المستوطنات: من حلم توراتي إلى عقبة في طريق السلام

عوفرا (الضفة الغربية)
مستوطنة تطل على مستقبل مجهول

بعد اربعين عاما من بدء الاحتلال، تحول المستوطنون الذين كانوا يلقون دعم الحكومات اليمينية واليسارية على حد سواء الى مهمشين مع ان عددهم لم يكن يوما اكبر مما هو الآن.
ويعيش نحو نصف مليون اسرائيلي في مستوطنات يعتبرها القانون الدولي غير شرعية، في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل من الاردن وهضبة الجولان السورية.
وتشكل المستوطنات واحدة من اهم العقبات في وجه الجهود التي تبذل منذ عقود لاحلال السلام في المنطقة.
وبنيت اول مستوطنة في الضفة الغربية بعد سبعة اشهر من حرب حزيران/يونيو 1967 في كفار عتصيون، في مكان قرية تعاونية زراعية دمرت في 1948، وسط فرح عارم في اسرائيل اثر انتصارها في الحرب.
وكانت هذه الفرحة كبيرة لما يعنيه احتلال اسرائيل لاراض تضم اهم المواقع اليهودية التي منع الاسرائيليون من الوصول اليها منذ 1948 وخصوصا حائط المبكى والحرم الابراهيمي في الخليل.
وكتب المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس في كتابه "الضحايا المحقون" ان "رياحا إلهية توسعية هبت على البلاد وتحدثت الروايات الشعبية عن 'معجزة' و'خلاص' لان الارض التاريخية لاسرائيل اعيدت الى اصحابها".
وقال حنان بورات الذي كان اول مستوطن وصل في 1967 الى كفار عتصيون حيث عاش من قبل مع اسرته عندما كان طفلا وفر في 1948 "شعرنا اننا نكتب فصلا جديدا في التوراة". ويعيش بورات اليوم في مستوطنة عوفرا شمال رام الله في الضفة الغربية.
وكان بعض الاسرائيليين الذين انتقلوا الى المستوطنات خلال السنوات الاربعين التي تلت من المثاليين، بينما كان آخرون مبشرين يعتقدون انهم يقومون بعمل الله. لكن البرغماتيين من هؤلاء المستوطنين استفادوا من التسهيلات المالية التي قدمتها الحكومة للحصول على منازل اوسع لقاء مبالغ اقل.
واتسعت المستوطنات تدريجياً خلال السنوات العشر التي تلت الحرب. وقالت منظمة السلام الآن المعارضة للاستيطان ان عددهم بلغ خمسة آلاف اسرائيلي في ثلاثين مستوطنة في شرق الضفة الغربية.
لكن في 1977 ارتفع عدد هؤلاء المستوطنين بشكل كبير مع تولي حزب الليكود اليميني للمرة الاولى رئاسة الحكومة في عهد مناحيم بيغن.
وقال موريس ان "مبالغ كبيرة خصصت للاستيطان في الاراضي المحتلة".
وبعد اتفاقات اوسلو الانتقالية لابرام السلام مع الفلسطينيين 1993، تضاعف عدد المستوطنين.
ويقيم 260 الف مستوطن في الضفة الغربية ومئتا الف آخرون في القدس الشرقية و15 الفا في الجولان حسب تقديرات للمنظمات المعارضة للاستيطان.
وتقول "السلام الآن" انهم يكلفون اسرائيل 556 مليون دولار سنويا ويثيرون غضب العرب ويشكلون مصدر مواجهات مستمرة بين الجانبين مثل المتطرفين في الخليل الذين يسببون مضايقات لجيرانهم الفلسطينيين، تحت حماية الجيش او المستوطنين المسلحين قرب رام الله.
وتنص خطة "خارطة الطريق" التي اطلقتها اللجنة الرباعية الدولية حول السلام في الشرق الاوسط في 2003، على ان توقف اسرائيل التوسع الاستيطاني وتنقل المستوطنين في اطار حل اقامة الدولة الفلسطينية لكن حركة الاستيطان مستمرة وتقضم اراضي من الدولة الفلسطينية الموعودة.
ويؤكد المكتب الفلسطيني للاحصاء ان اسرائيل صادرت اكثر من ستين الف دونم من الاراضي الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في نهاية ايلول/سبتمبر 2000، معظمها لبناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية.
وكانت اسرائيل سحبت نحو ستة آلاف مستوطن من سيناء في 1982 بعد ابرام اتفاق سلام مع مصر وثمانية آلاف آخرين من غزة خلال انسحابها الاحادي الجانب من القطاع في 2005.
وسبب الانسحاب من غزة الذي جرى في عهد رئيس الوزراء السابق ارييل شارون ويفترض ان يشمل حسب خطته، الضفة الغربية، هزة كبيرة لاسس الحركة الاستيطانية التي بدت عاجزة عن مواصلة تمسكها بمبادىء تكتل غوش ايمونيم او كتلة الايمان التي اوحت ببناء عشرات المستوطنات.
ويرى اسرائيل هاريل مدير المعهد الاسرائيلي للخيارات الاستراتيجية واحد مؤسسيه، ان "الايديولوجيين" الاسرائيليين لم ينجحوا في فرض انفسهم على التوافق السياسي الاسرائيلي.
واضاف ان "مجرد التفكير بعد اربعين عاما من الانتصار، باخلاء جزء كبير من مستوطنات الضفة الغربية يشكل دليلا على فشل مهمتنا".
وتشكل المستوطنات في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان واحدة من اكبر العقبات في طريق تسوية بين اسرائيل والفلسطينيين.
وقال موريس ان "الاستيطان ولد رغبة في امتلاك الارض، وكما كتب عدد من الاسرائيليين والعرب والاميركيين في الثمانينيات والتسعينيات عن المستوطنات انها تشكل عقبة كبرى في طريق السلام".