المسيرات السلمية في القطيف..محاولة للفهم

بقلم: نضال البيابي

أي جماعة يكمن وجودها في "الروح العامة" التي تجعل أفرادها يشعرون ويفكرون ويعملون بكيفية تخالف الكيفية التي قد يشعر ويفكر ويعمل بها كل واحد منهم على انفراده. وهذه "الروح العامة"هي عصب وجوهر التظاهرات. والسبب كما يراه المحللون النفسيون: إن الناس على الرغم من تفاوتهم في عقولهم ولكنهم يتشابهون في مشاعرهم الفطرية.

فالإنسان الذي من طبيعته الوداعة والهدوء قد يجمح بكل نزق ثوري إذا ما وجد المحفز المنبثق من "الروح العامة".

والذي يعني تماهياً وجدانياً نحو وجهة واحدة يحدث هنا أن تغلب الصفات المشتركة على الصفات الخاصة، بمعنى أن الشخصيات الفردانية تذوب وتنزوي نحو الظل فاسحة المجال لسيادة الشخصية العامة.

والحاكمية هنا بطبيعة الحال ليس العقل الذي يخبو وإنما للمشاعر.

فالجماعة تندفع بمشاعرها ولا يسعها الأناة والهدوء والتفكر..قد يقول قائل إذن هي إرادة جمعية للتدمير، والحقيقة أنها إرادة جمعية نحو البعث والإحياء.

لأن المحفز الأقوى لائتلاف الجماعة يكون غالباً بسبب تفاقم الإحساس بالغبن والظلم وبأنها-أي الجماعة- سليبة الإرادة الحرة.

وهذا الضعف أوالإحساس بالوهن جراء الغبن ـ الذي يبدو متفاقما على المستوى الفردي ـ يتلاشى إذا اجتمع أفرادها، وعليه تتسرب تباعا القوة في مفاصل وأوردة الجماعة.

فالاندماج مع "الروح العامة" ولد العدوى أو ما يسمى "بالنوبة المغناطيسية" التي تستولي عادة على عواطف الجماهير.

ويقول في هذا الصدد جوستاف لوبون في كتابه "روح الاجتماع": يهبط المرء بمجرد انضمامه إلى الجماعة عدّة درجات من سلم المدنية ولعله كان رجلا مثقف العقل مهذب الأخلاق في نفسه ولكنه في الجماعة ساذج تابع للغريزة، ففيه اندفاع الرجل الفطري وشدّته وفيه عنفه وقسوته وفيه حماسته وشجاعته. وفيه من سهولة التأثر بالألفاظ والصور ما لم يكن يتأثر به وهو خارج الجماعة، تم فيه الانقياد بذلك إلى فعل ما يخالف منافعه البدهية ويناقض طباعه التي اشتهرت عنه.

وقد يبدو الأمر مخيفاً للوهلة الأولى..لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بجدية ما العوامل المساعدة أو المحفزات التي أستطاعت دمج ألوان الطيف في شخصية واحدة ولون واحد في تظاهرات القطيف الأخيرة؟

افترض البعض أسئلة خاطئة نحو المسيرات السلمية في القطيف ولذا كانت إجابته منقوصة ومشوهة لحقيقة الأمر..فصوغ الأسئلة الصحيحة هي نصف الإجابة..ومن أحسن التشخيص والقراءة العالية للواقع سيجد إجابات تقارب الحقيقة أو تكاد على أقل تقدير.

فكل فعل اجتماعي أكان فردياًً أو جماعيا لاينبجس فجأة أو يُخلق من العدم إنما هو نتيجة لعوامل مباشرة وغير مباشرة، ولا يمكن فهم الظواهر الاجتماعية من خلال الأفكار المسبقة والمفاهيم الجامدة والإجابات المنجزة.

إن التظاهر كوسيلة للتعبير السلمي عن الرأي في السعودية حدث لم يألفه الناس عندنا من قبل إلا في حالات استثنائية نادرة.

وأكاد أجزم أن فريقاً من شعبنا ممن تغلغلت مفاهيم "الخصوصية" في نسيجهم الفكري والوجداني سيلقون كل حراك اجتماعي جاد بالسخط والنفور.

ولا أحسب أن المتظاهرين سيحفلون بسخط أولئك أو نفورهم، فهم مقتنعون ومطمئنون على أن التظاهر والتعبيرعن الرأي حق أصيل لكل إنسان، وإن أسخط قوما أو شقَّ على آخرين.

وقد يزعم البعض أن التظاهرات تمزق الأمن وتشيع الفوضى وتعرض الآمنين للأذى، ونحن أمام خيارين: إما أن نجحد حق كل إنسان في التعبير عن رأيه وحقوقه تحت ذرائع الخصوصية وما شابه ذلك من أدوات قمعية للذات الحرة، ونضع أنفسنا بجانب المدجنين والمؤدلجين، وإما أن نعترف بأن حرية الرأي بكل آلياتها السلمية أقدس المقدسات غيرعابئين بسخط الساخطين وحنق المؤدلجين.

وكل من تظاهر لم يدعِ أنه يكره الحياة الهادئة والمطمئنة. وإنما آمن بأن الحياة لا يمكن أن تكون جديرة بالهدوء والاطمئنان دون الحرية والمساواة وحقوق المواطنة الكاملة..

فالتظاهر هو نوع من أنواع التنفيس عن المكبوت والمسكوت عنه، وما يراه البعض بأنه أدوات تدمير، هي في حقيقة الأمر أدوات إحياء وبعث، وكل مجتمع يخشى الحرية هو يحفر قبره بيده.

إن آلاف المتظاهرين الذين خرجوا المسيرات السلمية في القطيف ليسوا أرقاما هامشية أو مغردين خارج السرب كما يحاول البعض التشويه والتشويش.فثمة تقاطع بين مطالبهم ( كالإفراج عن السجناء المنسيين مثلا) ومطالب أشقائهم في مناطق متفرقة من المملكة.

اختلف الفعل ولكن المطلب واحد، هو الحرية بتعدد دلالاتها.

فلننظر لمطالب الضمير "الشيعي" في القطيف ونرَ مقدار شرعيتها، وهل ثمة نفس طائفي يعتورها؟

1-إرادة سياسية جادة تلغي حالة التمييز الطائفي وتجّرم كل من يحرض طائفيا على الآخر كائنا من كان.

2- منع الإعلام بمختلف وسائله من بث فزاعة ولاء الشيعة للخارج عند كل حراك مطلبي للشيعة السعوديين.

3- المساواة في الفرص التعليمية والوظائف المدنية والعسكرية بين أبناء الوطن بصرف النظر عن انتماءاتهم العقدية أو القبلية أو المناطقية.

4-المساواة بين المواطنين أمام القانون.

5- حرية الفكر والتعبد والمعتقد وتنقيح المناهج الدينية التي تحرض على الآخر المختلف.

6- اطلاق سراح سجناء الرأي.

7- هوية وطنية جامعة تذوب فيها كل الهويات المذهبية والقبلية والمناطقية. ولايعني ذلك المحو والإلغاء، إنما الاندماج والتعايش في حاضنة وطنية كالأم الرؤوم التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تأكل أبناءها.

8-حقوق مواطنة كاملة، وأهمها المشاركة الفعلية في صنع القرار السياسي.

في تقديري أن معضلتنا في السعودية تكمن في مزج الدين والتدين بالوطنية، والتدين بوجهه السلفي على وجه التحديد، فأن تكون مواطنا "صالحاً" ينبغي بالضرورة أن تكون "سلفياً".

فلماذا نتصنع الدهشة والذهول إذا شعر أحد منا من خارج إطار "التدين السلفي" بأنه أجنبي في وطنه؟

فهل يمكن الحصول على امتيازات هائلة ومغرية دون أن تكون سلفياً؟

ياسادتي كيف يمكن للمواطن أن يشعر بذاتيته، وبكينونته، وبوطنيته..وحريته مقيدة بأغلال الدين تارة وبأغلال الخصوصية الوطنية تارة أخرى؟

وكيف يمكن اختزال الوطن في طيف واحد دون أن يشعر البقية بالغبن ؟

أن تكون حياً..يعني بالضرورة أن تكون حراً..حراً في اختلافك..وقمع هذه الحرية، بحجة أو بأخرى، هو نوع من الحياة المجازية المستعارة التي لا يمكن أن تليق إلا بالعبيد.

ياسادتي..ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان..

نضال البيابي