المسجد والدَّولة: مَن يحكم مَن؟

العلاقة الملتبسة بين الدولة والمسجد في ظل سلطة الإسلاميين

ظهر بعد استيلاء الإسلام السياسي على الحكم، في أكثر مِن بلد أن الفارق كبير بين ممارسة الحكم أو إدارة البلاد ودين الحاكم ومذهبه وممارسته للمفاهيم الدينية؛ ذلك الإسلام السياسي الذي اعتلى سدة الحكم عن طريق ثورات الربيع العربي، كالحالة المصرية والتونسية، ومنه عن طريق التدخل الأميركي المباشر في الحالة العراقية، من دون أن يكون فاعلاً في الحالتين.

فعندما تكون حاكماً ستواجه المشكلات الاجتماعية والإدارية والسياسة والثقافية والاقتصادية، تلك التي لم يعطي الدين رأياً باتاً بها، ناهيك مِن ممارسة التدين بأكثر من مذهب، بينما الحاكم المتدين يحاول من أول خطوة إلى قصر الحكم أن يغطي واجهة القصر بغلاف ديني، حتى يهدم الفوارق بينه وبين المسجد، في الدخول والخروج وطريقة الحديث، ونشر الرموز الدينية على جدران القصر، ورفع الرايات الموازية لعلم الدولة وشعارها.

على الحاكم عند انتخابه رئيساً أو رئيس وزراء أن يترك تدينه وممارساته الدينية في داره، ويمارس في ممارسة رجل الدولة في قصر الحكم، لابد من أن يضع حداً لازدواجية الدين والدولة في داخله، فهو ليس إمام مسجد أو قارئ منبر حسيني إنما هو رجل دولة، لا يأخذ مسالة عدم مصافحة النساء مثلاً بنظر الاعتبار وهو في القصر عند استقبال الوفود، ولا يعطي يقوم بتحجيب الموظفات، أو يشترط في تعيين موظفات القصر الحجاب.

إنه رجل دولة يمثل البلاد كافة، لا يمثل دينيه أو مذهبه، كي يحول الاعلام الرسمي إلى إعلام متدين، وأن يظهر في صلاة الجمعة إماماً للمصلين، أو باكياً في مجلس العزاء الحسيني، أو ممارساً الذِكر الصوفي إذا كان منتسباً إلى جامعة أو طريقة صوفية. لأنه شخصية عام يمثل كل أهل البلاد، بطوائفهم وأديانهم. هذه شروط الديمقراطية، وليس فيها استحواذ الأكثريَّة على الأقلية، في حالة الدين والمذهب، فإذا أخذت الأقلية حقها وطمأنت إلى أن الحاكم يمثلها أيضاً فحق الأكثرية يكون مضموناً بالتأكيد.

صحيح كان الحرص على مظهر التدين في إعلام الأنظمة الدكتاتورية، من ناحية ظهور رئيس الدولة مثلاً مصلياً في يوم الجمعة، والحرص على حضور المناسبات الدينية، حتى بعض الحكومات الدكتاتورية تبنت تطبيق أحكام الشريعة، وأخدت تجلد المخالفين في الشوارع والطرقات، وألغت قوانين الأحوال الشخصية إلى غير ذلك، لكن كل هذا يمثل حالة نفاق والتستر بالدين، أما في حالة الإسلام السياسي، ومع أجواء الديمقراطية، صار التدين أيديولوجيا من جهة ومن جهة ثانية توظيف الدين مثلما هو الحال في الأنظمة الدكتاتورية، أي بالتدريج يتحول تدين الحاكم الإلسامي إلى تدين مصلحة.

ماذا لو فعلها مثلاً رئيس الهند المسلم، الذي انتخبه الشعب الهندي، وهو غالبيته مِن الهندوس، وملأ القصر الرئاسي برموز دينية، ولا يدخل باب القصر إلا بعد التسبيح والصَّلاة، حسب دينه؟ بالوقت نفسه ماذا لو فعلها رئيس وزراء الهند حول بيت الوزاؤ إلى معبد هندوسي، هل ستبقى ديمقراطية في الهند، بل هل سيبقى السلام سائداً بين مئات المذاهب والأديان هناك؟ قطعاً لا.

إن تحويل القصور الرئاسية ودوائر الدولة إلى أمكنة عبادة يعني هذا عدم إيمان الحاكم الإسلامي بتداول السلطة، فالرمز الديني يوحي بالتأبيد لأنه متصل بأبدية الله، وأي حاكم آخر يغير في تلك الرموز يُعد معادياً لدين، شأن من يتقصد بناء مسجد في حديقة عامة، فلا يمكن إزالة المسجد لأنه بيت الله، وبالتالي يمكن تحريك العوام ضد مَن يجرأ على ذلك. إن إدارة الدولة لا تتقيد بأوقات صلاة ولا تعفي الحاكم لأن صائم من مهامه اليومية، ولا تسمع لصوت المؤذن داخل قصر الحكم، فكم ظهراً ذلك السلفي المصري وهو يقتحم البرلمان مؤذناً لصلاة الظهر، وكم عبر ذلك الوزير العراقي، وهو وزير التربية والتعليم السابق، عن أنانيته عندما رفض حضور اجتماع مهم للوزارة، يتعلق بمستقبل التريية والتعليم، لأنه حريص على حضور مجلس عزاء في ذكرى وفاة الإمام علي بن أبي طالب. أو أن تعطل الدولة لأيام بسبب زيارة عاشوراء أو صفر!

ما يحصل من ازدواجية بين ممارسة التدين، بشكله الصارخ والأصولي، وإدارة الدولة يمثل حالة ضياع وتفكك للدولة نفسها، وحتى التسميات التي تطلق على ئريس وزراء مثلاً "حجي" فلان" أو "ملا" فلان تعكس حالة التماهي بين الدولة والمسجد، وبالتالي ستتغلب وتسود حالة النفاق في الدين وحالة الفوضى في الدولة. لذا لابد أن يُحسب حساب العزل بين عمل رجل الدولة وممارسته الدينية الشخصية، فإدارة المسجد والحسينية غير إدارة الدولة.