المسارح المصرية أسيرة السجون في دولة الأوبرا

بقلم: د. حمدي الجابري
كله تماما يا فندم

عرفت فاروق حسني قبل أن يصبح وزيرا للثقافة المصرية، شاب طموح متحمس للثقافة والفنون يحلم بالكثير لها، وتولى الوزارة عام 1987، وكنت وقتها وكيل الوزارة المشرف على المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية في عهد الوزير الراحل الدكتور أحمد هيكل، وتحمسنا له كثيرا خاصة وأنه بسرعة شديدة صاغ أحلامه في وثيقة أطلق عليها عنوان "السياسة الثقافية"، كمنهاج عمل لوزارة الثقافة يمكن له أن يرتفع بثقافة مصر وفنونها إلى عنان السماء.
وقتها استبشرنا خيرا فالأحلام تم صياغتها في سياسة ثقافية واضحة المعالم قابلة للتنفيذ لأنها سياسة أكبر رأس في الوزارة الذي يسنده بقوة رئيس الوزراء الراحل الدكتور عاطف صدقي.
و.. مرت الأعوام، واختفت وثيقة "السياسة الثقافية"، ومعها كثير من الأحلام مع ظهور مجموعة الأفراد الذين ارتقى بهم فاروق حسني إلى أكبر المناصب فهبطوا بأحلامه وبرنامجه إلى مكانة دنيا بعد أن نسجوا حوله شبكة من الموظفين واللوائح والقوانين والمصالح التي تخنق الحلم والتنفيذ مع المقولة الخالدة "كله تمام يا فندم" التي صدقها الوزير!
وبعيدا عن "كله تمام يا فندم"، وحتى يكون الأمر أكثر وضوحا وتحديدا، فإن المسرح يمكن أن يكون مثلا واضحا على ما آل إليه الحال، ولن نتحدث عن مشاكل المسرح المصري التي أصبحت مزمنة ونوعية عروضه وفرقه وعدد ليالي العرض الفعلية، وأيضا بعيدا عن التقييم النقدي لما تقدمه الفرق الحكومية والذي يمكن أن يختلف من شخص إلى آخر، فإن الحديث عن "دور العرض المسرحي" يمكن أن يكون أكثر جدوى ودلالة خاصة وأنها مبان محددة الأماكن ولا يمكن أن تخضع للتفسير والتأويل.
كان لهيئة المسرح الحكومية عدد من المسارح المعروفة التي أكدت وثيقة "السياسة الثقافية" عام 1987 أنها لا تكفي ولا بد من إنشاء دور عرض جديدة في القاهرة والمحافظات حتى تصل رسالة المسرح إلى جميع أهل مصر، وهذا أمر محمود، ولكن غير المحمود أنه لم يتم إنشاء أي مسرح جديد طوال السنوات السابقة عدا مسرح الهناجر المغلق للتحسينات منذ فترة طويلة ومركز الإبداع في القاهرة والإسكندرية ولا يمكن اعتبارها من دور العرض المسرحي.
أما المسارح القائمة فقد ضاع بعضها وتم تجميد البعض الآخر ليمارس هواة الصيانة والترميم هوايتهم بصرف الملايين على ما بقي منها.
وبالتحديد .. المسارح الضائعة لأسباب غير معلومة أو لقصور في أجهزة وزارة الثقافة هي مسرح الحكيم "محمد فريد"، مسرح مصر ومسرح حديقة النهر، وقد ضاعت نهائيا ولا يوجد أي أمل في استردادها، وبالتالي ضاقت رقعة أماكن العرض المسرحي.
ولم تكتف الوزارة بالمسارح الضائعة، لذلك قامت بتجميد عدد من دور العرض المسرحي بنقل تبعيتها إلى دار الأوبرا التي أصبحت دولة مستقلة داخل وزارة الثقافة، وأول هذه المسارح مسرح الجمهورية ومسرح محمد عبدالوهاب (معهد الموسيقى العربية) والغرفة التابعة له التي كان يشغلها المسرح المتجول قبل أن يُلغى، وفي الإسكندرية مسرح سيد درويش.
وبالطبع كان لهذه المسارح الضائعة والمجمدة أبلغ الأثر في انحسار رقعة النشاط المسرحي. أي أن وزارة الثقافة، رغم وعود "السياسة الثقافية" قد لعبت دورا كبيرا في "خنق" العروض المسرحية. والحديث هنا لا يتعلق بنوعية هذه العروض وتقييمها!
أما المثير للدهشة بالفعل هو أن دور العرض المسرحي التي تم تجميدها لحساب الأوبرا، والتي ليست في حاجة إليها، لا يتم تقديم أية عروض عليها في معظم أيام السنة تصبح خلالها هذه المسارح كشواهد القبور الفخمة التي لا يمكن أن تنجح فخامتها أو بريقها أو مسماها في إكساب الأوبرا بعض الحياة. فقط لأنها مغلقة معظم أيام السنة، بجانب أنها تستهلك من ميزانية الدولة ملايين كثيرة للتشغيل والأمن والصيانة وغيرها دون عائد حقيقي منها، وهو ما ينطبق عليه ما يعرف بـ "حبس المال العام"!
أما دور العرض الباقية فهي المسرح القومي المحترق، ومسرح السلام المهترىء، ومسارح متروبول والعرائس والطليعة وميامي والعائم، وبعضها تم تجديده بعدة ملايين وان ظلت بعض مشاكله قائمة.
باختصار .. إذا لم يكن فاروق حسني قادرا على إنشاء دور عرض جديدة، وهو كذلك، أو الحفاظ على دور العرض التي ورثها، وهو كذلك، فإن أي حديث سابق في وثيقة "السياسة الثقافية" عن الرقي بفن المسرح وانتشاره وإنشاء دور عرض جديدة ليس له معنى.
واذا كان الواقع كذلك، فإن أضعف الإيمان أن يقوم الوزير بتحرير دور العرض التي كانت تابعة لهيئة المسرح من احتلال "دولة الأوبرا" لها، وإذا كان الأمر صعبا على الوزير لأسباب غير معلومة يمكنه على الأقل أن يناضل من أجل تقديم عروض صاحبها الأصلب "فرق هيئة المسرح" على هذه المسارح التي كانت تملكها وتحتلها حاليا الأوبرا دون أن تستفيد منها أو أي جهاز آخر في وزارة الثقافة. د. حمدي الجابري