المصريون يصلون الجمعة في الأزهر بعد انقطاع مائة عام

الجامع الأزهر شاهد عيان على ألف عام

بعد مائة عام من انقطاع صلاة الجمعة بالجامع الأزهر قام الملك الظاهر بيبرس البندقداري بإعادتها من جديد، بعد أن قام ملوك الدولة الأيوبية بإضعاف مكانته، لإزالة مظاهر الدولة الفاطمية التي كانت تعتنق المذهب الشيعي.

وشمل بيبرس الجامع الأزهر برعايته فقام بعمل طاقية خشبية للمحراب الفاطمي القديم، لا تزال موجودة في الجامع بعد إضافتها للمحراب الذي أقامته لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1352هـ (1933م)، والشرافات المسننة المنقوشة حول الصحن، ومنبر لم يتبق منه سوى لوحة تذكارية محفوظة في متحف الجزائر، وعهد بذلك إلى الأمير عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة الذي عمَّر الواهي من أركانه وجدرانه وبيَّضه وأصلح سقوفه وبلَّطه وفرشه وكساه حتى عاد حرمًا في وسط المدينة، واستجد به مقصورة حسنة، كما أعاد أوقافه وتبارى أمراء المماليك في وقف الأوقاف على الجامع.

والملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البُنْدُقْدارِي الصالحي النجمي لقب بـأبو الفتوح سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي، بدأ مملوكاً يباع في أسواق بغداد والشام وانتهى به الأمر أحد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط، لقّبه الملك الصالح أيوب في دمشق بـ"ركن الدين"، وبعد وصوله للحكم لقب نفسه بالملك الظاهر.

وحقق بيبرس خلال حياته العديد من الانتصارات ضد الصليبيين وخانات (جيوش) المغول، وقد قضى أثناء حكمه على الحشاشين واستولى أيضا على إمارة أنطاكية الصليبية.

حكم بيبرس مصر بعد رجوعه من معركة عين جالوت واغتيال السلطان سيف الدين قطز من سنة 1260م حيث خطب له بالمساجد يوم الجمعة 6 ذي الحجة 658هـ (11 نوفمبر1260م) وتوفي يوم الخميس 27محرم676هـ (2 مايو1277م) عن عمر 54 سنة بعد رجوعه من معركة الأبلستين ضد خانات المغول سنة 1277، أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد، وأنشأ نظُماً إداريةً جديدة في الدولة.

اشتهر بيبرس بذكائه العسكري والدبلوماسي، وكان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في منطقة البحر المتوسط.

وكانت أوقاف الجامع قد صودرت في عهد الأيوبيين وقام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب 564– 589 هـ (1169–1193م)، بإبطال كل مظاهر الدولة الفاطمية التي كانت تعتنق المذهب الشيعي الإسماعيلي المخالف للمذهب السني مذهب الدولة الأيوبية، فعين قاضيًا شافعيَّا هو صدر الدين عبد الملك بن درباس، والذي أفتى بعدم جواز إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، فأبطل إقامة الجمعة بالجامع الأزهر، وأقرها بجامع الحاكم بأمر الله باعتباره أكبر وأوسع، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تقطع فيها الخطبة في الجامع فقد قطعت في عهد الحاكم بأمر الله في سنة 393هـ (1002م).

بلغ من اهتمام المماليك الجراكسة بالجامع الأزهر وشئونه أن أحدثوا منصبًا جديدًا في الأزهر هو منصب ناظر الأزهر، وكان الغرض منه هو ضمان الإشراف على الجامع وإدارة شئونه، وكان منصب ناظر الأزهر من المناصب التي اختص بها الأمراء والمماليك وأحيانًا كان يتولاه حاجب الحجاب، ومن نظار الأزهر من وصل لرتبة السلطنة مثل الظاهر جقمق 842–857هـ (1438–1453م). قبل استحداث هذا المنصب كان هناك مشرف يتولى شئون الجامع وتحت يديه مجموعة من الموظفين، وكان الأمير بهادر الطواشي الذي تم تعيينه في عهد الظاهر برقوق 784–801هـ (1482-1399م) في 784هـ (1382م) من نظار الجامع، وكان أول أعماله المرسوم الذي صدر لتنظيم المواريث بالأزهر.

برقوق يعيد بناء المئذنة من جديد

وفي سنة 800هـ (1397م) سقطت مئذنة الجامع فقام الظاهر برقوق بإعادة بنائها على نفقته الخاصة، وبلغت نفقتها عشرة آلاف درهم، واحتفل ببنائها وعلقت القناديل بها ليلة الجمعة حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها، غير أنها هدمت سنة 818هـ (1415م) في عهد المؤيد شيخ المحمودي 815–824هـ (1412–1421م)، وأعيد بناؤها وقد جلب لها الحجر من مدرسة الأشرف خليل بن قلاوون التي كانت تجاه قلعة الجبل، وعهد بعمارة المئذنة إلى الأمير تاج الدين الشوبكي، كذلك هدم الباب الغربي لأجل بناء تلك المئذنة التي هدمت سنة 827هـ (1423م) لخلل فيها، وقام الأشرف برسباي 825–841هـ (1422–1438م) بإعادة بناء تلك المئذنة وأنشأ بالجامع صهريجًا للماء وشيد سبيلاً وأقام ميضأة؛ وقد عمل الأشرف برسباي بأعلى الصهريج قبة على رقبة مرتفعة، وكان الماء يسيل من تلك القبة أشبه ما يكون بالنافورات التي نراها حديثًا، كذلك غرس بالصحن أربع شجرات ولكنها لم تفلح وماتت؛ كما أنشأ الأمير بدر الدين جنكل ابن البابا ميضأة بالجامع كانت موجودة في عصر المقريزي (أي في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي).

كما قام الأمير جوهر القنقبائي خازندار الأشرف برسباي بتشييد مدرسة سنة 844 هـ (1440م) عند الطرف الشرقي للجامع الأزهر.

والذى لا يعرفه كثيرون أنه لم يطلق على الجامع الأزهر مسمى الأزهر في بداية إنشائه، وإنما عرف بجامع القاهرة نسبة لعاصمة الفاطميين الجديدة، وأما تسميته بالجامع الأزهر فقد حدثت في وقت متأخر؛ حيث أشار إليه المؤرخون قريبو العهد ببناء القاهرة كالمسبحي وابن الطوير وابن المأمون باسم جامع القاهرة، وقليلاً ما أشاروا إليه باسم الجامع الأزهر.

ثم أطلق على جامع القاهرة الجامع الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول وزوجة الإمام علي بن أبي طالب، وهي التي ينتسب إليها الفاطميون، وقيل إنه سمي كذلك تفاؤلاً بما سيكون له من الشأن والمكانة بازدهار العلوم فيه .

ويذكر كريزويل نقلاً عن السخاوي أنه يبدو أنه كان هناك مشروع عمارة للجامع الأزهر سنة 850هـ (1446م)، وقد كان يشرف على هذه العمارة الأمير سودون قبل نفيه إلى حلب، وقد اشتملت هذه العمارة على طلاء المحراب وصقل الأعمدة.

وقد عني الأشرف قايتباي 872–901هـ (1468–1496م) عناية خاصة بالجامع الأزهر فأعاد بناء المدخل الرئيسي بالضلع الشمالي الغربي وذلك في رجب سنة 873هـ (يناير1469م)، وكان هذا العمل أول أعمال الأشرف قايتباي المعمارية، كما أمر بتشييد رواق الأتراك في تلك السنة، وفي سنة 881هـ (1476م) زار الأشرف قايتباي الجامع وأمر بإزالة الخلوات التي كانت بسطح الجامع الأزهر وترميم الجامع وتجديد رواق المغاربة بتكلفة بلغت عشرة آلاف دينار، ومع قرب نهاية حكم الأشرف قايتباي وفي المحرم سنة 900هـ (1494م) قام الخواجة مصطفى بن محمود بن رستم الرومي بإذن من الأشرف قايتباي بعمل مقصورة خشبية على وجه جناح القبلة، وتجديد عمارة الجامع، كما شرع في بناء مئذنته وبلغت تكلفة هذه العمارة 15 ألف دينار .

والجامع الأزهر ظل وما زال شاهد عيان على تاريخ مصر العربي والإسلامي، عاصر كثيرا من المواقع والمعارك، حارب الجهل والتشدد، حتى أصبح نموذج للإسلام الوسطي.

وأنشئ في السابع من رمضان عام 361 هجرية الموافق 970 ميلادية على يد القائد الفاطمي أبو الحسن جوهر بن عبد الله الرومي الصقلي الكاتب؛ ليكون مسجدًا جامعًا لمدينة القاهرة التي وضع حجر الأساس لها لتكون عاصمة للدولة الفاطمية في مصر 358-567هـ (969– 1171م).

واختير للمسجد موقع في الجنوب الشرقي من المدينة على مقربة من القصر الكبير الذي كان موجودًا حينئذ بين حي "الديلم" وحي "الترك" في الجنوب.

(هذه المادة مستقاة من مشروع كتالوغ "الجامع الأزهر الشريف" الذي أصدرته مكتبة الإسكندرية لتوثيق تاريخ الأزهر منذ نشأته وحتى الآن ودوره الهام لأكثر من ألف عام، بالتعاون مع مشيخة الأزهر).