المسلمون... بين ثقافتي الشهادة والوصاية

مشكلة هذا الوعي الكبرى أنّه يحمل صكّ براءة

قبل أكثر من عقدين تقريباً، حين كنت طالباً في كلية اللغة العربية، كنتُ أتابع مجلة "البيان"، وأحرص على قراءتها واقتنائها، فهي أحد المنابر الكتابية، التي يعيش أصحابها في كثير مما يطرحونه على مؤامرة الغرب، وكيده لنا، وتربصه بنا، وتلك هي النغمة المهيمنة في تلك الحقبة، وما زال لها أنصارها الكثيرون الذين يرون أنّ ما أصابهم جريرةُ غيرهم عليهم، وأوزارُ الآخرين كُتب عليهم أن يحملوها ويتحمّلوها، وليس لأيديهم وأعمالهم وثقافتهم المهيمنة عليهم دورٌ في هذه الحال التي يعيشونها، ويتقلّبون فيها.

معضلة هذا التصور العُظمى، ومشكلة هذا الوعي الكبرى، أنّه يحمل صكّ براءة لكل ما يتداوله المسلمون في ثقافتهم، ويتحدثون به عن تأريخهم ورجاله؛ فهم بَراء مما يعيشونه براءة الذئب من دم يوسف، وفي هذا الجوّ المشحون بالبراءة ينشأ ناشئ المسلمين اليوم مِن صغره على براءة ثقافته، وبراءة رجاله، وطهارة تأريخه؛ فأنّى له بعد ذلك أن يقوم بالنقد لكل ذلك، ويتولّى مهامه، ويضطلع بثقله؛ أفي مقدور امرئ قُدّس له كل شيء أن يجترئ على مساءلته، وإبداء الرأي فيه؟

فكرة القداسة

تلك القداسة، وتيك الطهارة، التي أُضفيت على المسلمين، أخرجت لنا فكرة راسخة، وقضية مُسلّمة، قوامها عدم الفصل بين الدين والتأريخ؛ فصرنا نرى أن من لوازم إسلامنا أن نُدافع عن تأريخنا، ونُحامي عن رجاله، وساقنا هذا التلازم بين الإسلام وتأريخ أهله إلى البحث عن أسباب ما نحن فيه في الأمم من حولنا، وأهل الحضارات في عالمنا، وغاب عنا أننا لو اخترنا فرضا آخر في العلاقة بين الإسلام والتأريخ وأهله؛ لكانت النتيجة مختلفة تماماً، ولأصبح معظم جهدنا في الرقي والتقدم مُنصبّاً على تلافي أخطاء التأريخ، وتجاوز عثرات رجاله (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

إن العلاقة الوجدانية الطُهرانية مع التأريخ ورجاله هي التي جعلت الوعي عندنا يقف مندداً بكل نقد للتأريخ ورجاله، ومنزعجاً من كل من يُحاول أن يُبرز لنا أخطاء الأمة، وزلل رجالها، وفي ظل عقل كهذا يُقبل الناس بشراهة على مثل هذه المجلات، ويُسارعون إلى قراءتها كما هي حال الكاتب؛ ففي محتواها، وما يُخطّ على صفحاتها، يُصاد عصفوران بحجر؛ يُقدّس الماضي ورجاله، ويُصبّ اللوم معظمه على الأعداء، والمشاركين لنا في الحياة، وتنقلب المقالة الشهيرة التي تقول: من ليس معنا فهو ضدنا، إلى: من ليس مع تأريخنا ورجاله فهو ضدنا!

لم يكن في مقدور تلك المجلة، ولا العاملين فيها، أن يتجاوزوا تلك الثقافة الْمُقدّسة، والوعي المنزّه، ولو قُدّر لهم أن يفعلوا لما وجدوا من القُرّاء من ينتظر إصدار مجلتهم، ويتحين الفرصة لقراءتها، والاطلاع على ما فيها؛ فالأذهان مزدحمة بآثار الآخرين علينا، وتعطشهم إلى عرقلتنا، وخاويةٌ تقريباً من كل ما يُقنع الناس بأن جزءاً غير يسير مما نعيشه عائد إلينا، ونحن المسؤولون عنه.

هل المسلمون أبرياء؟

لقد كانت المجلة تتحدث في كثير من موضوعاتها الأساسية حول ما يقوم به الغرب، وتنهض بأعبائه رجاله، في سبيل الوقوف في وجه الإسلام وأهله، والتضييق عليهما، وتشويه صورتيهما في العالمين، وتُثير بهذا حنق القارئ، وتُوقد كراهيته؛ لأنها تجعله المسؤول الأول عن كل ما يجري، وتُظهره في صورة المترصد الدائم، والمراقب الذي لا يمل، وتُبرئ المسلمين، وترفع عنهم المسؤولية، ومثل هذا الخطاب العام في المجلة وغيره يبعث في عامة المسلمين وخاصتهم أنهم ضحايا لألاعيب هذا الغرب، وأفانينه في المكر؛ يصنع بهم ما شاء، ويُقلّبهم كيف شاء، والشعور بمثل هذا يُشعل فتيل الكراهية، ويُوقد نيرانها، ويجعل المسلم ينتظر في الغرب أيام عاد، وطاغية ثمود، وهذا يكشف عن أن طريقة تفكيرنا لا تضرنا وحدنا، وإنما تضر الآخرين الذين يتنافسون معنا في بناء هذا العالم؛ فعلى من أراد أن يتعايش مع غيره، ويجلس في سفينة الحياة إلى جواره، أن يعرف أخطاء نفسه، وزلات رجاله؛ إذ من غير الممكن أن أتعايش مع أقوام يكيدون وحدهم لي، ويتربصون بي الدوائر، وينتظرون سقوطي، ويراقبون نقاط ضعفي، والمداخل إلى الإضرار بي! وهكذا فكلما ازدادت كراهيتي للآخرين، وتنامت قوتها، كان ذلك دليلاً على غياب معرفتي بدوري، وبُعدي عن تعقب آثاري التي قادتني إلى ما أنا عليه اليوم.

ذاك كان هو الخطاب العام للمجلة، وهو صورة لطريقة التفكير عند كثير من المسلمين، وهو النمط الذي يُفكّر به المسلمون حين يبدأون بفحص تراثهم، وتقييم رجالاتهم؛ فكل جماعة ترى في تراث غيره، ورجالاته، البلاء المبين، والسم الزُّعاف، وتكل إليهم وحدهم كل ما صادفه الإسلام والمسلمون من البلايا في تأريخهما، بل بلغ بأحدهم الهوسُ بهذا المنطق أن جعل ما جرى للإسلام والمسلمين في الأندلس من جرّاء فتوى ابن حزم في إباحة الغناء والمعازف!

في ظل هيمنة هذا الخطاب لم يكن في مقدور قارئ مثلي أن يُبصر التناقض الصارخ الذي تطرحه المجلة عبر بعض موضوعاتها، وهو تناقض يكشف بوضوح عن الوعي الذي يُنظّر له المسلمون، ويجعلهم في مقام صناع الفعل، والغرب، ومن فيه، في مقام صناع رد الفعل، وذاك في الحديث عن الأصل الأصيل الذي تقوم عليه علاقة المسلم بغيره من غير المسلمين؟

لقد طُرِح هذا الموضوع في مجلة "البيان" قبل عقدين من الزمان، أو أكثر من ذلك، ومع نسياني لاسم كاتب المقال، وغيابه عني الآن إلا أنني ما زلت أذكر إصراره على تصحيح الرأي القائل بأن الأصل في علاقة المسلم بغيره هو الحرب، وليس السلم، وما فتئتُ أسترجع سعيه المحموم إلى رد رأي القائلين، وهم قلة قليلة، بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم الأصل فيها السلم لا الحرب.

الأصل الحرب

لقد اجتمع في خطاب الثقافة المسلمة أمران: أن الأصل في العلاقة بغير المسلمين الحرب، والثاني أن غير المسلمين، خاصة الغرب، هم السبب الرئيس وراء كل ما يجري للإسلام والمسلمين اليوم، فاجتمع السببان على شحن البغضاء، وإيقاد روح العداء، وبهذين السببين ينكشف أن الحرب مع غير المسلمين عند هؤلاء ثابت ديني، لا يُغيّره شيء، ولا يدفع عن القول به سبب! ومع هذا التنظير هل تُلام الأمم حين تدفع عن نفسها أولاً، وتسعى في حفظ مجتمعاتها؟

هذا المنطق في التعامل مع غير المسلمين هو منطق الوصاية باسم الدين؛ لكنها هذه المرة وصاية على غير المسلمين، وهكذا يصبح هذا المنطق (الوصائي) عدواً لنا ولغيرنا من أمم الأرض، وإذا كان المسلمون اليوم، على سعة ما بينهم من الخلاف، لا يقبلون من أحد باسم الدين أن يكون وصياً عليهم؛ فكذلك هذه الأمم التي تُشاركنا السكن على هذه الأرض، لا تقبل البتة أن نكون نحن أوصياء عليها، ومسؤولين أمام الله ثم الناس عنها!

هذه الوصاية الدينية التي يُقرّها هذا البحث على الأمم الأخرى، ويدعو إليها الخطاب الديني مع المسلم المخالف (المبتدع)، هي التي تُخرج لنا أمثال داعش، وتجعل لهم قبولاً لدى شرائح كثيرة من المسلمين؛ فالخطاب الديني الذي كان يقوم على ركيزتين؛ الأولى شرعنة هذه الوصاية باسم الدين، والثانية تسويغها بواقع الغرب المتآمر علينا، والساعي في أذيتنا، وواقع من معه من المسلمين المتغرّبين! يقود إلى هذه النتيجة الحتمية التي نُشاهد عند داعش وأمثالها، ويصبح أمثال هؤلاء الإرهابيين يجدون غطاءين يُضللون بهما الناس، ويُمررون عبرهما ما يريدون من ثقافة الإرهاب؛ فإن لم يقنع الناس بهذا الأصل في العلاقة بغير المسلمين، والمسلمين المخالفين، لجأوا إلى البُكائيات حول جرائم الغرب، وسعيه في الكيد للإسلام وأهله.

وفي سبيل مقاومة هذه الثقافة التي تُحضّر للإرهاب، وتدفع إليه، لا بد من مواجهة هاتين الركيزتين بمثلهما؛ ففي القضية الأولى، وهي الوصاية على الآخرين، يُبرز مفهوم الشهادة، الوارد في قوله _ تعالى _(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ويُلحّ عليه؛ فهو المفهوم المتسق تماماً مع حرية الإنسان، ومسؤوليته عن نفسه، وحرية الأمم ومسؤوليتها عن نفسها، وذاك مفهوم مشترك بين رسالتي عيسى ومحمد _ عليهما الصلاة والسلام _ ففي إنجيل لوقا يقول المسيح _ صلى الله عليه وسلم _ مخاطباً تلاميذه:" وكلُّ من لا يقبلكم فاخرجوا من تلك المدينة، وانفضوا الغبار أيضاً عن أرجلكم؛ شهادة عليهم".

وفي القضية الثانية، وهي واقع التآمر الغربي على الإسلام وأهله، لا بدّ من ضخ خطاب جديد، تكون مظلته قوله _ تعالى _(إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم)؛ لينشغل المسلم بعيوب نفسه، وأخطاء أسلافه، وقصور تجربته؛ فذاك درب من يريد أن يتعايش مع العالم، ويشق طريقه في البناء بعيداً عن لوم الآخرين، وتحميلهم كل ما جرى ويجري له في هذه الحياة.

إبراهيم بن سليمان المطرودي

كاتب سعودي