه والقيت يومها خطب عصماء اشعرت سائر الناس بالمصير الذي صار قريبا الذي ينتظر بشار ونظامه. بل ان المفارقة الكبرى ان صرخ واحد من مشايخ الاخوان المتشددين في حشد كبير من الاتباع انه جاءه توا ان بشار قد قتل وسرعان ما خرّ راكعا على المنصة ثم ما لبث ان نهض من ركوعه ليقول "وفي رواية اخرى ان بشارا قد هرب تاركا سوريا" وخرّ راكعا ثانية هذا عدا الاحلام التي كانت تأتيهم في نومهم ويروونها لجمهورهم فيجلبون لهم الفرحة بما هو آت لكن لا شيء يتحقق من تلك الاماني في النهاية.

هذه السريالية العربية في مقاربة الازمة السورية وبما فيها ظهور داعش من بين ظهراني العرب ومن صميم مجتمعاتهم ومن فيض مالهم المتسرّب من هنا وهناك اعطت قوة دافعة لبشار الاسد ونظامه ووفرت فرصة انتهازية له لكي يفتح ما تبقى من ابواب سوريا لايران وحزب الله وتاليا لروسيا بينما كانت الجامعة العربية مازالت مشغولة بتدبيج البيانات وتنظيم المؤتمرات الصحافية.

لعلها مراجعة ضرورية ولا بد منها في هذه اللحظة الفارقة وتدفعنا ايضا الى مراجعة ارشيف يتعلق بقصة مقعد سوريا في الجامعة العربية الذي كان تارة شاغرا واخرى يجلس عليه زعيم معارضة سوري واخر معلّقا لا لهؤلاء ولا لأولئك ومن دون اجابة واضحة عن قصة هذا الكرسي المحيّر.

مسؤولون عرب ربما ينطبق عليهم انهم الاكثر حكمة قرأوها سلفا، محذرين من تحول الساحة السورية الى ساحة مزايدات ما بين من يقولون انهم مناصرون للشعب السوري المفجوع بالنظام وبين فصائل متطرفة لا تقل وحشية عن النظام نفسه. هنا تأكدت مصداقية ذلك من خلال الموجة التي ركبها اردوغان ونظامه والفلول الاخوانية المتحالفة معه حتى انطبق عليهم مقولة قلوبنا مع الشعب السوري ولكن سيوفنا عليه والا ما تفسير كل تلك الفضائع التي ارتكبتها تنظيمات ارهابية يقع في صدارتها داعش في حق السوريين والثوار فضلا عن تدمير التراث السوري ونهب كل ما تقع عليه ايديهم من ممتلكات.

انتهاكات لا حصر لها من قبيل حفلات الاغتصاب والسبي والترويع وقطع الرؤوس كانت تجري على مرأى ومسمع الجميع فهل كانت تلك وصفة ناجعة لتحرير سوريا من نظامها الدكتاتوري. لا تكفي كل مفردات الادانة واصدار البيانات لان المشهد السوري السائد صار ينفرط من بين ايدي العرب بعدما تكاثر اللاعبون والمتحكمون بالقرار السوري من خلال من يتمدد على الارض لا من يعقد مؤتمرات في اسطنبول وذلك هو الفرق.

بالطبع وفي ظل هذا تجد هناك من يقول ان العرب من خلال جامعتهم وبعض الدول المعنية بالشأن السوري كانوا قد تخلّفوا عن استباق ما هو آت والدليل مقارنة بيانات الجامعة العربية في العام 2012 وتلك التي صدرت في العام 2015، تبدو الديباجة متشابهة الى حد كبير وكأنها عملية قص ولصق للبيانات التي "تحذر" و"تناشد" اكثر مما تفعل ما هو ضروري قبل ان تتمدد دول اقليمية كأيران وتركيا بشكل خاص وتضع يدها على مفاصل اساسية في قرار المستقبل السوري.

لم يكن مألوفا حقا ان تناقَش المعضلة السورية في اروقة مجلس الامن دون ان يحضر العرب، كانت جلسات الاستماع والمناقشات طيلة اربع سنوات خلت تجري وللدول العربية المعنية بالازمة السورية ومن ابرزها الدول الخيلجية صوت واضح وحضور في المناقشات فما الذي جرى واذا بالوزير الاميركي كيري يطير الى موسكو فجأة ويجتمع بالوزير الروسي لافروف قبيل ساعات من انعقاد اجتماع مجلس الامن ثم يلتئم المجلس بحضور اوروبي ويصدر القرار فلا تسمع للعرب ولا لجامعتهم صوتا. ربما هو تقاسم للنفوذ كما القرار في شأن المستقبل السوري، تحضر فيه اميركا وروسيا واوروبا كلاعبين اساسيين في اخر فصول تلك الازمة بينما يجري تغييب العرب.