المسؤول أنا، وأنت وفطيمة بسوق الغزل!

بقلم: صباح علي الشاهر

تتبعت بطراً لفترة ليست قصيرة، تصريحات المسؤولين العراقيين، صغاراً وكباراً، متأسلمين وليبراليين، قياديين من الصف الأول ومجرد أنفار في أحزاب العملية السياسية، فوجدت حرصاً على الشفافية والعدالة والنزاهة والقانون ودولته، وعداءا شرساً للفساد، ومحاربة لا مهادنة فيها له.
الكل، الكبير منهم قبل الصغير كان يتحدث بوله العاشق عن ضرورة محاسبة الفاسدين والمرتشين والمزورين وناهبي المال العام.. يتقدم الجميع السيد دولة رئيس الوزراء وفخامة السيد رئيس الجمهورية، ويتبعهم الوزراء ونوابهم ووكلاؤهم، والمدراء العامون، والنواب، والمحافظون وأعضاء مجالس المحافظات، نزولاً إلى السيد الشرطي ورجل الأمن وشرطي المرور، والموظفين الصغار في دوائر الطابو والجنسية والجوازات، والساهرين على توصيل مفردات الحصة التموينية لإفواه المحتاجين وضعاف الحال، وبالأخص الأيتام والأرامل والعاجزين، ويقف على رأس هؤلاء، المؤمن التقي لحد النخاع العفيف النزيه السيد وزير التجارة، ورهطه الأكرمين الذين زرعهم في كل مفاصل الوزارة لحماية غذاء ودواء ورفاه الشعب، الذي هو جزء من الأمن القومي للبلد.
النزاهة عنوان هؤلاء النزهاء، والشرف والإستقامة نبراس هؤلاء المناضلين الأشاوس، والعفة والتعفف، والزهد وفق نهج إمام الزاهدين الذي هو قدوتهم قبل أن يكون قدوتنا، ولعله قدوتهم فقط. هذه الخصال التي تكثفت فيهم جعلتهم البديل الحقيقي والفعّال لرجال السياسسة الذين لا يعرفون الله، ولا يصومون ولا يصلون، والذين لم تكو جباهم من أثر السجود، والذين أذلوا اللحية، ولم يتورعوا من إرتداء الصليب في أعناقهم، والذين لا يحملون السبحة التي تذكرهم في كل حين بالديان الذي يسبح له الأنس والجان، في أطراف الليل والنهار وفي كل آن.
أصارحكم أني بعد الإحتكام لإقوالهم، وبعد النظر إلى سحناتهم، وبالأخص (سحناتهم)، وضعوا خط تحت (سحناتهم) إنتابني هاجس غريب. لقد تمنيت أن يحكم هؤلاء البلد كي ينعم بالرفاه والأمن، وكي يتم القضاء، وبشكل مبرم، على الفساد والرشوة والتزوير والنهب المنظم والعشوائي، وكي يأخذ كل ذي حق حقه، فمن أحق بالأمانة من ذاك الذي لا يحتكم في عمله إلى ضميره فقط، وإنما وبالأساس إلى تقوى الله.
لكنني يا سادة تذكرت أن هؤلاء هم (دولة وفخامة ومعالي وجناب) هم من يحكم العراق الآن، هم من يتحملون بصبر وإباء وشمم، وبنكران ذات قلّ مثيله الإنبراء لخدمة المواطن من دونما مقابل، فكيف يمكن والحال هكذا الحديث عن فساد وإفساد، وسرقة وتزوير، ورشوه ونهب للمال العام؟ كيف يجوز الحديث عن مظالم، ومظلومية؟
كذب ما يدعيه المخرصون، فالأمن يعم البلد، والخير يعم الجميع وقد زاد عن حده وفاض. لا بد أن يكون الأمر هكذا ليستقيم الحال والأحوال، وكي يقف المنطق على قدميه.
إذا لم يكن هذا التقي النقي، العفيف، المُضحي، العارف لله والمتقيد بشرعه، والمحتكر لله ونبيه، والمتحدث باسمهما، والمدافع عنهما، والحامل رايتهما، صالحاً لحمل الأمانة، فمن يحمل الأمانة إذن؟
كي إحتفظ بعقلي، وكي أبقي رأسي فوق كتفيّ، علي أن أقرّ واحد من أمرين:
إما أن يكون ما يُقال عما يجري في البلد، من مصائب وكوارث يقولون إنه لم يحدث مثلها في كل تأريخه، وما يحدث من جرائم وفساد ونهب، يقولون أنه فاق كل تصوّر، ومن ومن ومن.... ولعلنا نعدد حتى توالي الليل إن كنتم في بدايته، ونهاية النهار إن كنتم في أوائله. أما أن يكون كل ما قيل ويقال كذب وتلفيق، ومن بنات أفكار المتخرصين، وأن أحباب الله الآن يقودون عباد الله بما يرضي الله ورسوله، وما يرضي الله ورسوله لا يجادل فيه إثنان.
وإما...
وأما أن يكون كل ما قيل موجود الآن، ولكن المسؤول عنه ليس الحكومة، لا رئيس الوزراء، ولا الوزراء، ولا رئيس الجمهورية، ولا مؤسسات النظام، ولا البرلمان، ولا أحزاب العملية السياسية، ولا المحتل.
الفساد والشرور، النهب والسلب، القتل والإغتصاب، التزوير والنصب، وبيع الوطن بالتقسيط وعلى دفعات. المسؤول عن كل هذا بكل يقين، وبالتأكيد، ومن دونما ريب، هو أنا. وأنت عزيزي القاريْ، وفطيمة بسوق الغزل. صباح علي الشاهر