المصريون يتساءلون: أين بهجة رمضان؟

القاهرة

فرحة رمضان ضاعت في كل بيت مصري

يستقبل المصريون شهر رمضان الكريم وسط اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية تجتاح البلاد جراء إضرابات واعتصامات في العديد من هيئات ومؤسسات الدولة، وتظاهرات الأهالي نتيجة انقطاع المياه والكهرباء لعدة أيام، وحالات "البلطجة" والعنف التي تنتشر في كل أرجاء البلاد نتيجة للفوضى الأمنية، يضاف إلى ذلك الأزمات القائمة أساسا مثل ارتفاع أسعار المواد التموينية وأزمة الخبز والسولار.

والجديد هذا العام حالة التعبئة التي تفرضها جماعات الإسلام السياسي خاصة جماعتي الإخوان والسلفية في الجوامع والمساجد والزوايا والخيم والشوارع، والتي تدعو للاحتشام وعدم الإسراف والالتزام بالصلوات، وترى في مشاهدة مسلسلات رمضان حرام وأن الخروج للتنزه حرام وغير ذلك مما يرتبط بطقوس وعادات، لتتسم خطاباتها عامة بالتشدد.

وانعكس ذلك كله على المصريين الذين لم يستشعر أغلبيتهم بمجيء الشهر الكريم، فالهموم والمشكلات والأزمات والخوف مما هو قادم يستولي على جل تفكيرهم.

وضحك العجوز راغب محمود ـ جزار ـ مقهقها وهو يقول "الفقري يجد العضم في الكرشة"، مؤكدا أن الشعب الفقير توقع مع مقدم الرئيس الجديد أن الأمور ستستقر وتهدأ لكنه فوجئ بالعكس تماما، وقال "قدم الرئيس قدم فقر، ليس على الجزارين وحدهم ولكن على الناس عامة، فالإقبال الذي كان يزداد إلى أضعاف مضاعفة قبل رمضان تجهيزا لعزومات وموائد رحمن الشهر الكريم، ضعف جدا، ويبدو أن هناك تراجعا حتى في موائد الرحمن".

ورأى الحاج راغب أن الناس لم تعد لديها الرغبة حتى في فعل الخير والفرحة بمقدم الشهر الكريم "نفسهم مسدودة"، فظروفهم المادية منهارة، وأثرت على العلاقات بين الأسرة وأفراد العائلة، "اضطراب في كل شيء وليس في الأمن والسياسية".

وأكدت سنية عادل ـ موظفة بالإدارة التعليمية بالهرم ـ أنها لم ولن تشتري مكسرات رمضان "ياميش" "الأسعار نار والظروف المالية للأسرة لا تحتمل، زوجي مرشد سياحي لم يعمل منذ عام ونصف مما اضطره للعمل بإحدى شركات الطيران بوسط القاهرة وراتبي مع راتبه مجموعهما لا يتحمل إلا أن نأكل ونشرب وندفع إيجار السكن ومصروفات الأولاد، والحمد لله ربنا يعديها على خير".

وأشارت غادة رأفت ـ كاشير بسوبر ماركت شهير له أكثر من فرع بالقاهرة ـ الى أن الإقبال ضعيف جدا على شراء مختلف المنتجات على الرغم من وجود تخفيضات في العديد من المنتجات الأساسية كالمكرونة والأرز والسكر والعصائر والمياه الغازية.

وقالت "مكسرات رمضان غالية جدا، لذا فإن الإقبال عليها ضعيف للغاية، وهنا أغلب زبائننا من الموظفين الحكوميين، فهل يملك موظف حكومي قدرة على شراء كيلو الزبيب بـ 45 جنيها، أو كيلو بندق بـ 60 جنيها، أو كيلو عين جمل 70 جنيها، أو كيلو فسدق بـ 90 جنيها، لفة قمر الدين التي تعد فرحة المصريين في رمضان وصلت إلى 15 جنيها "400 جرام".

وتلفت غادة إلى أن وجوه الناس أثناء الحساب مكفهرة لا تحمل بشائر الفرحة بمجيء رمضان، فمعروف أن المصريين يزيد استهلاكهم في رمضان، "أعتقد هذا العام الوضع مختلف، هناك ضائقة مادية واضحة".

وقال جاد علي إسماعيل ـ طالب بالمرحلة الثانوية ـ "كنت اعتدت أنا ومجموعة أصدقائي وجيراني هنا في الشارع الذي أقطن فيه أن نحصل من كل شقة على مبلغ جنيهين لشراء أوراق الزينة وفانوس وأسلاك ومصابيح كهربائية، وذلك لتزيين الشارع، وعندما بدأنا في ذلك منذ يومين أغلب الشقق رفضت الدفع ورفضت الفكرة بإدعاء أن الكهرباء تقطع كثيرا ولا داعي للتحميل على كهرباء الشارع".

وأضاف جاد "أن الكثيرين يفتقدون لبهجة مقدم رمضان، وأن هذا شيء غريب وشاذ على المصريين الذين اعتادوا استقبال الشهر الفضيل بأجواء البهجة والفرحة".

وقالت نجلاء سعيد حول الأسعار وميزانية رمضان "إن الأوضاع لم تختلف كثيراُ بعد تولي الرئيس محمد مرسي، وذلك لأن التغيير لن يحدث في يوم وليلة فمرتبات الموظف قليلة، فرحة رمضان ضاعت في كل بيت مصري بسبب الأسعار وضعف المرتبات حتى العلاوة أصبحت كابوس، لأن التجار يرفعون الأسعار قبل صرفها، رمضان هذا العام بلا تخزين ولا عزومات لان الأسعار غالية جدا وأي موظف شريف لا ممكن ان يقدر على استضافة اي شخص على الافطار لانها ستكلفه نصف راتبه تقريباً".

وعبر إبراهيم عثمان المحال على التقاعد عن مخاوفه من كثرة الفتاوى التي يراها مخالفة لما تربى عليه خلال 60 عاما.

وأضاف "أشعر أن إسلاما جديدا نبشر به غير ما نعرفه هبط علينا من وجوه كانت تخجل من قبل أن تتصدر للعلم، فبدأنا نسمع عن تحريم نزول البحر للسيدات بدعوات مضحكة وآخر يدعو لهدم الأهرامات، وثالث يدعى أن رواتبنا ومعاشنا ربا..".

وعبر عن خشيته أن تكون البرامج الدينية التي ستذاع عبر الشاشة نافذة شر تطل على البيوت وتحاول أن تأخذنا إلى صراعات مذهبية ومصالح سياسية لجماعات وتيارات نراها تتوسع على الأرض.

ورفض عثمان أن تترك المساجد والجوامع في رمضان نهبا للجماعات المتشددة، وقال "إنني أدعو الأزهر في هذه الأيام المفترجة أن يكثف وجود شيوخه في المساجد، باعتباره المنبر المنزه عن الشبهات والمصالح لملأ فراغ ترك لهؤلاء عمدا ليتصدوا لأي جنوح فالعبث بالعقائد والنوايا أمر شديد الخطورة ويهدد وحدة نسيج المجتمع".