المسار الثاني للتسوية: واشنطن وباريس وأنقرة ولعبة العصا والجزرة

بقلم: عمر نجيب

يوم الخميس 16 سبتمبر 2010 التقى جورج ميتشيل المبعوث الأميركي الخاص بالتسوية في الشرق الأوسط مع الرئيس السوري بشار الأسد. وعقب ذلك صرح ان جهود الولايات المتحدة لحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني لا تتعارض مع تحقيق السلام الشامل، بما في ذلك بين سوريا ولبنان واسرائيل. وأضاف "لقد اجريت محادثات مفيدة جدا مع الاسد ووزير الخارجية السوري وليد المعلم أطلعتهما خلالها على آخر جهودنا لتأمين سلام شامل في الشرق الأوسط" واضاف ميتشيل "لقد تناول اللقاء الوضع الفلسطيني الإسرائيلي. لقد تبادلت مع الرئيس ووزير الخارجية تقييما صريحا للمحادثات المباشرة (بين الاسرائيليين والفلسطينيين) التي جرى إطلاقها" في الثاني من سبتمبر في واشنطن بعد توقفها منذ الحرب الاسرائيلية على غزة بين ديسمبر 2008 ويناير 2009.
وتابع "إننا في الحقيقة نؤمن بشدة أن اساسا من مفاوضات قائمة على حسن النوايا بين الفلسطينيين والإسرائيليين يمكن لها وينبغي أن تدعم بنية السلام الشامل بأكملها. أما في غياب ذلك الأساس الذي يتم وضعه الآن فإن أي شيء نحاول بناءه مع الآخرين في المنطقة لن يصمد".
وكرر ميتشيل رغبة الرئيس الاميركي باراك اوباما التوصل الى سلام في المنطقة واشار الى ان سياسة اوباما "بعد ادائه القسم أكدت ان السلام الشامل يجب أن يشمل اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين وبين إسرائيل وسوريا وبين إسرائيل ولبنان".
وتابع ميتشيل "لقد اكدت للأسد وللمعلم أننا عازمون على تحقيق هذا الهدف ومدركون للتحديات والصعوبات التي تواجهنا لكن رغم هذه الصعوبات فإن السلام يبقى هو الخيار الوحيد امامنا لكن مهما كانت المهمة صعبة فإن البديل لجميع المعنيين يبقى أسوأ بكثير".
وقال ميتشيل ان "الفروقات والخلافات" بين الفلسطينيين والاسرائيليين "لا زالت عميقة، لكنني أعجبت بصدقهما وجدية غايتهما. هنالك البعض ممن يصممون على تخريب هذه العملية لكننا مصممون على أن نراها تنجح".
كما شدد ميتشل على اهمية متابعة التشاور والحوار وتعزيز العلاقات السورية الاميركية "إنني أتطلع لاستمرار هذه المناقشات وهذا الحوار مع الرئيس ووزير الخارجية في المستقبل القريب".
واضاف "إن هدفنا في النهاية هو أن نحصل على علاقة بين حكومتينا تعكس الدفء والصداقة والاحترام المتبادل للشعبين. إن العمل من أجل سلام شامل وتحقيقه سيدفعنا نحو هذا الهدف". تحسن.... يشار الى ان العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة بدأت بالتحسن مع وصول الرئيس الاميركي باراك اوباما الى الحكم في يناير 2009. وهذه هي الزيارة الرابعة التي يقوم بها ميتشل الى العاصمة السورية منذ عام 2009.
ولكن دمشق لا تزال تنتظر وصول سفير أميركي إليها والغائب عن منصبه منذ اليوم الثاني لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
كما أن واشنطن تستمر في اعتماد مواقف معاكسة لسوريا حيث مدد الرئيس اوباما في مطلع مايو 2010 العقوبات الاميركية التي فرضها سلفه جورج بوش، متهما دمشق بدعم منظمات "ارهابية" والسعي الى امتلاك صواريخ واسلحة دمار شامل.
وكان ميتشل قد وصل إلى دمشق قادما من رام الله وتوجه على الفور لملاقاة الرئيس الأسد حيث اجريا جولة محادثات دامت حوالي ساعتين ثم غادر ميتشل إلى لبنان.
وكالة الانباء الرسمية "سانا" ذكرت من جانبها ان الاسد اعلن "تمسك سوريا بخيار السلام كونه السبيل الوحيد لضمان أمن واستقرار الشرق الأوسط" مشددا على أن "السلام لا يمكن أن يكون راسخا ودائما ما لم يكن عادلا يعيد الحقوق كاملة الى اصحابها على اساس قرارات الشرعية الدولية".
واعتبر الأسد أن "استئناف مفاوضات التسوية التي توقفت في العام 2008 يتطلب وضع أسس واضحة وضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه" مؤكدا أن ما تطالب به سوريا من أجل تحقيق السلام "ليس تنازلات تقدمها إسرائيل بل أرض مغتصبة يجب أن تعود بالكامل لأصحابها الشرعيين".
واحتلت اسرائيل الجولان في 1967 وضمته العام 1981، الأمر الذي لم يعترف به المجتمع الدولي.
يذكر أن سوريا تقول دائما إنها مع العودة إلى مفاوضات التسوية على أساس قرارات الشرعية الدولية ومرجعية مؤتمر مدريد وحدود الرابع من يونيو 1967.
بعد دمشق زار ميتشيل العاصمة اللبنانية بيروت وبحث مع المسؤولين اللبنانيين وفي مقدمتهم القادة الثلاثة ميشال سليمان وسعد الحريري ونبيه بري، قضية الجزء اللبناني من بلدة الغجر المحتلة. وعرض تصورا أميركيا للحل على على أمل الحصول على موافقة لبنانية، تمهيدا لإقناع الإسرائليين به. وتفيد مصادر أميركية أن إدارة أوباما مصرة على إنهاء ملف الغجر لسحب أكبر قدر من فتائل التفجير الممكنة بين لبنان وإسرائيل.
كما اجتمع ميتشيل مع قائد الجيش اللبناني جان قهوجي وبحث الوضع على الحدود الجنوبية للبنان. الدور حان على المسار السوري قبل زيارة المبعوث الأميركي لدمشق بأيام كتبت وكالة الأنباء الألمانية "د ب أ":
بعد تدشين المفاوضات المباشرة على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، يبدو أن الدور قد حان على المسار السوري، الذي بدأ يشهد حراكا خفيفا تتولاه فرنسا بالدرجة الأولى قبل الدخول الأميركي على الخط. حراك من المرجح أن يكون الملك الأردني عبد الله الثاني قد مهد له خلال زيارته المفاجئة إلى العاصمة السورية. زيارة تذكر بأخرى، مفاجئة أيضا، قام بها الملك الأردني إلى دمشق في 18 نوفمبر من عام 2007، قبل عشرة أيام من انعقاد مؤتمر أنابوليس للتسوية في واشنطن، الذي شاركت فيه سوريا بنائب وزير الخارجية فيصل المقداد.
مسار متشابه من الأحداث يشير إلى تحريك مرتقب للمفاوضات على المسار السوري، قد يكون بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي شهر اكتوبر 2010، إذ إن إدارة الرئيس باراك أوباما تعمل حاليا على التركيز على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، من دون إهمال مسارات أخرى.
الحراك على الخط السوري بدأ مع زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي لعملية السلام في الشرق الأوسط جان كلود كوسران إلى دمشق، حيث التقى الرئيس السوري، الذي شدد على "أهمية التنسيق" مع تركيا في هذا الشأن من أجل البناء على ما جرى التوصل إليه في المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط التركي".
وفي تواصل مع ما عبر عنه الرئيس السوري من تصورات، زار كوسران تركيا، ومنها انتقل إلى الولايات المتحدة، وحدد موعدا مع رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو في تل أبيب. خارطة سرية في عملية تعزيز للجهود المبذولة لإستئناف الحوار بين دمشق وتل أبيب ومع تجدد العمل بإسلوب العصا والجزرة، وجه وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك مجموعة رسائل خلال جولته على الحدود مع لبنان منتصف شهر سبتمبر 2010، دعا فيها جنوده الى عدم الاستخفاف بحزب الله، ومعربا عن ثقته بإمكان التوصل الى اتفاق سلام مع لبنان وسوريا. وعبر باراك عن أمله باليوم الذي تتحول فيه الحدود مع لبنان "من قطاع متفجر إلى حدود سلام"، موضحا أنه الى جانب الجهوزية العسكرية لمواجهة أي تطور "فإننا مؤمنون أنه عندما يحين الوقت سيكون بالإمكان الانطلاق في طريق السلام مع سوريا ولبنان بدون تعريض مصالحها الأمنية للخطر".
في نفس التوقيت تقريبا ذكر موقع "ديبكا" الالكتروني الاسرائيلي القريب من الاستخبارات الاسرائيلية أن المبعوث الأميركي ميتشل يعد لاختراق دبلوماسي أميركي كبير خلال زيارته إلى دمشق حيث حمل معه خريطة مفصلة أعدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتمثيل انسحاب إسرائيلي مقترح من الكثير من أراضي الجولان.
وأضاف موقع "ديبكا" يوم الخميس 16 سبتمبر أنه قبل ثلاثة أشهر، عرض نتنياهو على الرئيس الأميركي خرائط مفصلة للجولان تظهر المدى الذي ينوي أن تنسحب إليه القوات الإسرائيلية، مع لائحة بالمقابل الذي تنتظره تل أبيب.
وحين زار نتنياهو البيت الأبيض في السادس من يوليو، قدم خطته لأوباما بإعتبارها هدفه النهائي. لكن مصادر "ديبكا" في واشنطن ذكرت أن الرئيس الأميركي ووزيرة الخارجية وميتشل اعتبروا انها تعطيهم منفذا كافيا لجذب الأسد إلى دبلوماسية السلام مع انخراط اميركي مباشر في العملية.
وأضافت المصادر أن فرنسا قد تم ضمها إلى المبادرة. وحين رأى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خريطة نتنياهو، عين الدبلوماسي جان كلود كوسيران مبعوثا خاصا للترويج لاتفاق سلام سوري إسرائيلي. وبعد أن تحدث كوسيران
في دمشق مع الاسد على انفراد قام الإليزيه بابلاغ البيت الأبيض وهيلاري كلينتون بأن الباب مفتوح أمام ميتشل لتقديم اقتراحات نتنياهو وخريطته.
ولاحظت مصادر "ديبكا فايل" في اسرائيل أنه بينما كان رئيسا الولايات المتحدة وفرنسا مطلعين على مبادرات نتنياهو السلمية وخرائطها، فان رئيس الوزراء الاسرائيلي لم يظهرها لحكومته مطلقا، ولا لمجلسه الوزاري ولا لهيئة الوزراء السبعة الداخلية ولم يطلع عليها سوى وزير الدفاع ايهود باراك. خرائط حدود تمثل خريطة "ديبكا فايل" الحصرية خطوط الانسحاب المقترحة من جانب نتنياهو بمصطلحات إقليمية: اذ ستنسحب إسرائيل وجيشها إلى ما يعرف بخط السلسلة الجبلية، وبالتالي ستسلم لسوريا هضبة الجولان "بمجملها" مع معظم التجمعات السكانية الموجودة فيها. وبتعبيرات عسكرية، ستترك اسرائيل مع خيار مريح يمكنها من استعادة السيطرة على المنطقة إذا انهارت اتفاقات السلام.
ومن الناحية الجغرافية، تبلغ ساحة هضبة الجولان 1800 كيلومتر مربع. وتسيطر سوريا على ثلثها بعد حرب أكتوبر 1973، بينما تسيطر اسرائيل على حوالي 1200 كيلو متر مربع منها. ويبعد خط انسحاب نتنياهو المقترح كيلومترين ونصف كيلومتر عن حوض نهر الأردن. وهو يشكل آخر مساحة مرتفعة قبل أن تبدأ الأراضي الواقعة في السفح الغربي من الجولان في الانحدار بقوة نحو نهر الاردن ووادي الحولة وبحيرة طبريا.
ويقطن الهضبة حاليا أكثر من 18 ألف سوري، وكذلك نحو 20 ألف مستوطن يهودي. وحتى بعد إعادة معظم الأراضي إلى سوريا، سيتيح خط السلسلة الجبلية لاسرائيل ميزتين رئيسيتين مقارنة بالانسحاب الكامل حتى نهر الأردن حيث:
1 - تحتفظ اسرائيل بالسيطرة على الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن، وهو مصدر مهم للمياه بالنسبة اليها. ومن شأن وجود جنود على الضفتين أن يسهل عودة القوات العسكرية إلى هضبة الجولان في حالة حدوث حرب.
2- يصبح خط التلال حاجزا طبيعيا للعابرين من هضبة وإليها – ومن شأن ذلك أن يعطي المراكز السكنية في سهل الحولة ومحيط بحيرة طبرية جدارا ناريا عسكريا اسرائيليا ضد عمليات اطلاق النار السورية التي كانت بمثابة وباء عليهم قبل حرب عام 1967، وأن تضع عقبة في وجه الدبابات السورية التي تحاول الخروج من الجولان إلى منخفضات شمال شرق إسرائيل.
وحسب مصاد "ديبكا"، لن يتوجب على إسرائيل الانسحاب إلى غرب الأردن لسنوات عدة حتى تثبت سوريا التزامها بالسلام.
وتفيد تقارير إسرائيلية أن ميتشيل ابلغ الأسد امكانية التوصل إلى اتفاق إطاري خلال عام، حيث يوقع الطرفان على اتفاق سلام يعيد هضبة الجولان إلى سوريا على أن ينفذ الاتفاق خلال فترة تمتد من 10 إلى 15 عاما. نقطة توقف المحادثات الأوساط الرسمية السورية لم تتحدث عن خطة أو خارطة الإنسحاب الإسرائيلية من الجولان، غير أنها أوضحت عبر مصادر تصنف كواسعة الاطلاع ان "دمشق لن تباشر بالتعاون مع أية جهود لا تضمن اعترافا إسرائيليا معلنا بعودة الجولان المحتل كاملا إلى سوريا"، وذلك مع اشتراط وجود ضمانات بتحقق هذه العودة، وذلك على أساس أن الإنسحاب سيتم على مراحل وخلال سنوات.
وقالت وكالة "شام برس" السورية الخاصة ان ثمة نقطة ثانية مرتبطة بما توصلت إليه المحادثات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وذلك في الساعات الأخيرة من نهاية ديسمبر العام 2008، حين وعد الجانب الإسرائيلي بتقديم جواب حول النقاط الست لترسيم خط الرابع من يونيو العام 1967 الذي طالبت به دمشق عبر أنقرة.
وتشدد المصادر السورية على أن استئناف العملية السلمية يجب أن يكون من النقطة التي توقفت عندها تلك المحادثات، وأيا كانت الظروف "لا عودة للمربع الأول"، وبعد حسم هذه المسألة يمكن بحث القضايا الأخرى المتشعبة عنها.
صحيفة "يديعوت أحرونوت" ذكرت أن أنصار "الخيار السوري" في إسرائيل هم باراك والمؤسسة الأمنية، ويعتقدون بأن الإتفاق مع سوريا يمثل مصلحة استراتيجية إسرائيلية، ويهدف إلى إخراج سوريا مما يسمونه محور الشر.
ونقلت الصحيفة عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن العودة إلى الحديث عن المسار السوري له عدة أسباب، بدءا من رغبة الإدارة الأميركية في المحافظة على حدود هادئة بين العراق وسوريا، وخاصة بعد الإنسحاب الجزئي للقوات الأميركية منه. وتقول مصادر رصد ألمانية أن الهاجس الطاغي على الإدارة الأميركية هو أن تتغاضى دمشق وفي عملية رد على الضربات الأميركية، عن نشاطات المقاومة العراقية خاصة تلك التي يقودها البعث بقيادة عزة الدوري وهو ما سيعزز فرص المقاومة العراقية لتسريع فرصها للتفاوض السريع مع واشنطن على الإنسحاب كليا من بلاد الرافدين وإعادة الشرعية.
ويضيف أنصار الخيار السوري أن فرص التوصل إلى سلام، تعززها رغبة الرئيس الأسد في تعزيز مكانته في الغرب، وزيادة الاستثمارات الأجنبية في سوريا خاصة على ضوء الأزمة الإقتصادية، هذا الى جانب ميل عدد من الجهات السياسية في إسرائيل إلى العمل في مسار مواز للذي يقوده نتنياهو حاليا مع الفلسطينيين. لكن آخرين في المؤسسة السياسية في إسرائيل، يعتقدون أن نتنياهو سيجد صعوبة في إدارة مسارين متوازيين، في مقابل آخرين يؤمنون أنه لن ينجح في التوقيع على اتفاق يتضمن الانسحاب من الجولان، وفي الوقت نفسه الانسحاب من معظم مناطق الضفة الغربية. الى جانب ذلك، رأت "يديعوت" أنه حتى الآن ليس واضحا مدى جدية الإشارات المتعلقة بالمسار السوري، ولفتت الى أنهم في تل أبيب يحاولون خفض التوقعات إزاء إمكان البدء بمسار سوري مواز للمسار الفلسطيني في فترة قريبة، خاصة بسبب تقديرهم أن واشنطن لا يمكن أن تلعب دبلوماسيا على جبهتين في آن واحد. وهنا يمكن إعطاء ثقل أكبر لما يسمى وساطة فرنسية. الوساطة الفرنسية والتركية دوني بوشار من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية اعتبر أن الوساطة الفرنسية قد تلقى دفعا نظرا إلى أن "جان كلود كوسران الذي زار دمشق في سبتمبر دبلوماسي ذو خبرة في شؤون سوريا والشرق الأوسط". وتشير السلطات الفرنسية إلى أن ملف الجولان سبق أن تم "بحثه مطولا". ولم يكن التوصل إلى توافق يحتاج إلى الكثير في هذا الملف عام 2000، حيث إن "العناصر التي يمكن أن تشكل اتفاقا كانت موجودة".
وتذكر مصادر صحافية غربية وخاصة فرنسية بـ"الأجواء الإيجابية" و"المرونة" التي تحلى بها السوريون في المفاوضات التي رعاها آنذاك الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. لكن في تلك الفترة "لم تكن إسرائيل تريد السلام فاقترحت إعادة الجولان دون بحيرة طبريا. إضافة إلى ذلك تبدو خدمة كوسران على رأس الاستخبارات الفرنسية بين 2000 و2002 مكسبا لا يستهان به في منطقة تلعب فيها الاستخبارات دورا رائدا.
الحديث عن نهاية الوساطة التركية بعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية وما تبعه من تعقيدات في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، فندته الحكومة التركية. فيوم الأربعاء 15 سبتمبر صرح وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو خلال مأدبة أقيمت بقصر سيراغان باسطنبول "سنحاول بذل ما بوسعنا للتوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل وسوريا، مضيفا إن تركيا لا تريد عنفا وحصارا في جوارها".
وأشار إلى أن بلاده تدعم الحوار السياسي والاستقلال الاقتصادي وتعدد الثقافات والتعايش والأمن في المنطقة.
في نفس الوقت ذكرت وكالة أنباء "الأناضول" التركية أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون اتصلت الثلاثاء بأوغلو وأطلعته على آخر المستجدات بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط. وذكرت مصادر أميركية أن واشنطن طلبت من أنقرة إستئناف وساطتها بسرعة وأبلغتها أن تل أبيب ستقوم بخطوة من شأنها إرضاء تركيا بخصوص التحقيقات حول اسطول الحرية. لعبة خط الوسط تشير مصادر رصد وتحليل ألمانية أن تركيا استطاعت كسب موقع جيد عربيا عبر مواقفها المساندة للشعب الفلسطيني وخاصة خلال حرب غزة. وتمكنت تركيا من القيام بذلك على امتداد سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، إذ حافظت على علاقاتها الطيبة مع الشعب الفلسطيني كما احتفظت على الجانب الأخر بعلاقاتها الجيدة عمليا مع إسرائيل وذلك على كافة المستويات والأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وقد قام المسئولون من الطرفين بزيارات متبادلة على أعلى مستوى مما مكن تركيا من أن تكون محل ترحيب للقيام بالوساطة بين سوريا وإسرائيل.
وجدير بالذكر، أن تركيا عضو في حلف الناتو منذ فترة طويلة وهي أقرب صديق لإسرائيل في العالم الإسلامي. وهناك روابط وطيدة بين القوات العسكرية للطرفين والحكومات.
ورغم ما يشوب العلاقات بينهما من توتر إلا أنه من الملاحظ أن هذا التوتر ظل على المستوى اللفظي ولم يصل إلى جوهر العلاقات. فعلى الرغم من انتقادات إردوغان المستمرة للسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني إلا أن التعاون يبقى مستمرا بين الطرفين ليس على الصعيد الإقتصادي فقط بل في الدفاع والاستخبارات. فعلى سبيل المثال، تم التوقيع على اتفاق بحوالي 165 مليون دولار حول الصور الاستخبارتيه المحمولة عبر أقمار التجسس الإسرائيلية عشية الهجوم الإسرائيلي على غزة.
كذلك واصل سلاح الطيران الإسرائيلي مهامه الخاصة بالتدريب في قاعدة التدريب في تركيا في قونيا. كما شاركت تركيا مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في المناورة البحرية السنوية المشتركة التي تعقد سنويا في أغسطس عام 2009.
ويلاحظ أنه على الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات بين الطرفين إثر تداعيات أزمة سفينة الإغاثة التركية وما نتج إثره من قتلى وجرحى أتراك إلا أن السلطات التركية لم تطلب مغادرة السفير الإسرائيلي واكتفت بإلغاء مناورات مشتركة غير ذات أهمية كبيرة. تجارة ودفاع يوم 3 يوليو 2010 قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن مختلف شؤون الأعمال من تجارة واستثمارات ما زالت قائمة بين تركيا وإسرائيل دون تغيير. وأشارت إلى أن وفدا حكوميا وعسكريا من تركيا يزور إسرائيل في حين يتلقى جنود وضباط أتراك تدريبا في صحراء النقب على تشغيل طائرات بدون طيار.
ونقلت عن مسؤول إسرائيلي اشترط عدم الكشف عن اسمه، قوله إنهم (أي الأتراك) "هنا لأن المدربين الإسرائيليين الذين كانوا في تركيا قد تم استدعاؤهم من طرف تل أبيب بعد أزمة أسطول الحرية خوفا على سلامتهم".
كما أن صفقة الطائرات بدون الطيار التي تبلغ قيمتها 190 مليون دولار لم تلغ شأنها في ذلك شأن العديد من الصفقات في مختلف مناحي الأعمال المدنية مثل النسيج وأنظمة الري وغيرها التي بلغت ثلاثة مليارات دولار من الحجم التجاري حسب محللين.
وذكرت الصحيفة إن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب ليست عرضة للانكسار بعد عقود من الاستثمار وصفقات الأسلحة واعتماد أنقرة على الدعم التقني الإسرائيلي.
ونظرا لصعوبة الحصول على أرقام تخص عقود الدفاع، فإن مراسلة جينز ديفينس الأسبوعية ليل ساري إبراهيم أوغلو نقلت عن مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين الطرفين بلغت في مجملها قرابة 1.8 مليار دولار عام 2007. وتلي إسرائيل الولايات المتحدة كمصدر للتقنية العسكرية بالنسبة لتركيا. وتؤكد مصادر في أنقرة أنه من الممكن الوصول إلى مصالحة كاملة مع إسرائيل إذا اعتذرت إسرائيل عن الهجوم على السفينة التركية مرمرة ضمن اسطول الحرية، مع تقديم التعويضات للجرحى ولعائلات القتلى والموافقة على إجراء تحقيق دولي مستقل.
وبلغ التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل ذروته في سنة 2008 عندما وصل إلى 3.5 مليارات دولار، غير أنه تراجع في عام 2009 جراء تداعيات الأزمة المالية العالمية بنسبة 28 في المائة.
غير أنه خلال عام 2010 ارتفعت التجارة بين الجانبين في الربع الأول بنسبة 24 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2009 لتبلغ 753 مليون دولار.
وبلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا في الفترة المذكورة 297 مليون دولار وبلغ الاستيراد منها 456 مليون دولار.
وحسب المعهد الإسرائيلي للصادرات والتعاون الدولي فإن واردات إسرائيل من تركيا تزيد على صادراتها إليها. وأشار المعهد إلى أن المنتجات الكيماوية هي أكثر ما تصدره إسرائيل إلى تركيا وأن المعادن الأساسية هي أكثر ما تستورده منها. اسلوب المقايضة الولايات المتحدة في تحركها بمساندة عدة أطراف غربية وفي نطاق عملية زيادة ثقل أسهم ضغطها في مسلسل التسوية العربي مع الكيان الصهيوني تلجأ أكثر إلى أسلوب العصا للتأثير على مواقف الآخرين.
يوم الاثنين 6 سبتمبر ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انها لم تتمكن من تحقيق أدنى تقدم منذ عامين في التحقيق المتعلق بانشطة سوريا النووية بسبب استمرار رفض دمشق التعاون معها.
وفي تقرير كشف عنه في فيينا، اشارت الوكالة الأممية إلى أن سوريا "لم تتعاون مع الوكالة منذ يونيو 2008 بشان المواضيع التي لم تحل والمرتبطة بموقع دير الزور "الكبر" والمواقع الثلاثة الاخرى المرتبطة به".
التقرير جاء معززا للمواقف الأميركية الإسرائيلية حيث تتهم الولايات المتحدة سوريا بانها سعت سرا الى بناء مفاعل نووي في موقع دير الزور، في الصحراء، بمساعدة كوريا الشمالية كان من المفترض أن ينتج وقودا لقنبلة نووية قبل أن يقصفه الطيران الاسرائيلي أو الأميركي في سبتمبر 2007.
المبعوث الاميركي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية جلين ديفيز قال خلال النقاش بشأن سوريا ان واشنطن ستدعم استخدام الوكالة " لكل الوسائل" تحت تصرفها للمضي قدما في التحقيق.
وأضاف ديفيز مكررا نفس إدعاءات مسؤولين أميركيين سابقين بخصوص العراق قبل غزوه، أن "عددا من الدول" بدأت تتساءل عما إذا كان الوقت قد حان لاستخدام الية الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش الخاص بما يمنح الوكالة السلطة للتفتيش في أي مكان تحتاج الى تفتيشه بعد اشعار قصير لسوريا.
وقال ديفيز أمام اجتماع مغلق "نحن ندعم بقوة استخدام أمانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل الوسائل تحت تصرفها للتحقق من اذعان سوريا لالتزاماتها بالضمانات".
في رده على الأقوال الأميركية قال محمد خطاب المبعوث السوري الى الوكالة أنه لا حاجة للوكالة إلى العودة مرة أخرى إلى دير الزور لأن لديها "اثباتات وافرة" على أنه كان موقعا عسكريا غير نووي. وأضاف الدبلوماسيون أنه اشار الى مخاوف تتعلق بتسريبات لمعلومات سرية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إسرائيل.
وأكدت سوريا سابقا ان اثار اليورانيوم التي عثر عليها مفتشو الامم المتحدة في الموقع قد جاءت من الاسلحة التي استخدمتها اسرائيل في قصف الموقع. ودعا خطاب الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى تحري علاقة اسرائيل بمصدر اليورانيوم المخصب. تضامن عربي المسعى الأميركي لإبتزاز دمشق ورغم التوتر القائم بينها وعدة عواصم عربية بسبب ما يوصف بمساندتها للمخططات الإيرانية في المنطقة، لقي معارضة عربية. فقد رفضت المجموعة العربية طلب الولايات المتحدة سحب مشروع قرار يصر العرب على تقديمه إلى مؤتمر عام الوكالة في دورتها الرابعة والخمسين، يطلبون فيه من مدير الوكالة تقديم تقرير ثان عن القدرات النووية الإسرائيلية، وأن يدرج بند بذات العنوان ضمن بنود مجلس المحافظين الذي ظل يبحث لسنوات بنودا خاصة بقضية الملف النووي الإيراني والملف النووي السوري والملف النووي الكوري الشمالي.
وبرر السفير ديفيز معارضته للمشروع العربي بأن التوقيت غير مناسب، ولا سيما أن الجهود مبذولة حاليا بقيادة حكومته للوصول إلى سلام دائم في منطقة الشرق الأوسط، كما أنهم يعملون لجمع الصفوف بدلا من شقها بانتقاء إسرائيل من قبل العرب وإكالة الاتهامات إليها، مما سيجعل من الصعب على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرار بالمشاركة في المؤتمر الدولي الذي نجحت الأطراف الدولية كافة في الاتفاق على عقده في مايو 2012 بالقاهرة لبحث مستقبل منطقة الشرق الأوسط كمنطقة خالية من السلاح النووي. واضاف "من المهم ان نتجنب هنا في فيينا الدخول في نقاش صعب وحاسم للغاية. اذا تم تبني قرار فان ذلك قد يهددد هذه المحادثات وقد يبعث برسالة سيئة للغاية".
الاتحاد الأوروبي وفي تنكر لإدعاءاته حول الحياد انحاز لأطروحات واشنطن وتل أبيب، حيث قال السفير البلجيكي في الوكالة فرانك ريكر ان الاتحاد الاوروبي يرى ان "استهداف دولة واحدة.. لن يساعد في خلق جو جيد في المؤتمر العام ولن يسفر سوى عن اعاقة قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الاعضاء فيها على المساهمة بشكل ايجابي في اقامة منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل" في الشرق الاوسط. واضاف ان الاتحاد الاوروبي يشعر ان الوكالة الذرية "يجب ان تركز على السعي لتطبيق هذه الاتفاقيات وتجنب أي شيء من شانه ان يعيق التقدم الذي تم احرازه".
وتابع "ولهذه الاسباب يحث الاتحاد الاوروبي الدول العربية على عدم طرح هذا القرار ضد اسرائيل في المؤتمر العام لهذا العام". رفض عربي في رد على المناورات الأميركية الغربية أكدت المجموعة العربية تمسكها بضرورة تقديم مشروع قرار عن "القدرات النووية الإسرائيلية" يعرض على المؤتمر العام للوكالة، وذلك حتى تبقى القدرات النووية الإسرائيلية قضية حية تسلط على تجاوزاتها الأضواء، وخاصة أن إسرائيل غير موقعة على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية ولا يمكن للوكالة النظر في قدراتها بغير هذا القرار.
وفي سياق مواز، عبرت المجموعة العربية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في بيان مشترك تلاه باسمها، السفير السوداني محمود حسن الأمين، رئيس مجلس السفراء العرب لهذه الدورة، عن بالغ استيائها من التقرير الذي رفعه مدير عام الوكالة عن القدرات النووية الإسرائيلية، التزاما بالقرار السابق الذي كانت المجموعة قد نجحت خلال دورة المؤتمر العام الماضية في إجازته. ووصفت التقرير بالمخيب للآمال لكونه جاء خاليا من أي مضمون. موضحة أن التقرير الذي اقتصر على صفحات ثلاث ركزت على تفاصيل زيارة قام بها مدير عام الوكالة لإسرائيل شهر أغسطس 2010، بالإضافة إلى إشارة إلى رد إسرائيلي من وزير الخارجية، يؤكد رفض إسرائيل التوقيع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية ما لم يتحقق سلام في منطقة الشرق الأوسط - لم يتضمن دعوة صريحة إلى إسرائيل للانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار وإخضاع جميع مرافقها النووية إلى اتفاق الضمانات الشاملة للوكالة، مكتفيا بدعوة إسرائيل فقط إلى النظر في الانضمام. كما لم يرد في التقرير أي تقييم للوضع القائم حاليا بشأن القدرات النووية الإسرائيلية، كما لم تحاول الوكالة الحصول على أي معلومات حول هذه القدرات لا سيما القدرات النووية ذات الطبيعة العسكرية سواء من الدول الأعضاء أو أرشيف الوكالة أو بواسطة المصادر المفتوحة مثلما يجري الأمر في التقارير التي تعدها الوكالة، في إشارة إلى التقارير التي ترفعها الوكالة بصورة دورية.
في نطاق منطق المساومة وبهدف التأثير على مفاوضات التسوية قال المندوب الأميركي لدى الوكالة ان غاري سامور مستشار الرئيس اوباما الخاص للشؤون النووية في اجتماع المجلس أنه التقى يوم الاربعاء 15 أغسطس بكافة اعضاء الجامعة العربية "لمناقشة ما اذا كان يمكن ان نتفق على حل وسط وما اذا كان بامكاننا الخروج بشيء ايجابي, والخروج بشيء نتفق عليه معا في فيينا بدلا من القتال المعتاد". واضاف ان الولايات المتحدة تأمل في أن يكون بإمكاننا ان نقنع الدول العربية بالتخلي عن القرار.
انه فصل آخر من معركة الشرق الأوسط الكبير الذي يريد عبرها من يتم وصفهم بالمحافظين الجدد، من بين أشياء أخرى على الحفاظ على قدرة الكيان الصهيوني على مواصلة الحياة في القلب الجغرافي للأمة العربية. عمر نجيب