المشي على حبل الجائحة


صحيح أن فايروس كورونا خطير، ولكن لم يصدر بحقنا حكم إعدام فوري لمجرد الخروج وممارسة حياة أقل من طبيعية.


المنزل أعاد تعريف نفسه لنا بمئات التعبيرات وصار أشبه بلوحة تشكيلية من عدة نسخ لكنها لا تغادر فكرة واحدة

بدت لي أفكاري عن تكيفي في الأسابيع وحتى الشهور الأولى من الحجر المنزلي، أقرب إلى التفاؤل المغشوش، بأن الحياة ستكون أهدأ من دون ضجيج العالم. حتى التأمل بدا لي نوعا من التكرار، وأنني مهما فعلت سأبقى أدور على نفسي من دون تغيير حقيقي في إعادة اكتشاف المحيط.

سنكون قد قضينا ستة أشهر في العمل المنزلي وما زالت مكاتب أغلب المؤسسات مغلقة في لندن، وكل محاولات الخروج المسائية أو في عطلة نهاية الأسبوع، بدت قاصرة ومتأخرة.

الملل جعلنا نعيد تعريف المخاطر، صحيح أن فايروس كورونا خطير، ولكن لم يصدر بحقنا حكم إعدام فوري لمجرد الخروج وممارسة حياة أقل من طبيعية، هذه الإجابة على خطورتها تمثل تعريفا متأخرا لما كنا ندّعيه مِن استقرار في الحجر المنزلي، لم يصل الأمر إلى سجن لكنه أقسى من أن نستمر فيه بعد كل تلك الشهور.

المنزل أعاد تعريف نفسه لنا بمئات التعبيرات وصار أشبه بلوحة تشكيلية من عدة نسخ لكنها لا تغادر فكرة واحدة، ممارسة الرياضة الصباحية وصناعة المسرات الصغيرة خلال الطعام والشراب مساء بمثابة روتين يحاول المرء التخلص من رتابته دون جدوى.

الخريف فصلي المفضّل، فلندن مدينة خريفية بامتياز عندما تتدفأ الأشجار بظلال البيوت، ويصبح للقهوة طعم مختلف كليًّا، إنه فصل يحفّز على التفكير المستقر وصناعة الأفكار الجديدة، عندما يضيف إلى الجسد طاقة حيوية بعد القراءة الرائقة والتفاعل مع المحيط.

واليوم نحن محرومون من تلك المتعة سواء بابتعادنا عن مكاتب العمل وتلاشي انشغالاتنا التقليدية في السوق والشارع والمقهى أو بمراقبة حركة الناس والتفاعل معهم، وبقيت حركتنا داخل المنزل بمثابة إعادة تعريف للفكرة السائدة والخاطئة عن الخريف. فكورونا يحرمني من فصلي المفضل! لكنني وجدت بالأمس إجابة من كاتبي المفضل في فايننشيال تايمز تيم هارفورد، عندما رأى أن طبيعة الحجر المنزلي تعتمد على المكان الذي نعيش فيه، لأن بيوتنا ضاقت علينا، ماذا بشأن أولئك الذين يمتلكون منازل فيها حدائق بقدر نصف مساحة ملعب كرة القدم؟

يعبّر هارفورد عن إحساس مشترك ينتاب الغالبية منا، مصدره غريزة البقاء على قيد الحياة، بأننا نمشي على حبل مشدود اسمه جائحة كوفيد، سواء في بقائنا في المنزل أو خروجنا وتحدي فكرة الخوف ومن ثم إقناع أنفسنا بخطأ المحاذير المبالغ فيها. فبرأي كاتبي المفضل “لا يسعنا الاسترخاء حتى الآن”، فالبيانات عن احتمالية التقاط الفايروس في الشوارع ملتبسة ومحيرة وسيكون من المجازفة الوثوق بصحتها لأن هذه البيانات الاحتمالية بمثابة معادل خطورة للامبالاة أو اللامسؤولية التي يمارسها البعض في الخروج والاستهانة بارتداء الكمامات. لكن من قال إن الكمامات غير مزعجة؟