المصريون خائفون من انهيار اقتصادي

القاهرة - من محمد الحمامصي
البلاد فيها أموال، لكن الفساد مستمر

إحتلت تصريحات المجلس العسكري المصري حول تردي الأوضاع الاقتصادية في ظل خسارة القطاعين السياحي والصناعي وتراجع الاحتياط النقدي من العملة الأجنبية، ووصول الفقر إلى نسبة 70%، الصفحات الأولى للجرائد، وأطلق عليها "الصرخة التحذيرية"، جاءت لتلقي بظلال المصداقية على ما يسري من شائعات في المجتمع المصري على اختلاف شرائحه منذ ما يقرب من شهر ونصف الشهر، حول احتمال اختفاء السلع الأساسية الغذائية والتموينية وغيرها من المستلزمات الضرورية.

أضف إلى هذه التصريحات ما شهدت الأسابيع الأخيرة من ارتفاع كبير في أسعار مجمل السلع، وعودة طوابير الخبر وأسطوانات الغاز وأزمة السولار، الأمر الذي رفع سقف الخوف والقلق والتوتر في الأسواق، وذلك ما يظهر جليا في شجارات الباعة مع المستهلكين، المستهلك الذي يصرخ في البائع متهما إياه بالجشع والطمع لأنه السعر مرتفع، فيبادله البائع صراخا بصراخ "غداً لن تجد هذه البضاعة لا بهذا السعر ولا بغيره!".

يرى الباعة أن الأسواق بدأت تعاني من نقص في المواد الغذائية والتموينية الآن، وهو ما يجعل تواصل ارتفاع الأسعار مستمرا، وأيضا ندرة بعض السلع وجشع بعض تجار التجزئة الكبار، وأن عمليات التخزين التي تقوم بها بعض الأسر المصرية والشائعات التي تؤكدها تصريحات المسئولين، يعدان عنصرين أساسين لا يمكن إغفالهما في الاضطراب.

وعلى الرغم من تأكيد وزير التضامن الاجتماعي من أن المخزون كاف ومطمئن، لكن باب التحسب فتح حول لما يمكن أن تؤول إليه الأمور وبدأ تشوين وتخزين السلع المواد الغذائية بالنسبة للقادرين والأثرياء، ينذر بعواقب وخيمة وكارثية، فإذا كان من يملكون قد استطاعوا تأمين ما يحتاجون إليه، فإن هناك من لا يملكون رفاهية التخزين والتشوين، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة من المصريين.

إذا كانت تقديرات المجلس العسكري حول ما وصلت إليه نسبة الفقر في مصر ـ 70% ـ صحيحة، فنحن ننتظر "ثورة جوع"، أو بشكل أخف وطأة "ثورة غذاء"، فإذا كانت الشرائح الفقيرة لم تشارك في ثورة 25 يناير ـ كانت تقدر قبل الثورة بنسبة 40% ـ وأغلبها يتمركز في أقاليم وقرى الوجه البحري والصعيد والأحياء العشوائية في المدن الكبرى كالقاهرة والجيزة والإسكندرية، كون النظام السابق كان قد أوصلها إلى حالة من الرضى والتكيف مع الفقر بتوفير الفتات الذي يسد الرمق.

أما الآن وقد ارتفعت النسبة إلى 70% مع احتمال اختفاء السلع وعدم توفرها أساسا، فإن أمل الحصول على الفتات سيكون أمرا مشكوكا فيه، وذلك يعني أن الملايين ممن لم يخرجوا لإسقاط مبارك ونظامه ستخرج ليس لإسقاط أحد ولكن للبحث عما يسد جوعها وجوع أبنائها.

النساء أكثر من يتوقعن ثورة الجوع أو الغذاء، بحكم مسئوليتهن المنزلية، حيث ارتفعت أسعار الطماطم والبصل والفلفل الأخضر والليمون والباذنجان والكوسة والفول إلى ثلاثة أضعاف، في حين أصبحت بعض السلع مثل العدس بعيدة عن متناول الكثيرين.

وأمام محل صرف وتوزيع المواد التموينية "سكر وزيت وشاي وأرز ومسلى ومكرونة" التي تمنحها الحكومة بأسعار زهيدة جدا للفئات محدود الدخل، ووسط تجمع غفير من النساء اللاتي جئن لصرف مواد شهر آيار/ مايو، انحنيت على المقدس جورج مينا صاحب المحل لأسأله وجود نقص فقال "وزارة التضامن وفرت هذا الشهر كل السلع، لكن الشهرين الماضيين عانينا من نقص في السكر والزيت والأرز، حتى أن معظم من حولك جاء للحصول على باقي حصة الشهر الماضي".

وحين اكتشفت النسوة أنني صحفي جاءت التعليقات من كل مكان، وكانت في أغلبها تحمل فزعا من الغد، وشكاوى مريرة من ارتفاع الأسعار في الأسواق وتردي الخدمات في المصالح الحكومية، والانفلات الأمني، الطريف أن واحدة منهن لا تصدق أن مصر فقيرة وأن اقتصادها يعاني أزمة طاحنة "يطلعوا اللي نهبوه والبلد حيتصلح حالها"، وأخرى قالت "هم عاوزين يجوعونا عشان نحرّم نطالب بحقنا ونسكت".

ورأت صباح السيد ـ صاحبة محل خردوات ـ أن الناس في حالة جنون خوفا من أن تنام وتصحو فلا تجد قوت أولادها، ولفتت إلى أن الجميع هكذا "الأرزقي والموظف"، الكل خائف "لأن ما كنت تشتري به طماطم وبطاطس وخيار ومكرونة وزيت أي ما يصنع وجبة غذائية للأسرة، لا يكفي الآن إلا شراء سلعة واحدة، فأصبحت ميزانية البيت تتجاوز راتب ودخل أي موظف أو عامل أو بائع".

وهنا تدخلت مديحة إبراهيم موظفة بالضرائب العقارية مشيرة إلى أن كل ما يشاع كذب في كذب، وأن البلد "فيها نقود، ممكن يكون فيه ناس لا تعمل نتيجة ضرب السياحة مثلا، لكن فيه فلوس وفيه شغل وفيه دخل، المشكلة أن الفساد مستمر والسرقة مستمرة، وكله بيداري على بعضه".

في حين أكدت شهيرة عبد الرؤوف من الفيوم وتعمل هي وزوجها بوابة على إحدى العمارات، أن هناك فعلا في قريتها من لا يجدون قوت يومهم وأن أكثر من أسرة يمكن أن تتقاسم في الخبز، ولا يجدون ثمن الدواء لأبنائهم المرضى، وشكت من أن المستشفيات الحكومية ليس فيها "سرنجة"، وأقسمت أنها ذهبت الأسبوع الماضي لزيارة أخيها المريض بمستشفى الفيوم، ورأت كيف يدفع ثمن الدواء الذي يصرفونه في المستشفى الحكومي المجاني.

ردود الأفعال متفاوتة جدا بين الشباب تربط السياسة بالاقتصاد، البعض يرى أن التطهير لم يتم وأن ما يحدث للنظام السابق مماحكات وليست محاكمات، بعدها يخرج اللصوص ليستمتعوا بما نهبوا من دماء المصريين وثرواتهم، وأن هناك تقصيرا واضحا من الجهات المسئولة في حزم الأمور، والبعض يرى أن السياسة تلعب دور التخويف للشعب المصري.

وقال أشرف عبد الرحمن خريج كلية الهندسة "اللعب مازال مستمرا يكفي أن يلووا ذراعك بنقص المواد الغذائية والتموينية، أو بانهيار الاقتصاد، فترضخ لمطالبهم مكرهاً مجبراً، هم الآن يردوننا أن نعفو عن مبارك وأمس عفوا عن زوجته، تخيل عفوا عنها مقابل ماذا 20 مليون جنيه وفيللا بـ 2 مليون، وهي التي نهبت البلد، ثم يخرجون ليقولوا للناس: البلد اقتصادها بيخرب، هذا لي ذراع للرضوخ ليس إلا".

وأكد الكلام السابق المحامي الشاب محمود راضي وقال "إن تخيل البعض أن الضغط بالأكل والشرب والعمل والاقتصاد سوف يأتي بنتائج مرضية لهم تجعلهم يفعلون ما يحلو لهم، كلام فارغ، وعدم قدرة على قراءة المجتمع بعد ثورة 25 يناير، ولو شعرت أن قوتها مهدد، لن تخرج بالآلاف بل ستخرج بالملايين، ولن تخرج في القاهرة فقط بل ستخرج في كل محافظة ومدينة وقرية، وستكون هناك كارثة حقيقية".

وأضاف المحامي الشاب "الفلوس موجودة، والناس عارف أن البلد مليئة بالفلوس لكن الفساد والفاسدين أكثر، وإن بالإمكان رفع المرتبات وتحسين الدخول وتوفير كل المواد الغذائية والتموينية وغيرها بأسعار تناسب الجميع، ولا تصدق من يقول خلاف ذلك".

ولفت المحرر الاقتصادي فتحي عزيز إلى أن التصريحات التي يتبادلها المسئولون، تحمل قدرا كبيرا من التضارب، فبينما يقر المجلس العسكري بانهيار اقتصادي، يرى وزير المالية أن الاقتصاد المصري لم يمس، وفيما يعلن البعض عن نقص المواد التموينية يؤكد وزير التضامن أن المواد كافية ومطمئنة، وقال "الحقيقة أن التخوفات كلها تصب في مصلحة رجال الأعمال، فالانهيار الاقتصادي سيطالهم هم بالأساس، وهم من يحركون الأمور باتجاه التصعيد دون أن يقدموا شيئا من أجل البلاد، كم يحتاج الاقتصاد المصري كي يسترد تمام عافيته؟ ما بين 100 و150 مليار جنيه، وهي أموال موجود أكثر منها، السؤال هل أنت تريد للاقتصاد أن يسترد عافيته أم تريد الأوضاع من سيء لأسوأ حتى يستمر الفساد والفاسدين".

وأضاف بحكم تخصصه في القطاع المصرفي "الجهاز المصرفي في وضع قوي وقادر على تدبير الاحتياجات التجارية الخاصة بالاقتصاد المصري، وإجمالي حقوق المساهمين بالبنوك المصرية ارتفع من30 مليار جنيه محملة بخسائر تصل إلى 55 مليار جنيه عام 2004 إلى 82 مليار جنيه صافية في نهاية 2010، كما ارتفعت أرباح البنوك المصرية من ملياري جنيه عام 2004 إلى 11.6 مليار جنيه نهاية العام الماضي".

ورفض عزيز التوقعات التي ترى أن مصر قد تشهد نقصا في المواد الأساسية يؤدي لثورة "هذه شائعات لا أساس لها من الصحة، وأنا أثق في د.عبد الخالق جودة وزير التضامن الاجتماعي عندما يقول أن الأمور آمنة".