المشهد الشعري السكندري

بقلم : أحمد فضل شبلول
كورنيش الإسكندرية بريشة الفنان السكندري العالمي محمود سعيد

يعد المشهد الشعري في مدينة الإسكندرية جزءا لا يتجزأ من المشهد الشعري المصري عموما، ولكن في الوقت نفسه ينماز هذا المشهد عن المشهد المصري الكلي في بعض التفاصيل والجزئيات التي تشكل عندما تتجمع إلى جوار بعضها البعض خصوصيةً وتفردا ما عن بقية المشهد الكلي.
ولعل هذه الخصوصية وهذا التفرد يعودان إلى خصوصية تلك المدينة الكوزموبالتينية التي تقع على ساحل الأبيض المتوسط، وكانت مهوى الأجانب منذ القدم من يونان ورومان وإيطاليين وشوام وإنجليز وفرنسيين .. وغيرِهم من الذين يعيشون على الساحل المقابل من الأبيض المتوسط منذ أن شُيدت تلك المدينة عام 332 ق.م. عن طريق وصل جزيرة فاروس (الأنفوشي وبحري حاليا) التي تقع على البحر، بقرية راقودة (كرموز وغيط العنب حاليا) التي تقع على ضفاف بحيرة مريوط بالجنوب.
إن تاريخ الشعر في الإسكندرية يبدأ مع نشأتها، فقد اهتم بطليموس الأول ـ سوتر (الذي حكم البلاد من 323 ـ 285 ق.م) ـ وكذلك أبناؤه من البطالمة ـ بالمشروعات العمرانية والثقافية، فأسس مكتبة الإسكندرية (القديمة) وشيد منارة الإسكندرية (إحدى عجائب الدنيا السبع). فظهر كاليماخوس (310 ـ 240 ق.م) أول شاعر سكندري ومؤسس مدرسة الإسكندرية الشعرية، من خلال جماعة شعرية أسماها بليآد أو الحمام، وقد رفض شعراء هذه الجماعة الملحمة الإغريقية بشكلها وحجمها، ودعا مؤسسها إلى كتابة القصيدة القصيرة جدا أو الإبجرامة (التي نرى في الشعر العربي المعاصر عودةً إليها). ثم الشاعر ثيوكريتوس أول من كتب القصائد الرعوية وصور حياة المزارعين واحتفى بالطبيعة. والشاعر أراتوس الذي نظم بعض القصائد العلمية في الفلك، والشاعر هيرونداس الذي اشتهر بقصائده الفكاهية التي يستلهم فيها الحياة الشعبية اليومية. والشاعر ليكوفرون الذي كتب صورا شعرية سيريالية في ذلك العهد القديم. والشاعر أبوللونيوس الذي عاد مرة أخرى إلى كتابة الملحمة الكبيرة (ومنها رحلة السفينة أرجو) فخالف بذلك اتجاه جماعة الحمام، والشاعر موسخوس الذي جمع بين الإبجرامات والقصائد الطوال، والشاعر بيون الذي مات في شرخ الشباب، واشتهرت قصيدته التي كتبها بعنوان "رثاء أدونيس".
وبذلك يتضح أن المشهد الشعر السكندري في أزهى عصوره القديمة، امتاز بالتنوع الذي حقق له الثراءَ الفني. فكان هؤلاء الشعراء باحثين، منهم من وضع فهارس مكتبة الإسكندرية مثل كاليماخوس، ومنهم من كان أمينا عاما لها. وقد امتاز الشعر في الإسكندرية في تلك الفترة بالتجديد في الرؤية والبناء والأغراض.
وتمتد رحلة الشعر السكندري حتى نصل إلى العصر الإسلامي، فيبرز في العصر الفاطمي أسماء شعراء أمثال: أبو الطاهر إسماعيل بن محمد الملقب بأبي مكنسة الإسكندراني (ت 510 هـ = 1116م) وأبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف الذي اشتهر باسم ابن قلاقس (532 هـ =1127 م / 563 هـ = 1171 م) وظافر الحداد (ت 1133 م) وتقية الصورية، وشرف الدين البوصيري (ت 1259 م) صاحب البردة الشهيرة، وغيرهم.
***
أما في العصر الحديث، فيبدأ الشعر السكندري بجماعة الشلالات التي أسسها الشاعر عتمان حلمي (1894 ـ 1962) عام 1912م ومعه الشعراء عبد اللطيف النشار وزكريا جزارين (1897 ـ 1955) وعبد الحميد السنوسي (1898 ـ 1956) ومحمد مفيد الشوباشي (1899 ـ ؟) وحسن فهمي (1895 ـ 1930) وعبد الحكيم الجهني. ثم انضم لهم الشاعر عبد الرحمن شكري (1886 ـ 1958) العائد من بعثة إلى إنجلترا، فاحتل مركز الصدارة في هذه الجماعة، وصار الشاعر والناقد والمعلم، بما حمله من أفكار في تطوير القصيدة العربية. لقد اهتمت جماعة الشلالات بسلاسة الشعر العربي، والابتعاد عن التعقيد اللفظي، والتعبير عن التجارب الذاتية، والتطرق إلى الموضوعات المبتكرة، وتصوير البيئة الساحلية السكندرية، وبذلك كونوا اتجاها فنيا يحسب للشعر السكندري.
وفي عام 1932م دعا كل من د. مصطفى فهمي ويوسف الجزايرلي لتكوين جماعة عرفت باسم "جماعة نشر الثقافة" لجمع شمل الأدباء ونشر إنتاجهم الأدبي، وكان من أبرز شعراء هذه الجماعة خليل شيبوب (1892 ـ 1951) وعبد اللطيف النشار (1895 ـ ؟ ) ومنيرة توفيق (1893 ـ 1965) صاحبة ديوان ""أنوار منيرة" الذي طبع عام 1967 بعد وفاتها، وكتب مقدمته السيد حمدي عاشور محافظ الإسكندرية وقتذاك.
هذا فضلا عن وجود شعراء آخرين ربما لم ينضموا إلى الجماعتين السابقتين: الشلالات ونشر الثقافة، من أمثال: الشاعرة اللبنانية التي أحبت الإسكندرية واستقرت فيها حتى آخر حياتها وردة اليازجي (1838 ـ 1924 ) وأحمد راسم (1895 ـ 1958) وفخري أبو السعود (1909 ـ 1940) الذي مات منتحرا بإطلاق الرصاص على رأسه وهو في نحو الثلاثين من العمر.
ثم ظهر جيل عبد المنعم الأنصاري، وعبد العليم القباني، وأحمد السمرة، ومحمود العتريس، ومحمد برهام، ومحمد عبد الرحيم إدريس، ومحمد محمود زيتون، وإدوار حنا سعد، ومحمود عبد الحي، ومحجوب موسى، وعلي الباز، ووصفي صادق، وغيرهم، فكتب أحمد السمرة المسرحية الشعرية ومنها: رئبال، وساق من ذهب، إلى جانب قصائده التي جمعها في ديواني أنسام وأنغام، وقصائد إسلامية، وأصدر عبد المنعم الأنصاري ثلاثة دواوين شعرية هي: أغنيات الساقية، وعلى باب الأميرة، وقرابين، وأثارت قصائده العمودية جدلا واهتماما واسعا، أما عبد العليم القباني فكان من أكثر شعراء جيله حرصا على تنوعات إصداراته التي وصل عددها إلى ثلاثة وعشرين كتابا، وهو لم يكتف بإصدار الدواوين الشعرية، والتي منها: بقايا سراب، وأغنيات مهاجرة، وإنما اهتم أيضا بكتابة المسرحية الشعرية مثل قوس قزح، وحدث في قصر السلطان، والملاحم الشعرية مثل ملحمة الثورة العرابية، وملحمة الثورة الفرنسية، كما كتب شعرا للأطفال، ومنها ديوان "في حديقة الحيوانات"، كما كتب البحث الأدبي والدراسات الإعلامية، والأغاني والأزجال، وغيرَها من الإصدارات. فكان بذلك أكثر شعراء عصره في الإسكندرية إصدارا للكتب الثقافية المتنوعة. وهو يُعد أول أديب سكندري يصبح عضوا في مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر.
وقد لعبت قصور الثقافة ـ وعلى وجه التحديد قصر ثقافة الحرية ـ دورا كبيرا منذ الستينيات في تقديم عشرات الشعراء في الإسكندرية إلى جمهور الشعر في مصر كلها، وبرز جيل جديد اهتم بتطوير القصيدة العربية في الإسكندرية، ومغازلة شعر التفعيلة من شعرائه: فؤاد طمان، وسعيد نافع، وفهمي إبراهيم، وصبري أبو علم، وأحمد عبد العظيم الشيخ، ومحمد رفيق خليل، وحامد نفادي، ويوسف العيشي، وعزيزة كاتو ومهدي بندق، وغيرهم، وكوَّن بعضُهم جماعةً شعرية عرفت باسم "أبوللو الجديد"، غير أن هذه المجموعة لم تهتم بإصدار دواوين شعرية، باستثناء صبري أبو علم الذي أصدر ديوانا واحدا حتى الآن، هو "قصائد حب"، وعزيزة كاتو التي أصدرت ديوانا واحدا حتى الآن، هو ديوان "يوميات امرأة تبحث عن هوية"، وأيضا باستثناء الشاعرين فؤاد طمان وحامد نفادي اللذين أصدرا أكثر من ديوان. أما الشاعر مهدي بندق ـ الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في المسرح ـ فقد اهتم بالمسرح الشعري اهتماما كبيرا وأصدر عدة مسرحيات شعرية، منها: ريم على الدم، والسلطانة هند، وليلة زفاف إلكترا، وغيلان الدمشقي، وهل أنتَ الملك تيتي؟ وآخر أيام إخناتون، وغيرَها، فضلا عن إصداره لمجلة أحدثت صدى طيبا لدى الأوساط الثقافية في مصر هي مجلة "تحديات ثقافية".
يأتي بعد ذلك جيل السبعينيات في الإسكندرية، ومن أهم شعراء هذا الجيل: فوزي خضر ـ ـ الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية ـ صاحب أطول قائمة للكتب في جيله، ليس في الإسكندرية وحدها، وإنما في مصر كلها، فله حتى الآن أكثر من خمسة وأربعين كتابا ما بين الدواوين الشعرية، والدراسات الأدبية، وكتب الأطفال، والرحلات، والتراجم، فضلا عن كتاباته الدرامية للإذاعة، ولعل برنامجه الإذاعي اليومي الشهير "كتاب عربي علَّم العالم" بإذاعة البرنامج العام، يُعد من أهم البرامج الإذاعية في هذا المجال. وقد اهتم فوزي خضر بتطوير قصيدته، فلجأ إلى القصيدة المدورة، والقصيدة الإبجرامة (القصيرة جدا)، إلى جانب القصيدة التفعيلية، وهي السائدة في معظم دواوينه، وأحيانا القصيدة العمودية، كما تنوعت موضوعاته وأساليبه الشعرية.
أيضا هناك من شعراء هذا الجيل: عبد الحميد محمود ـ الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر ـ وعبد المنعم سالم، وأحمد محمود مبارك، وعبد الرحمن عبد المولى، وعاطف الحداد، ومحمود عبد الصمد، وأحمد شاهين، وناجي عبد اللطيف، وأحمد فراج، ومحمد فرج، وصاحب هذه السطور، وكل منهم أصدر أكثر من عمل مطبوع، باستثناء عبد المنعم سالم الذي أصدر مؤخرا ديوانه الأول "الآبق من حفل صاخب"، وصاحب هذه السطور الذي أصدر أكثر من خمسة وعشرين كتابا تنوعت ما بين الدواوين الشعرية (آخرها: الماء لنا والورود) والكتابة للأطفال، والدراسات الأدبية والنقدية، والمعاجم اللغوية (مثل معجم الدهر، ومعجم أوائل الأشياء في اللغة العربية) فضلا عن المشاركة في أعمال أدبية وموسوعية مع آخرين.
ويأتي جيل جديد يحمل ـ إلى جانب الشعراء السابقين ـ مشعل الشعر في الإسكندرية، ومن شعرائه: محمود أمين، ومحمد مصطفى أبو شوارب، وأحمد الفلو، وجابر بسيوني، وعادل خليل، ومختار عطية، وحسني منصور، وعصام عبد الوهاب، ورحاب عابدين، وأماني شكم، ورضا فوزي، وأمل سعد، وعمر عبد العزيز، وسناء الجبالي، وأحمد شاهر، وغيرهم، وقد أصدر كل منهم ديوانا شعريا واحدا على الأقل، أو في طريقه للإصدار الأول.
ولا نستطيع أن نُغفلَ نشاط جماعة شعرية ظهرت في منتصف الثمانينات بالإسكندرية هي جماعة الأربعائيون التي اتخذتْ من صالون الشاعر عبد العظيم ناجي في منزله بجناكليس، مكانا لها حيث كان الأعضاء يجتمعون فيه مساء كل أربعاء، وأصدرت الجماعة مجلة باسمها، وانضم إليها معظم من كانوا يجربون كتابة قصيدة النثر في الثغر من أمثال: حميدة عبد الله وناصر فرغلي ومهاب نصر وغيرهم. وعلى الرغم من عدم تواصل هذه الجماعة مع بقية الجماعات الأخرى في الإسكندرية، على اعتبار أن أعضاءها يقدمون إبداعا مغايرا لما هو سائد في قصور الثقافة، إلا أن أسباب توقفها تدعو إلى التساؤل والتشكك في مدى إيمان أعضائها بما كانوا يمارسونه ويبشرون به كتابة ونقدا.
أيضا لا نستطيع أن ننسى نشاط ورشة الشعر بأتيليه الإسكندرية (جماعة الفنانين والكتَّاب) برئاسة الشاعر والفنان د. محمد رفيق خليل، والذي يضم مجموعة من شباب الشعراء منهم: حاتم الكاتب، وأمينة أحمد حسن، وفاطمة زكي، وفاطمة قتيبة، وسامي إسماعيل، وإيمان عبد الحميد، وصفاء عبد العال، وعبد الرحيم يوسف، وأحمد يحيى، وغيرهم. وقد أصدرت الورشة مجموعتين من الشعر بعنوان "الورشة" لأعضائها، فضلا عن تنظيم مؤتمرين للشعر في العامين الأخيرين، لاقا نجاحا طيبا.
هذا باختصار مُخل ـ بطبيعة الحال ـ أهم الخطوط العريضة للمشهد الشعري في الإسكندرية في جانبه الفصيح.
أما عن المشهد في جانبه الزجلي وشعر العامية وفن كتابة الأغنية في الإسكندرية، فيكفينا الإشارة إلى أبناء الإسكندرية عبد الله النديم، ومحمود بيرم التونسي (1893 ـ 1961) ـ فنان الشعب، وصاحب الصدارة في فن الزجل في مصر كلها، والسيد عقل ومحمد مكيوي، ومحمد رخا (رئيس جماعة الأدب العربي)، وكامل حسني (رئيس جمعية أدباء الشعب) ورائد المدرسة الزجلية الحديثة في الإسكندرية التي تخرج منها عدد من زجالينا من أمثال: زينات القليوبي، وإيمان حسن، ونادية رسمي، وسعد بدوي، فضلا عن محمد طعيمة صاحب الأسلوب المتميز والإضافة الحقيقية في فن الزجل. ومن شعراء العامية والأغنية الذين يضيفون الآن اتساعا حقيقيا للمشهد الشعري السكندري: عبد الرحمن درويش، وجابر سلطان، ونجوى السيد، وإيمان يوسف، وحسام الدين شوقي، وصادق أمين، ورافت رشوان، ومحمد أحمد طه، ووفاء بغدادي، وطارق السيد، وحمدي خلف، وصفية نور الدين، وأحمد خميس، وأحمد يحيى، وعبد المنعم كاسب، وعادل حرَّاز، وإبراهيم زيادة، وخيري السلكاوي، وغيرهم. وقد أصدر معظم هؤلاء الشعراء والزجالين دواوين شعرية مطبوعة.
هذا هو جانب من المشهد الشعري السكندري في أروع تجلياته وفيوضاته على الساحة الشعرية المصرية والعربية، أرجو أن أكون قد وفقت في نقله أو تصويره لكم. أحمد فضل شبلول – الاسكندرية