المصالحة الملعونة

تصاعدت بورصة التكهنات حول المصالحة السياسية بين السلطات الحاكمة في مصر وجماعة الإخوان المسلمين. وظهرت اشارات من هنا وأخرى من هناك، خلال الأيام الماضية أوحت بعدم استبعاد أن يتجرع الطرفان سم التسوية، بعد أن ارتفعت حدة الإرهاق السياسي عند كل منهما. وتحولت الإشارات الضمنية إلى تحركات عملية، عقب دخول الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وهو فقيه قانوني ومعروف بميوله الإسلامية، على الخط، حيث أجرى حوارات مع قريبين من السلطات الرسمية ومناقشات مع قيادات إخوانية.

لكن ردود أفعال كثير من القوى السياسية والشعبية جاءت سلبية، رافضة المصالحة مع جماعة ارتكبت حزمة من الجرائم في حق المجتمع. كما أن رد المتحاورين مع أبو المجد كان مخيبا، لأن مضمونه لم يحتو على اعتراف بالواقع الجديد وملابساته. وهو ما جعل الفقيه القانوني يسلم بصعوبة تضييق المسافات.

حديث المصالحة السياسية في مصر أصبح ملعونا الآن، لدى غالبية القطاعات المعنية به، وتحول إلى سبة في جبين المطالبين والمهتمين به، وفقد جزءا كبيرا من معانيه الإيجابية، وتحول إلى رجس من عمل الشيطان عند القاعدة العريضة في الفريقين المتخاصمين. فلا الجهات التي أسقطت حكم الإخوان تراه ملحا، ولا الجماعة نفسها مقتنعة بجدواه في المرحلة الراهنة. ربما يكون المنطق دافعا حيويا للحوار، لكن الانفعال الواضح في أداء كثير من القوى السياسية نجح في فرملته، ويكاد يدخل حوار الطرشان طور النسيان. ولأن لا أحد من العقلاء يستطيع الوقوف في عين العواصف التي تضرب من نواحي مختلفة، لذلك فقدت المصالحة جانبا من بريقها المجتمعي، وخسرت الأرض السياسية التي كان من الممكن تثبيت الأقدام عليها، وأضحت مثل اللعنة التي تصيب كل من يفكر في الاقتراب منها، وتضع صاحبها محل اتهامات متباينة، حتى يضطر إلى الفرار منها.

الوصول إلى النتيجة السابقة، يمكن معرفة أسبابه في ظل مجموعة من الاعتبارات الحاكمة لرؤية الطرفين الأساسيين. أهمها، غلبة المعادلة الصفرية على تفكير كليهما، بمعنى مكاسب جانب خسارة للجانب الآخر، والعكس. فالمؤيدون للسلطات الرسمية الحالية ومن لعبوا دورا مؤثرا في ثورة الثلاثين من يونيو- حزيران الماضي وتداعياتها، على اقتناع أن الجماعة في أسوأ حالاتها السياسية والأخلاقية، والمصالحة معها ستمثل حبل انقاذ ينتشلها من الوحل الذي دخلته بأرجلها، بالتالي من الواجب الاستمرار على منهج استغلال الأخطاء التي ارتكبتها وتوظيفها، حتى تتكرس الانطباعات السلبية عنها، وأي حوار في لحظة الضعف الذي ينخر في هياكلها، قد يمنحها قبلة الحياة، ويجعلها تستعيد عافيتها على حساب القوى المنافسة لها، بما يخصم من رصيد الأخيرة شعبيا، خاصة أن هناك جماهير غفيرة تتمسك بفكرة عزل الإخوان ومعاقبة الجماعة على كل ما اقترفته من جرائم.

من جهة ثانية، لدى أنصار فريق رفض الحوار وتشجيع العزل، جملة من الحسابات السياسية. منها، قطع الطريق على دخول الإخوان بكبرياء الانتخابات البرلمانية المقبلة. فأي مصالحة ستفرض القبول بدخولهم والمنافسة على عدد من المقاعد، لأنها تتقن جيدا لعبة الانتخابات، ولا تزال تملك رصيدا عند البسطاء من الناس يمكن أن يكون ظهيرا مهما لها، في وقت تبدو فيه معظم القوى المنافسة غير جاهزة بصورة كاملة، وتفتقر الأدوات اللازمة للنزول إلى الجماهير في المدن والقرى النائية. لذلك فالامعان في رفض المصالحة والمغالاة أحيانا في شروطها، إذا كان يعكس قدرا من العقاب المستحق لما اقترفته جماعة الإخوان في حق المصريين، فهو أيضا يدخل في باب المناورات السياسية، لأن الاعتراف بها، من خلال الحوار أو الانتخابات، يعني انتصارها وعودتها للساحة مظفرة، ما يمثل خسارة باهظة لجميع خصومها، في الدوائر الرسمية والسياسية والشعبية.

في المقابل، تحرص الجماعة على التعامل مع هذا الملف، وكأن شيئا لم يكن. فهي لا تعترف بثورة يونيو- حزيران، وتصر على مطلبها الخيالي الخاص بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي ودستوره المعطل، ولم تفرط في مطلب الافراج عن قياداتها. ما يفيد أنها غير راغبة في المصالحة أصلا، وكل ما يدور خلف الكواليس، لا يخرج عن كونه محاولات لمعرفة الأهداف التي يتحرك من أجلها كل طرف، وحدود تنازلاته النهائية، دون الوصول لنقطة تؤكد أن الحوار سوف يتمخض عن نتائج ايجابية. فالجماعة تعتقد أن قبول المصالحة على أرضية الوضع الراهن تمثل خسارة فادحة لها، مع أن قياداتها تدرك استحالة عودة عقارب الساعة إلى الوراء. فالعناصر والكوادر التي بذلت تضحيات وخرجت إلى الشوارع في مظاهرات وهي تحمل أكفانها على أياديها لن تقتنع بمصالحة تستبعد طموحاتها وأحلامها في عودة الرئيس المعزول. وهنا سيقتنع هؤلاء أنهم وقعوا ضحية عملية نصب من قيادات الإخوان. وربما يتجه غضبهم من السلطات الرسمية إلى صدور هذه القيادات التي خذلتهم وأحبطتهم وتاجرت بدمائهم.

بصرف النظر عن التقديرات التي تتحكم في رؤية كل طرف، فإن الأضرار والتكاليف التي سيتكبدها المصريون بسبب هذه السياسات سوف تكون باهظة. وحتى تنتقل المصالحة من المربع الملعون الذي دخلته خلال الفترة الماضية، على السلطات الحاكمة والقوى المدنية تهيئة الأجواء لحوار جاد يستوعب الأطراف التي لم تتورط في انتهاكات أو جرائم يعاقب عليها القانون. وعلى قيادات الإخوان تناول حبوب الشجاعة والاعتراف بأن الجامعة ارتكبت حماقات تستوجب الاعتذار للشعب المصري، والتسليم بأهمية خريطة الطريق، باعتبارها خطوة مستقيمة من الضروري مساندتها، ومحاولة التكيف سياسيا مع الواقع الجديد والتقيد بجميع الإلتزامات، وطي صفحة الماضي القاتمة وفتح صفحة جديدة تؤكد أول سطورها أنها جماعة مصرية وطنية.