'المسلخ رقم 5' رواية أميركية تكشف الوجه القبيح للحرب

الكثيرون من روائيي ما بعد الحداثة يقتفون أثر فونيغوت

يفتح د. صديق محمد جوهر رئيس قسم الأدب الإنجليزي جامعة الإمارات مقدمة كتابه "المسلخ رقم 5".. العنف وفانتازيا الخيال العلمي في روايات الحرب العالمية الثانية"، بمقارنة بين ما ارتكبته آلة الحرب الأميركية في بغداد عام 2003 وما ارتكبته آلة الحرب الأنجلوأميركية في ديريسدين الألمانية بالحرب العالمية الثانية، وذلك ليمهد لنا دراسته التحليلية لرواية الحرب الأميركية، وما شكلته الرواية العلامة في تاريخ رواية الحرب "المسلخ رقم 5" للروائي الأميركي الشهير كيرت فونيغوت، حيث يتناول رواية الحرب والموروث الثقافي الأميركي بصورة مطوَّلة يرصد فيها نشأة وتطور رواية الحرب في أميركا، مؤكدا أنه بالرغم من التاريخ الطويل لرواية الحرب الأميركية وتراثها المتحقق، فإن رواية الحرب العالمية الثانية احتلت وضعًا محوريًّـا جراء العدد اللافت للكُتاب الذين خاضوا تجربة الكتابة عنها.

ثم في سبعة فصول يتناول رواية "المسلخ رقم 5" من جوانب مختلفة، وهي تنسدل على النحو الآتي، الأول: الخيال العلمي وروايات الحرب التقليدية، الثاني: سرديات الزمن وآليات ما بعد الحداثة، الثالث: حركة الرواية بين الواقعية والفنتازيا، الرابع: الترالفمادور وإشكالية السيرة الذاتية، الخامس: الطرائق السردية وتأصيل البنية النصية، السادس: إستراتيجيات التناص، والسابع: تفكيك أسطورة الحرب.

يقول د. صديق في مقدمته "قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية استهدفت الطائرات الحربية للحلفاء السكان المدنيين في مدينة دريسدين الألمانية مثلما استهدفت حملة القصف الجوي الهمجية ـ التي نفذتها القاذفات الأنغلوأميركية في مارس/آذار 2003 ـ المناطقَ الآهلة بالسكان في بغداد، والمدن العراقية الأخرى.

وبينما كانت حملة "الصدمة والرعب" التي تعرضت لها بغداد وضواحيها تهدف إلى إحداث معادلٍ غير نوويٍّ لما حدث في هيروشيما وناجازاكي، وإثارة ذكريات الغارات العدوانية التي شنتها القوات الجوية الأميركية على المدينتين اليابانيتين قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت الغارات الجوية المتواصلة على دريسدين الألمانية آنذاك، تهدف إلى تحويل المدينة التاريخية إلى كومة من الرماد. لقد أسفرت الحملة الجوية على دريسدين عن مذبحة هائلة، كما أن تلك الغارات المريعة قد شكلت عصب "المسلخ رقم 5".

ويضيف "تكمن المفارقة هنا في أن المسلك المشين لبعض السياسيين العرب، بمن فيهم القيادات العراقية العليا، إزاء النوائب التي نزلت بساحة سكان العراق الأبرياء خلال الحرب، يستدعي إلى الأذهان ردَّ فعل بيلي بيلغريم البطلَ السلبي في رواية فونيغوت الذي تقبَّل ما حلَّ بدريسدين من إبادةٍ وتدميرٍ على أنه قدرٌ محتوم، لا يمكن لأحد تفاديه.

وعلى الرغم من كون بيلي بيلغريم شاهدَ عيانٍ لما جرى، فقد حبَّذ واستحسَن ـ بتأثير مفهوم شاذٍ لا يمت بأي صلة للواقع مستوحى من قراءاته لروايات الخيال العلمي ـ إبادةَ 135000 من السكان المدنيين في دريسدين: "بدا كلُّ شيء جميلاً، ولم يتأذَّ أحدٌ. كلُّ شيءٍ كان على ما يرام، وكل شخص فعل ما يتوجب عليه أن يفعله". هذا ما قاله بيلي تعليقًا على خراب دريسدين".

ويشير د. صديق إلى أن كيرت فونيغوت كان شاهدَ عيان على ماحدث في دريسدين؛ "كان محتجزًا في أحد المسالخ مع آخرين من جنود الحلفاء الذين تم أسرهم إبان المعارك على يد الألمان. لقد نجا فونيغوت من المحرقة لسبب منطقي، وهو أن المسلخ الذي احتجز فيه كان مشيدًا تحت الأرض. وحتى يُجَسِّمَ فونيغوت الفظائع التي نتجت عن قصف دريسدين بالقنابل الحارقة؛ فقد عمد إلى كتابة رواية تجلت فيها عبقريته على الصعيدين: التقني والفكري من أجل أن يسبغ على كارثة دريسدين أبعادًا غيرَ مألوفةٍ، تجعل منها حادثةً تَفوقُ واقعَها التاريخي وتندُّ عنه. لقد دفع واقع دريسدين المشوش، وصعوبة تشكيله فونيغوت إلى نبذ مواضعات الرواية التقليدية، واعتماد الفانتازيا الخرافية بوصفها الوسيط الأنسب لتجسيد هكذا تجربة فظيعة".

ويقول د. صديق "إن رواية "المسلخ رقم 5" التي كتبها كيرت فونيغوت الابن في العام 1969 واحدة من أوسع الروايات رواجًا وشعبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتُعزى شعبيتها إلى حقيقة كونها تعتمد بقوة على رصيد رواية الخيال العلمي؛ فالأسطورة المبتدعة التي تنفخ الروح في نص الرواية هي أسطورة السفر إلى الفضاء.

وفي الرواية، تأتي أسطورةُ الجنس المختلف كلونٍ من الأسطورة المبتدعة الداعمة. ومن هنا، يَرِدُ في الرواية الحديث عما زُعِمَ أنه "الأجناس السبعة فوق الأرض، كلٌّ منها لا غنى عنه للتناسل والتكاثر".

ولئن كانت أجزاء الرواية المفعمة بالخيال العلمي، تشبع حاجة القارئ المعاصر للتحليق في أجواء الخيال، فإن الأجزاء المتعلقة بالحرب العالمية الثانية تخلف في وجدانه انطباعًا غائرًا لا يزول من جراء ويلات هذه الحرب، وما صاحبها من فظائع.

ويلفت إلى أن من بين تلك المشاهد، يأتي "مشهد إعدام العجوز ديربي الكبير بعد اتهامه بسرقة أحد أباريق الشاي من وسط الحطام الذي آلت إليه مدينة دريسدين الألمانية بعد قصفها ومحوها عن سطح الأرض.

ومن المفارقات أن بطل رواية "المسلخ رقم 5" بيلي بيلغريم قد أفلح في الرجوع إلى الوطن بعد انتهاء الحرب، وفي جيبه إحدى الماسات التي أخذها غنيمة حرب. وثمة مشهد ثانٍ لأحد البولنديين وقد شُنق جراء مضاجعته امرأة ألمانية، ومشهد ثالث يعمد فيه الجنود الذين عجزوا عن التخلص من الجثث المتحللة للموتى داخل البيوت والأبنية إلى المسارعة لنزع الحلي والمجوهرات عنها، وأضرموا النيران بتلك البيوت والأبنية.

ولعل هذه المشاهد توحي بما أسماه الشاعر البريطاني وليفريد أوين "دواعي الأسى في الحروب" حيث كان الأسى هذه المرة مُقَطَّرًا، وعِلّةُ ذلك براعة فونيغوت الفنية في المجاورة بين الخيال وبين التقرير الخبري القريب من الواقع ما جعل رواية (المسلخ رقم 5) تسمو على قائمة روايات الخيال العلمي المتوهم".

يعني الكتاب بالفحص النقدي للرواية في سياق تراث روايات الحرب الأميركية، وفي إطار النظرية الأدبية المعاصرة بهدف استقصاء البناء بعد الحداثي، سواء كان سرديًّـا أو فكريًّـا في تلك الرواية، وإحلال "المسلخ رقم 5" في موضعها المناسب بصفتها ذلك الإنجازٍ المتميز في تراث رواية الحرب الأميركية. وعبر هذا السياق النقدي، حيث يعمدُ الكتاب إلى تحليل ما في الرواية من خيال علمي ووحدات زمنية يهيمنان على أجزاء البنية الروائية؛ حتى يتسنى إبراز المواضعات التي تحكم الرؤية الأدبية والجمالية للمؤلف.

ويحلل الكتاب الإستراتيجيات السردية التي اصطنعها فونيغوت من أجل تفكيك وهدم تقنيات السرد القائمة على الترتيب الزمني والسائدة في روايات ما قبل الحرب العالمية الثانية التي انهمكت في تعظيم الحرب وتمجيد أبطالها، ما من شأنه تعضيد مسلك فونيغوت في رفضه مفاهيم ومواضعات السرد التقليدية للرواية، وذلك بوصفها إعادةَ تمثيلٍ للواقع ومحضَ محاكاةٍ له. ولهذا، ينحاز كيرت فونيغوت إلى ما يجمع بين الخرافة والخيال كوسيط ديناميكي مناسب، تَتَضام داخله جزئيات الحقائق المعقدة للحرب، استطاع أن يفصح عنها جماليًّـا في رواية "المسلخ رقم 5" التي اتخذت لها عنوانًا فرعيًّـا هو "الحملة الصليبية للأطفال".

ويسعى الكتاب، أيضًا، إلى إظهار الأثر الذي خلفته الحقبة المائجة الموارَّة في أواخر الستينيات على البنية السردية/ الفكرية في رواية "المسلخ رقم 5"، وهو حمل فونيغوت على تجريب تقنيات جديدة، وإدخال ذكريات شخصية إلى متن الرواية، ليجعلها، بذلك، جنسًا أدبيًّا هجينًا، نستمع فيه إلى الأصوات المتعددة، وهو ما جعل هذا العمل نموذجًا يحتذيه روائيو ما بعد الحداثة.

ويؤكد د. صديق أن فونيغوت تبنى استراتيجيات سردٍ مبتكرة، وأسلوبًا في غاية الإبداع، يُشار إليه فى لغة القص باسم "الأسلوب البرقي الفصامي"، واتجه إلى كشف الوجه القبيح للحرب، وحزم أمره على ألا يكتب روايةَ حربٍ تقليدية يمكن أن تمتد إليها أيادي نجوم السينما من أمثال: فرانك سيناترا، وجون وين، فيمثلانها على الشاشة الفضية بما عهد عنهما من ابتذال وسوقية.

وراح فونيغوت يؤكد ويلح في روايته على أن الجنود الأميركيين إبان الحرب العالمية الثانية لم يكونوا سوى أطفالٍ أو صبية أغرار، غُسلتْ أمخاخهم وضللتهم، أيما تضليل، أفلام هوليوود التي ما فتئت تعرض مغامرات الجيش الأميركي في الحروب والمعارك. لقد غلبت عليهم الحماسة وأغراهم الكبار بالانغماس في غمار حرب وحشية، وتزامن ذلك مع سرد الأساطير الأميركية الزائفة عن البطولة، وظاهرة جون وين السينمائية بما تنطوي عليه من قيم الغزو والقهر والولاء الأعمى.

ويرى إن "المسلخ رقم 5" تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فبينما تعمد إلى تنبيه البشر لفظاعات الحياة على الأرض، فإنها تعمد، أيضًا، إلى تسكين الآلام الواقعية لتلكم الفظائع مستعينة على ذلك بجرعات كبيرة من الخيال والوهم. وما يتعلق بكوكب الترالفمادور من حوادث ووقائع، ليس إلا النموذج الاستجابي لـفونيغوت إزاء واقعة قصف دريسدين ومحوها، وإزاء الحرب العالمية الثانية بصورة كلية.

ويأتي الجانب الخيالي مجافيًا للمنطق والعقل والإدراك، ولكن دريسدين تتخطى وتتجاوز كل شرح أو تفسير. وبالتالي، فإن هروبية بيلغريم، إن كان ثمة في الحقيقة أي هروب، هي هروبية غير قاطعة وغير حاسمة. وما يعزز هذا الفهم، ما ورد بالرواية من انتقاد بقسوة وشجب لما كان يعانيه بيلغريم من تعدد نوبات البكاء المفاجئة غير الإرادية.

ولو اتخذنا سبيل "التحقيق والتدقيق"، و"التحليل والتفسير" لانتهى بنا الأمر إلى خيانة منهج النقد الذي نتبعه "منهج القراءة وأقلمة النص"، وانتهى بنا إلى مفاهيم منطقية تتعارض تمامًا مع نصٍّ بعد حداثي. هذا النص، من المؤكد أنه يتأبى على إعادة فك تشفيره بالصورة المنطقية التقليدية المعهودة عند القراء التقليديين.

ويخلص د. صديق إلى إن حقبة أواخر الستينيات العاصفة الموَّارة، أَمْلَتْ على فونيغوت ـ الذي كان بصدد كتابة روايته ـ تبنيَ تركيبٍ روائي متشظٍ وأجواءَ تصويرٍ، تندُّ عن الواقع وتتجاوزه، أصبحت من بعد هذا مما يستعمله الكثيرون من روائيي الحرب الفيتنامية في ذلك الزمن وما تلاه.

وأدى نشر وذيوع صيت "المسلخ رقم 5" في العام 1969 إلى تصنيف فونيغوت كأحد أكثر الروائيين تأثيرًا وأهمية في الأدب الأميركي المعاصر، وراح الكثيرون من روائيي ما بعد الحداثة يقتفون أثر فونيغوت فيما عُدَّ نموذجًا أصيلاً للبنية الروائية".