المشروع النهضوي.. مواجهة حاسمة!

نهضة عربية خاتمة الأحزان

كم قرأنا وسمعنا وطالبنا بالتأسيس لمشروع نهضوي عربي يمكن القول بأنه خاتمة الأحزان، ناهيك عن أن مثل هذه المطالبة برزت في التاريخ العربي الحديث، كما في سابقه الوسيط، دونما تحقيق شيء حاسم من ذلك، وكانت الرغبة (ولا نقول المحاولة) الأخيرة على هذا الصعيد قد قدمت نفسها بالصيغة المصرية السورية عام 1958، لتتفسخ بعد فترة وجيزة. والطريف في ذلك ما كتبه أحد الكُتاب المصريين بخصوصه، عام 1981. وهو الكاتب عبدالله بلال، ولنضع يدنا على ما ذكره في كتيب صدر له عام 1981، ليكون نموذجاً لما يقدم حتى الآن، حيق قال: «لقد رحب عبدالناصر بالوحدة الفورية مع سوريا، رغم إدراكه بأن مثل هذه الخطوة يجب أن يسبقها إعداد طويل»، ويتابع الكاتب معلناً إن «كل ما اشترطه هو أن يتم استفتاء شعبي وأن يتوقف النشاط الحزبي في سوريا توقفاً كاملاً.. الخ، وينهي الكاتب بقوله: «تحمل عبدالناصر المسؤولية التاريخية».

إن ذلك النص يقدم وثيقة مأساوية على انهيار الوعي السياسي في أوساط الكثير من الكتاب والزعماء، بحيث أن إعلان عبدالناصر تحمّله المسؤولية، اعتبر أنه هو المطلوب آنئذ، لم يكتشف أن الوعي المذكور لم يكن يحتمله ولا يمتلكه دُعاة الوحدة بمعظمهم، ومع هذا..! كان ذلك مأساوياً حمل وجهين اثنين إلى إعطاء صورة فاشلة في القرن العشرين تكمن مسألة الوحدة بين العرب، وجعل المستقبل القادم حالة غير قابلة للكشف والسّبر وفتح الآفاق، وبذلك كان المشروع التوحيدي العربي قد تلقى صفعة تظهر آثارها الآن بأبشع صورة، وللتعرف إلى ذلك، ها هنا، يكفي أن نقرأ ذلك الإعلان، لنضع يدنا على ثلاث أطروحات، هي التالية: أولاً: إن ، والتي يمكن أن تتناوب على تركيعه وإخراجه من التاريخ.. ويكفي أن نتتبع ما يحدث في العالم العربي، في معظمه: كل ما يمر بذلك الأخير إنما هو بمثابة قصْعة يتداولها الآخرون، فما يحدث الآن في ليبيا وتونس وسوريا واليمن والمناطق العربية في إيران وغيرها، يقدم الدليل على نقطة خطيرة حاسمة، معظم الذين أسسوا منظومات فكرية وحزبية وسياسية منخرطون في تفكيك العالم العربي وما يتصل به من مرجعيات تتصل بمفاهيم التنوير والعروبة والوحدة أو التقارب العربي، والدخول في عالم الحداثة والحرية والتطور والتعددية الدينية والثقافية، وما يتصل بمشاريع التنمية بمختلف تجلياتها وبالوسائل الديمقراطية والتداولية، نقول: إن ذلك يجسّد أكثر الصفحات قتامة في التاريخ العربي، وبالخصوص في مرحلته الراهنة المعيشة.

ولعل ما كتبه رواد كبار في مراحل متعددة خصوصاً في العصر الحديث، يقدم أدلة مُفعمة بالمأساوية والوحشية وازدراء الكرامة والعقل، وفي هذا نقتبس من أقوال أحد المفكرين الغربيين الكبار، وهو هيجل، التي قدمت نقداً هائلاً وذا دلالة لاذعة عظمى، لمثل تلك الأدلّة وأخرى غيرها مثلاً وخصوصاً لدى ابن خلدون، وذلك حيث يرى هيجل بأن التاريخ حين يعيد نفسه، وتبرز من جديد روائح الموت والفجور والطغيان والهزل، فاعلم أن الإنسان يقوم بمسرحيتين اثنتين بقدر كثير وقليل من الوعي، هما مسرحية الموت ومسرحية الحياة.

وإذ يأخذ التاريخ طريق تينك المسرحيتين، فإن أمراً ما يأخذ في الظهور، معلناً: إن الحياة من حيث هي حياة، لا تستكين للموت فهي تبرز - وللدهشة - في عيون الأطفال المخلوعة وفي قامات النساء المستباحة، بصيغ من الحياة قلّما وجد مثيل لها من قبل، خصوصاً كذلك في مسار رجوع الشيخ إلى صباه.

طيب تيزيني

كاتب وأكاديمي سوري