المستقلون ينافسون بقوة في الانتخابات البلدية التونسية

الناخبون التونسيون يفقدون الثقة في الأحزاب

يتوقع مراقبون أن يقود المستقلون نتائج الانتخابات البلدية في تونس إلى مفاجآت بعد أن ناهزوا ثلث القائمات مشددين على أن أهالي الجهات باتوا يراهنون على فوز أبنائهم في ظل سعي الأحزاب إلى الهيمنة على المجالس البلدية التي سيفرزها الاستحقاق.

قال أنيس الجربوعي عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، الأحد، أنه بعد أربع أيام من انطلاق عملية تسجيل القائمات الانتخابات سجلت الهيئة 173 قائمة مستقلة من بين 585 قائمة بينها 411 قائمة حزبية في مختلف الدوائر.

وتمثل القائمات المستقلة نحو 30 بالمئة من القائمات الحزبية موزعة على غالبية الدوائر البالغ عددها 350 دائرة وهي ظاهرة تحدث لأول مرة في الاستحقاقات الانتخابية.

وتظهر قراءات في القائمات المستقلة أن البعض منها يدور في فلك النداء والنهضة غير أن غالبيتها مستقلة تماما عن أي حزب من الأحزاب لتحمل رسالة من أهالي الجهات بأنهم عازمين على منافسة القائمات الحزبية التي استثنتهم من المشاركة في الترشح.

وفيما بدت القائمات الحزبية خاصة منها قائمات النداء والائتلاف المدني متعثرة ولم تتمكن إلى حد الآن من تغطية الدوائر بدت القائمات المستقلة أكثر جهوزية رغم التعقيدات الإدارية التي تعرضت إليها نتيجة انحياز الإدارة في بعض الجهات.

وتترأس قائمات المستقلين كفاءات وشخصيات غير منتمية لأي حزب من الأحزاب وتحظى بثقة أهالي الجهات فيما يمثل المترشحون نشطاء في المجتمع المدني.

ووصفت مريم بن سالم الأخصائية في العلوم السياسية ترشح 30 بالمئة من المستقلين بـ"الظاهرة التي تستبطن رفض الجهات الداخلية هيمنة الأحزاب السياسية على المجالس البلدية المنتظرة" مشددة على "أنه شكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي والسياسي".

وقالت بن سالم لميدل أيست أونلاين "إن الأهالي يتوجسون من أن تقود الانتخابات إلى مجالس بلدية حزبية والحال أنهم يتطلعون إلى مجالس تفتح أمامهم وأمام الكفاءات غير المتحزبة مجال المشاركة في صناعة القرار المحلي".

وتخشى الأحزاب الحاكمة، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، أن يقود تركيز مؤسسات حكم محلي ممثلة تمثيلا قويا لأهالي الجهات إلى إضعاف سلطتها المركزية.

غير أن الجهود التي تقوم بها مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الحكومة عازمة على إنجاح الاستحقاق الانتخابي البلدي الذي ترى أنه من شأنه أن يوفر الاستقرار في الجهات.

ولئن كانت ظاهرة القائمات المستقلة غير جديدة في تونس حيث تقدم في الانتخابات البرلمانية الماضية عدد من المستقلين إلا أنها هذه المرة أخذت تحولا نوعيا سواء من خلال تمثيلها لنحو 30 بالمئة من القائمات أو من حيث تركيبة المترشحين.

ووفق المعطيات المتوفرة تتكون قائمات المستقلين من كفاءات ذات تخصصات عالية مثل الأطباء والصيادلة والمحامين والمهندسين وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال.

كما تتكون القائمات من نشاطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة وخاصة المرأة الريفية إضافة إلى انفتاحها على فئات واسعة من الشباب العازف عن النشاط الحزبي.

ويرى مراقبون أن القائمات المستقلة لا تعني في النهاية سوى نوع من أنواع الاحتجاج على قائمات الأحزاب التي اكتفى غالبيتها بترشيح قواعدها وكوادرها الانتخابية.

وقال رمزي الدوس الناشط في المجتمع المدني إن "توسع ظاهرة القائمات الانتخابية المستقلة يؤكد وعي أهالي الجهات بأهمية الاستحقاق كما يؤكد قدرتهم على التنظيم في قائمات بعيدا عن الاستقطاب الحزبي ليثبتوا أنهم جديرين بالمشاركة في الحكم المحلي".

ويضيف الدوس لميدل أيست أونلاين يقول "هناك وعي لدى الكفاءات في الجهات بأن القائمات الحزبية حرمتهم من حق الترشح وعمقت لديهم الشعور بالحيف والإقصاء وهو ما دفعهم إلى تقديم قائمات تحظى بتأييد الأهالي".

وستجري الانتخابات في مناخ يطغى عليه الاحتقان وتدني الثقة في الأحزاب السياسية لا يستبعد المراقبون أن تقود القائمات المستقلة بنتائج الانتخابات إلى مفاجآت لم تكن تتوقعها الأحزاب لتحصد عددا مهما من المجالس البلدية.

ومما يعزز فرضية حظوظ المستقلين أن بعض الأحزاب نفسها في مقدمتها حركة النهضة أسندت رئاسة غالبية قائماتها لشخصيات مستقلة لتتوارى خلفها في مسعى إلى جر الناخبات والناخبين إلى صناديق الاقتراع للتصويت لقائماتها.

غير أن هذه المخاتلة لم ير فيها أهالي الجهات سوى نوع من أنواع تضليل الناخبين وهو ما دفع بهم إلى تقديم قائمات مستقلة فعلا لقطع طريق مؤسسات الحكم المحلي أمامها.

ويتوقع منصف الحاجي المحلل السياسي أن "تفوز القائمات المستقلة بما بين 15 و20 مجلسا بلديا من بين 350 دائرة بلدية" مشيرا إلى أنه "بإمكان المستقلين الفوز بأكثر من ذلك لولا المناخ العام الذي ستجري فيه الانتخابات خاصة المنافسة بين النداء والنهضة".

ويرى الحاجي أن أخطر ما يواجه الانتخابات يتمثل في "تزوير عقول الناخبات والناخبين" من خلال حملات انتخابية شعبوية تقدم الاستحقاق على أنه منافسة بين الإسلام وبين مختلف القوى العلمانية المؤمنة بمدنية الدولة مشروعها التنموي.

وتبدو هكذا منافسة نقطة قوة بالنسبة للقائمات المستقلة التي ستركز حملاتها الانتخابية على المشاغل الحقيقية التنموية لأهالي الجهات بعيدا عن الخطاب السياسي الشعبوي التعبوي الذي ما انفكت تجتره الأحزاب طيلة السنوات السبع الماضية.

ويقول منصف الحاجي إن "تركيز المستقلين على توفير التنمية والتشغيل والبنية الأساسية والحق في مشاركة الأهالي في إدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم والقضاء على الحيف إضافة إلى تأييد الأهالي كلها عوامل توفر حظوظ فوز القائمات المستقلة".

وتذهب مريم بن سالم إلى حد القول إنه "كلما اشتدت المنافسة الحزبية بين النداء والنهضة كلما كانت حظوظ القائمات المستقلة أوفر خاصة في الدوائر البلدية في الجهات الداخلية والقرى والبلدات التي تثق في وعود أبنائها أكثر من ثقتها في السياسيين".

غير ان بن سالم ترى، بالمقابل، أن حظوظ المستقلين تبدو محدودة في المدن الكبرى مثل تونس العاصمة وصفاقس وسوسة ونابل وقابس والكاف نظرا لهيمنة الأحزاب".