المستوطنات في أسواقنا وبيوتنا

بقلم: جواد البشيتي

لنغتنم الفرصة، ولنكتب ضد الاستيطان، قبل أن تصبح الكتابة ضده، إنْ بقلم أو باعتصام، ممنوعة، محرَّمةً، محفوفة بالمخاطر؛ ولكنَّ كتابتنا لن تكون ضده بما يكفي من الضدِّية إذا ما اكتفينا بصبِّ جام غضبنا على إسرائيل والمستوطنين، فنحن جميعاً شاركنا، إن عن "اقتناع" أو إكراه، في تزويد الاستيطان أيدٍ عاملة هي أيدي ضحاياه، وكثيرٍ من مواد البناء؛ وارتضينا لأنفسنا، إذ أضعفوها وأضعفناها، أنَّ نكون جزءاً من "الآلة التجارية الاستيطانية"، فألبسنا منتجات المستوطنات من الخضار والفاكهة "كوفيةً" تشبه "حصان طروادة"، فغزت أسواقنا، فبيوتنا، فبطوننا، فسمنت المستوطنات ذاتها.

فعلنا كل ذلك؛ ولكن من غير أن ننبذ الرياء والنفاق خطاباً، نلعن فيه الاستيطان، ونخلع عنه الشرعية، وندعو إلى وقفه وتجميده.. وإلى إزالته في يوم يبعثون. حتى الاتحاد الأوروبي كان في فعله، وليس في قوله فحسب، اشدُّ منَّا عداءً للاستيطان، فتضامن معنا نحن غير المتضامنين مع أنفسنا، وحظر دخول منتجات المستوطنات إلى أسواقه، وإلاَّ ما معنى أن نصوِّر الاستيطان على أنَّه شيطان رجيم، عديم الشرعية، وعقبة كبرى في طريق السلام؟!

إنَّ الشجرة تعرفونها من ثمارها، فكيف لنا أن نظل مستمسكين بمواقفنا الكلامية اللفظية ضد الاستيطان عندما تتمخَّض المفاوضات "الصعبة" بين إدارة الرئيس أوباما وحكومة نتنياهو عن "اتِّفاق" يدعونا إلى لفظ تلك المواقف على ضآلة أهميتها السياسية العملية؟!

الآن نقول، لعلَّ قولنا يشدُّ من أزر "المفاوِض أوباما"، لن نعود إلى المفاوضات مع إسرائيل قبل أن تلتزم قولاً وفعلاً وقف الاستيطان وقفاً تاماً، فلا نرى (في أثناء المفاوضات) مزيداً من البناء في داخل المستوطنات ذاتها بدعوى "النمو الطبيعي"، أو بدعوى أنَّ بعضاً من هذا البناء قد بدأ من قبل، ولا بدَّ له من أن يُسْتَكْمَل وينتهي.

من الآن أقول، وبما يوافق مبدأ الحكمة "الشجرة تعرفونها من ثمارها"، إنَّنا سنقبل ما سيقبله أوباما لنا، والذي سيقبل طريقة قبول نتنياهو لوقف الاستيطان، فرئيس الوزراء الإسرائيلي، وعبر مفاوضه باراك، سيتمكَّن من "إقناع" سيدِّ البيت الأبيض الجديد بأن يَطْلُب المستطاع حتى يُطاع؛ وهذا المستطاع لن يتعدَّى التزام إسرائيل أن توقف مؤقتاً (أي إلى أن تعثر على ذريعة جديدة جيِّدة للتنصل من هذا الالتزام) كل نشاط استيطاني يشتمل على الاستيلاء على أراضٍ تعود ملكيتها إلى أشخاص فلسطينيين، أو يزيد عمَّا يقتضيه "النمو الطبيعي". أمَّا ما استولت، وتستولي، عليه إسرائيل من أراضٍ فلسطينية لا يملكها أشخاص فلسطينيون، في الضفة الغربية على وجه العموم، وفي منطقة الأغوار على وجه الخصوص، فليس جزءاً من النشاط الاستيطاني، ولن يكون هذا الاستيلاء، بالتالي، بالأمر المتعارِض مع ذلك الالتزام الإسرائيلي!

وحتى يلتزم نتنياهو، ويظل ملتزماً، هذا الوقف المؤقت للاستيطان، وبمعناه هذا، سنعطيه من "التطبيع العربي" ما يكفيه شرور معارضي هذا الالتزام من الإسرائيليين في داخل، وفي خارج، ائتلافه الحاكم، وما يسمح لمعطيه من العرب بأن يقيموا الدليل على أنهم قوم يبادلونه "الحسنة" بعشرة أمثالها، فطائرات "العال" تطير علناً في أجوائنا مختصِرةً زمن رحلاتها إلى الشرق الأقصى؛ أمَّا طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فتطير سِرَّاً في أجوائنا، وصولاً إلى المفاعل النووي الإيراني "نطز". وكلُّ ما جُمِّد من "تطبيع عربي"، يُعاد "تسييله"، ويُرْفَع منسوبه أكثر، ولو كانت العاقبة هي غرق سفينة "مبادرة السلام العربية" في هذا اليم من "التطبيع القَبْلي"، أي من "تطبيع ما قبل السلام"، لعلَّنا نُوفَّق في شرح قلب نتنياهو (وليبرمان أيضاً) للسلام!

وفي مقابل هذا الوقف المؤقت للاستيطان، وبمعناه الذي شرحه ويشرحه نتنياهو، سنعطي إسرائيل من "التطبيع" ما يُعْجِزنا مستقبلاً عن أن "نشتري" منها "القدس الشرقية"، فنحن، وبفضل هذا "التطبيع القَبْلي"، السخي، لن نصل إلى نهاية "سوق المفاوضات"، حيث "القدس الشرقية" في القبضة الإسرائيلية المُحْكَمة، إلاَّ وأيدينا فارغة، أي استنفدت قدرتها على العطاء والإعطاء، ولم يبقَ لها من "خيار إستراتيجي" سوى الاستعطاء، وكأنَّ السلام يمكن أن يكون صدقة تتصدَّق بها إسرائيل علينا!

وأخشى ما أخشاه أن يفضي هذا "التطبيع القَبْلي" إلى توسُّع استيطاني يهودي في البلدان العربية؛ ولكن على هيئة منتجات للمستوطنات في أسواقنا العربية، فَمَن يَعْجَز عن تمييز السلام من سلام نتنياهو لن يقدر أن يميِّز بضائع دولة إسرائيل من بضائع مستوطناتها، ولو طلب الخبرة في هذا الشأن من الأوروبيين! جواد البشيتي