المسيحيون العراقيون ودعوة جواد بولاني

بقلم: حبيب تومي

في تصريحات للاستاذ جواد بولاني وزير الداخلية العراقي اطلق فيها مبادرة عراقية كريمة بدعوة المسيحيين الى الانخراط بصفوف الجيش والشرطة. واعتراف بكون المسيحيين، سواء كانوا من الكلدان او السريان او الآشوريين، هم المخلصين المتفانين في سبيل العراق وأمنه.
فيما مضى من السنين بعد ابريل/نيسان عام 2003 لاحظنا كم كانت أجهزة الداخلية مخترقة من قبل العصابات والميليشيات والتي كانت تأتمر بأوامر غير تابعة للحكومة العراقية. وحتى المواطن العادي كان يتوجس خشية من ايصال المعلومات الى أجهزة الشرطة خوفاً من افشاء أمره لتلك العصابات فتجري تصفيته.
أجل كانت اجهزة الشرطة والجيش مخترقة، ولهذا لم تكن تعني الكمية (الأعداد الكبيرة) شيئا، إنما كان المهم النوعية، ومن المؤكد ان تلك العصابات وتلك الميليشيات كانت ترسل انصارها للانخراط في تلك الأجهزة فيبدو من الصعوبة بمكان تشخيص العناصر المندسة فيها.
في هذا الصدد استطيع أن ازعم جازماً أن الأقليات الدينية وفي مقدمتهم المسيحيين لا تحوم حولهم الشكوك، وليس ثمة احتمال من تجنيدهم من قبل العصابات او الميليشيات. فالمسيحيون من الكلدانيين والسريان والآشوريين، يقدسون الهوية العراقية، وليس لهم أي تماه مع اي دولة مجاورة، وعمقهم المجتمعي والثقافي والديني هو الوطن العراقي، وإخلاصهم هو لهذا الوطن لا غيره. وإن عمل المسيحي في الجيش او الشرطة او في اية وظيفة حكومية فسيقوم بواجبه في منتهى الاخلاص، لا شائبة على ذلك.
كنت اعمل على البواخر ويعاتبني زميل ابن دورتي وهو مهندس مثلي ويقول ما هذه الحماسة في العمل وكأن هذه الباخرة ملك ابيك، فأقول له اسم عشيرتك تنقذك من كل اخطائك او عن تقاعسك في العمل بينما انا فإن إخلاصي هو الذي ينقذني من كل زلة او خطأ، ففي اخلاصي أشعر وكأنني لا أخاف أحداً مهما كان مركزه او مسؤوليته. وهذه شيمتنا نحن المسيحيين إن كنا نعمل في اعمال حرة في التجارة او الصناعة او في وظيفة حكومية. والأستاذ جواد بولاني وزير الداخلية لم يكن مخطئاً حينما دعا المسيحيين الى الانخراط في أجهزة الشرطة.
إن الأستاذ بولاني يبلغ الجميع بأن الوقت الذي كانت هذه الأجهزة محتكرة لفئة او طائفة معينة قد مضى زمنها. فالعراق اليوم يجب ان يكون عراق الجميع دون محاباة او محسوبية.
يحضرني موقف صادفني يوم نجحت من الرابع الى الصف الخامس العلمي، حيث كانت ثمة تعليمات في عهد عبد الكريم قاسم تفيد بأن الطالب الناجح من الرابع الى الخامس العلمي بأمكانه التقدم الى كلية الطيران العسكرية، فحلمت كشاب في مقتبل العمر وبنيت الامال في ان اكون طياراً يشق عنان السماء.
فكتبت عريضة لمديرية تربية الموصل لتزويدي بوثيقة مدرسية الى كلية الطيران، فشاهدها فراش المدير العام وقال لي، إن عريضتك تحتاج الى طابع بخمسين فلسا، فنزلت الى كاتب العرائض واشتريت الطابع ولصقته في اسفل العريضة التي كتبتها بخط يدي توفيراً للمبلغ الذي ادفعه لكاتب العرائض.
وضعت العريضة امام مدير التربية، وكان اسمي الثلاثي لا يُظهر اني مسيحي، فأخذ المدير يكيل لي المديح لمشاعري الوطنية وتمنى لي الموفقية لكي اتخرج كطيار حربي اخدم وطني. وفجأة سألني في اية منطقة تسكن في الموصل؟
فقلت له: استاذ انا من القوش.
هنا رفع رأسه من العريضة ونظر نحوي وقال: أنت من القوش؟
قلت، نعم.
وانت مسيحي؟
قلت، نعم.
وتريد ان تصبح طيارا حربيا؟
قلت، نعم.
وهنا طوى عريضتي عدة طيات، وهو يقول: كليات البلد امامك ابني، اما كلية الطيران، فعليك ان تخرجها من دماغك وتنسى امرها بعد ان تخرج من هذه الغرفة. وسلمني عريضتي وأنا اجر اذيال الخيبة واليأس، بعد ان بنيت قصوراً في الهواء في ان اكون طياراً مقاتلاً.
نعود الى "ربّاط الكلام" فأقول ان دعوة الاستاذ جواد بولاني لها مدلول على مهنية وزيرة الداخلية في العمل، وآخر، انه يريد تكريس الهوية العراقية على الهوية الطائفية او الدينية او القومية. ورغم ان دعوته كريمة مخلصة وصادقة لكنها بنظري جاءت متأخرة، فقد هاجر الشباب الذين أرادهم ان يكونوا رجالا مخلصين في أجهزة الأمن او الجيش، فهل نحلم ان يعود شعبنا المسيحي الى المدن العراقية؟
لقد قرأت خبراً مفاده ان وزارة الداخلية اقامت احتفالاً في شارع ابو نؤاس بمناسبة اعياد الميلاد، فهل نستبشر خيراً؟ هل نستطيع "ان نعود الى حيّنا في دافئات المنى" كما تقول فيروز.
هل تعود شوارع بغداد تتلألأ بالمصابيح وشموع المحبة؟
هل نسافر الى بغداد ونبني لنا بيوت ونعمل بالتجارة؟
إن عودة المسيحيين الى المدن العراقية هي بمثابة عودة الأمان والاستقرار لهذا البلد.
نأمل ان تتكلل جهود الأستاذ جواد بولاني وغيره من المخلصين في هذا البلد في إرساء قواعد الأمان والأسقرار، وحكم القانون، وتختفي كل مظاهر الطائفية المقيتة في هذا البلد المنفتح على كل التكوينات المجتمعية العراقية ويعود تألق نسيج المجتمع العراقي الجميل، وتعود سماء العراق الصافية لتترصع بآلاف النجوم في الليالي القمراء الجميلة. حبيب تومي، اوسلو habeebtomi@yahoo.no