المشروع التغييري والمسكوت عنه: الشيخ الصفار أنموذجا

بقلم: نذير الماجد

التغيير الجذري هو نتيجة حتمية لتدافع الحاجة والنسق، أو الواقع والنظام في حيز ما. أو هو بناء يتم على أنقاض النظم المتداعية التي تفشل في تلبية الحاجات أو تخفق في التوفيق بين الدوافع المتباينة، فالفعل الثوري ليس دائما فعلا مقصودا ناتجا عن عقل راديكالي أو نشاط غوغائي، لأنه عملية مستمرة متى ما كان التحول والتغيير هو الثابت الوحيد، واستمرارية التغيير تقتضي تجاور العقل والفعل الراديكاليين جنبا إلى جنب مع العقل والفعل المحافظين، حتى قيل أن السنة المحافظة أو التقليد ليس سوى فكرة كانت في يوم من الأيام بدعة أو هرطقة أو دعوة ثورية، والمحافظ اليوم هو ثوري الأمس، وثوري اليوم هو محافظ الغد، وهكذا تتعاقب الرؤى في علاقة جدلية من شأنها الدفع بالبناء الاجتماعي لتحقيق الانسجام بين النسق والحاجة أو الواقع والنظام في الحيز نفسه.
بعد هذا المدخل الوجيز وقبل أن نلملم القرائن والمعطيات بغية تشكيل الخطوط الأساسية للقراءة النقدية والموضوعية للحدث، لابد من التذكير بأن التغيير ليس فعلا جامدا يتخذ صيغة أو شكلا ثابتا، فالتفاوت في السياقات والأنساق يؤدي تلقائيا إلى تفاوت مماثل في أشكال الفعل التغييري الجذري الكفيل بإحداث اهتزازات في عمق البنية الاجتماعية.
إن التغيير تارة يتخذ شكل منعطف أو طفرة تاريخية أو لحظة تغييرية خاطفة أو فعل سريع غالبا ما ينجم عن تدخل بشري مقصود على شكل ثورة شعبية على مستوى الجمهور والقاعدة أو شكل انقلاب سياسي أو إرادة سياسية على مستوى السلطة، وتارة أخرى يفقد شكله السريع والمباغت ليتخفى خلف أشكال تتسم بالبطء والهدوء معتمدا على الزمن في سيرورة تنضج على مهل، وقد تكون النتيجة هي نفسها لكنها ستتفاوت في مدى تجذرها وثباتها في الواقع الموضوعي.
المعاينة التاريخية والثقافية ستتيح لنا مزيدا من التمييز، فبوسع الجماعة التي تحظى بالأغلبية في حيز ما أن تلجأ لفعل ثوري مباشر وأكثر وضوح، لكن الجماعة التي لا تحظى بالمثل فإنها عادة ما تجد نفسها مرغمة على التزام سلوك أقلوي حذر ومراوغ لاقتناص أي فرصة تاريخية إذا لم يكن بوسعها اللجوء للشكل الآخر من الفعل التغييري المرتكز على التراكم والزمن.
الضرورة والحتمية في التغيير والتمييز بين أشكاله المتفاوتة تشكل ركيزة لا غنى عنها في بناء قراءة نقدية متماسكة وموضوعية لأي مشروع وطني، أعني القراءة الموضوعية التي تدخل ضمن إطار نقدي يشمل عدة اشتراطات وركائز معرفية حاسمة في عملية الفهم،على أن تشمل ما هو ذاتي أو جزئي وما هو موضوعي أو كلي، الاشتراطات الجزئية تتعلق بادراك اللحظة المعاشة بما تتصف به من ظرفية ونسبية، أما الاشتراطات الكلية فهي التي ستشمل جملة من الإدراكات منها ضرورة التغيير ذاته وتحييد الحيز العام وفصل الأنساق وتحديد الماهيات أو الأسماء كما يقول كونفوشيوس.
فما هو ثقافي أو فكري هو واقعة اجتماعية متمايزة كنسق عن ما هو سياسي. هنا تحديدا يكمن أول عنصر من عناصر القراءة للمشروع الوطني الذي يتبناه الشيخ حسن الصفار، فمنذ عاد إلى أرض الوطن احتل الحوار مكانة مرموقة في مشروعه للتعاطي مع التحديات الداخلية، وهذا شيء يحسب للرجل، كونه لم يعتزل النشاط الاجتماعي والفعل التغييري رغم الاحباطات والانسدادات.
انفتح الصفار على جميع مناوئيه وخصومه على المستوى السياسي والفكري والمذهبي لا لأجل الوجاهة وإنما بغية تدشين مساحة مواتية للحوار وكسر الحواجز والجليد المتراكم منذ سنين طويلة خاصة مع الآخر المذهبي، هذا الانفتاح هو جزء أساسي في المشروع الذي يرتكز أيضا على انتزاع الحقوق وإدماج الأقليات الثقافية في حاضنة وطنية تستوعب كل الهويات والأقليات الثقافية، هدف نبيل ولا شك، ولكن في التفاصيل حيث تتكشف الثغرات هناك فجوة لا يمكن ردمها إلا بقراءة نقدية، فهل الطموح يكمن في بناء اجتماعي محايد، حتى لا نقول مدني أو علماني؟
سؤال يكشف عن سيكولوجية الأقليات، والشيخ الصفار يشكل هنا ترجمة أمينة للسلوك الأقلوي للجماعات التي ليس بوسعها إلا أن ترفض أي محاولة لتكريس الشمولية، ولذلك كانت العلمنة خيارا عقلانيا للجماعة المضطهدة، وهو خيار يأتي في سياق واحد مع الدعوات التي نسمعها في التاريخ والحاضر حول التسامح وأهمية الحوار وحق التمثيل الثقافي من الجماعات التي تعاني غبنا اجتماعيا وانحيازا سافرا ضدها.
غير أن ذلك لازال في طي المسكوت عنه في الخطاب السياسي والفكري، مما يستدعي معالجات فكرية مفصلية تعيد تشكيل الخطاب حتى لا يكون هذا التوظيف لتلك المقولات الناهضة والمشروعة والمبررة مجرد استخدام انتهازي ووصولي لا أكثر. وهو خوف يبرره ما نشاهده في سلوك الجماعة التي تأتي إلى السلطة مستغلة الخيار الديمقراطي ثم تنقلب عليه في ردة قمعية تجفل من أي رأي مغاير لكي تتحول في نهاية المطاف إلى وجه استبدادي بديل، وكذا ما نشاهده من ازدواجية في التعاطي مع أي منافس محتمل. حيث تتكشف المزاعم حول حرية الرأي في حالات محددة تمثل محكات أساسية لقياس مدى الجدية والمصداقية في التغيير: الإمساك بالسلطة، والتعاطي مع الخصم الداخلي.
القراءة الموضوعية تستبعد بطبيعتها التحديدات الأيديولوجية والعقل التآمري الذي يشتغل على ثيمات التخوين والعمالة والشيطنة مثلما تستبعد وفي الآن نفسه كل ما من شأنه أن يحول القراءة إلى تبجيل، أما القراءة المؤدلجة فهي تشطح في الاتهام والتخوين أو توغل في الدفاع والتلميع، تزدري أو تبجل ضمن منظور مانوي يتأرجح بين قطبين لا ثالث لهما: المثلنة والشيطنة، وهو ما يقع فيه الكثير من الأتباع والخصوم، كأن هنالك تواطؤ يستهدف بوعي أو بغير وعي المشروع التغييري نفسه.
سأتجاسر على تحديد المشروع من خلال عدد من المعطيات والوقائع في محاور مختارة بحيث تكفي لتشكيل قراءة أولية، فمن خلال المناقشات التي تناولت الشيخ حسين الصفار والحراك الداخلي يتبين أن المشروع يسعى -على الأقل وفق أولويات المرحلة- إلى التقارب المذهبي بغية تحقيق اختراق في جبهة الآخر، وهو تحديدا التيار الديني السلفي، وإذا كان البعض يرى أن هذا الاختراق يشكل مكسبا من المكاسب التي لا يجوز التقليل من شأنها بوصفها تعزز الجهود الرامية للتقارب المذهبي، فإن هناك من يميل إلى اعتباره مجرد وسيلة لتحقيق وضعية سياسية أفضل، فالحوار مع السلفيين ليس مطلوبا بحد ذاته، بل المطلوب بكل وضوح هو أن تسترد الجماعات المهمشة حقوقها، وما الحوار مع السلفيين إلا أداة لاختراق أهم هو زحزحة الخطاب السياسي باتجاه احتواء جميع المكونات الوطنية، وهكذا فإن للمشروع بعد سياسي وآخر فكري، ولكن لو قمنا بتشريحه بمبضع القراءة النقدية سنجد إخفاقا بينا على المستويين، فلا هو تمكن من اختراق المذهب السلفي في بنيته الفكرية والخطابية، ولا هو أحدث أي تحول في الخطاب والواقع السياسي.
ولكي لا نوغل في حكم متشائم مفرط في سوداويته يجب أن نعترف بأن هذه المساعي الحميدة قد أحدثت فعلا بعض الصدى في مواقف السلفيين، ولكنه لا يشكل تحولا فكريا في بنية الخطاب بحيث يتبدى جليا في أعماق النص وهو الركيزة الأساسية لأي عملية اختراق فكري، إن ما حدث من تحول إن كان قد حدث فهو لم يتجاوز تخوم النص، بل إنه لا يتعدى المجاملات والتصريحات العرضية الطارئة التي تتبخر مع أقل صيحة طائفية أو تغير في ميزان القوى.
إن الاختراق الفكري الذي يشكل مطمحا جديا هو في اعتقادي ذلك الذي يتجاوز الموقف العرضي إلى النص نفسه، بحيث يستدعي معالجة فكرية جريئة تعيد تشكيل الخطاب وبلورته من جديد. وهي عملية مشروطة بمبادرة على مستوى الذات قبل الآخر، على أن تقتصر المعالجة في الحالتين على أدوات فكرية صرفة بعيدا عن أي تدخل سلطوي.
الأمر الذي يؤدي بنا إلى فتح مدخل آخر للقراءة، فالحوار لا يمكن أن ينسجم مع العقل الشمولي والنرجسي والمنظومة العقدية المغلقة، لأنه سيتحول إلى نشاط تبشيري أو حوار طرشان. ولهذا السبب بالذات سيبدو جهدا عبثيا إلا في حالة سعيه لفرض مناخ من التعايش الذي سيكون هشا وملغما وآنيا إذا لم يترافق مع تحول جوهري في الخطاب أو إرادة سياسية جادة.
يتراءى للبعض أن الإرادة السياسية هي وحدها القادرة على وضع حد للحرب الطائفية الباردة والقطيعة شبه الكاملة بين المكونات الوطنية، الدكتور توفيق السيف صرح بذلك في وضوح، وكذلك السيد منير الخباز وإن كان بشكل غير مباشر، مما يعني ضرورة دخول السلطة كطرف في الحوار وهو شرط من دونه لا يكون الحوار حوارا ولا المشروع الوطني تغييريا، وفي ظل ذلك ستبدو المقاطعة هي نفسها مشروع سياسي. لأن المشاركة السياسية -وهو ما غاب عن البعض في معالجته الحادة تجاه الرؤى النقدية- هي أساسا حق أكثر منها واجب وطني، مع أنها متعذرة خاصة في حالة القبول الكامل لقواعد اللعبة في مناخ سلطوي استبدادي شمولي لا يتيح أي إمكانية للمشاركة السياسية الفاعلة والبناءة.
إن اعتزال الممارسة السياسية لا يعني إفلاسا أو إخفاقا سياسيا، كما لا يعني عدم وجود مشروع أو وعي سياسي، فالمقاطعة، تماما كالمشاركة، هي فعل سياسي يراد من خلاله ولو بصورة غير واعية التمرد على واقع قائم غير مرغوب فيه، وهو أمر يبدو بديهيا في عالم السياسة، لكن بعض المعالجات المتشنجة والتي لا تخلو من عنف رمزي قد تجاهلت كل ذلك كما تجاهلت سيكولوجية الجماعات المضطهدة والتي تشعر بغبن اجتماعي وتاريخي، فما كان لها والحال كذلك أن تتفهم الغضب وردة الفعل تجاه تكريم رموز القبح والكراهية الطائفية.
ومع أن هذه القراءة النقدية الأولية لا تتضمن مشروع بديل، وذلك بالطبع ليس عيبا، لأن الناقد ليس مطالبا بالبدائل بقدر ما هو معني بكشف الثغرات وفعل التعرية، إلا أنني سأجازف بصياغة اقتراح يبدو لي ومن خلال هذه القراءة الأولية أنه الحل الأمثل والوحيد. فالمشروع الوطني يجب أن يتجه أكثر نحو المطالبة بإصلاح سياسي جدي، وانفتاح كامل على كل مكونات المجتمع وجميع تياراته الفكرية والمذهبية، وأن يكون الحوار حوارا وطنيا مستقلا شاملا يجمع جميع الأطراف، خاصة الأطراف المهمشة بدل أن يرتكز على الطرف الذي يوفر الغطاء الشرعي والأيديولوجي للسلطة، وهو حوار يتسم بمضمون سياسي يختلف من جهة عن النموذج الرسمي، ويتجاوز من جهة أخرى التقارب المذهبي إلى حوار تأسيسي يهدف جوهريا إلى بناء جبهة وطنية تناضل في سبيل الحق وترسيخ الحياة السياسية، إنه تغيير ينطلق من القاعدة ويجمع شتات المضطهدين. نذير الماجد