المسألة المذهبية والتخلف الحضاري

بقلم: أحمد شهاب

لم تكن المواجهات والنزاعات غائبة عن العصور الإسلامية الأولى. لقد سقط في الصراعات الداخلية بين المسلمين الكثير من الضحايا والأبرياء. ومثّل النزاع على السلطة، ومحـاولة الاستيلاء على الحكم، أحد أهم بؤر التوتر، والتي لا تزال أصداؤها ماثلة حتى اليوم، لكن ما يلفت أن تلك الصراعات لم تُعطل حركة المجتمع الإسلامي، في اتجاه تحصيل العلوم والمعارف الحديثة. وفي خضم الصراعات الداخلية، كانت تُبنى الجامعات والمراكز العلمية، ويتخرج العلماء والقادة، وتتأكد المعاني والمفاهيم الحضارية.

حتى عندما خرجت السلطة في الدولة الإسلامية على الإجماع العام، واستبدت بالحكم والرأي، واستأثرت بالسلطة على حساب رضا وقبول الناس، ظل المجتمع الإسلامي في كامل حيويته وفاعليته، واستمرت حركته الحضارية المتصاعدة في النشاط والتواصل، وطور من تركيباته الاجتماعية بالصورة التي استطاع أن يدعم كل المنجزات العلمية، والمعرفية، والاجتماعية، والخيرية، التي لا تستغني عنها المجتمعات الحية في مسيرة نهوضها وتطورها.
ولم ينكفئ المجتمع الإسلامي على ذاته، بسبب غياب الدولة عن القيام بأعبائها الاجتماعية والثقافية، أو نتيجة ضعفها وعجزها، ولم يُعلق أمل النهوض والتقدم على السُّلطة، ويعفي نفسه من المسؤولية، بل تحمل دوره ووظيفته بصورة كاملة، وتصدى للمواقع الفارغة وملأها بمبادرات مجتمعية مذكورة بالتفصيل في كتب التاريخ. ولذا تناسلت المؤسسات الأهلية داخل المجتمع الإسلامي، وأصبح من الطبيعي أن تجد في داخله تشكيلات فاعلة تعنى بالجانب الاجتماعي أو الثقافي أو الخيري، إضافة إلى العشرات من المبادرات الصحية والتعليمية والتربوية، التي تكفلت بها المؤسسات الأهلية، أو رجال المال والثروة بمنأى عن السُّلطة.
وهو الأمر الذي يشير إلى أن الهدف الحقيقي الذي يقف خلف حركة المسلمين، كان واضحا بشدة، وأن الصراعات التي نشبت بين المسلمين، على الرغم من صخبها وحدتها، لم تكن سوى طارئ على حياتهم، ولم تتحول -أقله في الذهنية العامة- إلى إجراء يومي وثابت ومقدس، فلم يتعبد المسلمون بالصراعات الداخلية، ولم تُغيّب الانحرافات السياسية، أو الاجتماعية، التي ظهرت داخل المجتمع الإسلامي، القيم الإنسـانية والدينية النبيلة التي يتحلون بها، وإنما كان صراعا مفروضا، يحاول أهل الحق أن يتجنبوه بقدر الإمكان، على قاعدة "والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة".

في تلك الظروف الدقيقة والتأسيسية جرى الحديث عن طرق البيعة ومسألة الشورى، إعلامها أو إلزامها، وتجادلوا حول طُرق صيانة وحفظ حقوق الأقليات غير المسلمة، وعن قيم الأخوة والصداقة وأبعادها وآفاقها، وحول مكانة المرأة وكونها إنسانا كامل الحقوق، ووضعوا نظام الحقوق والواجبات في نقاط واضحة، ورسخوا مبدأ المواطنة على أسس مدنية وليست دينية.. «فالناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، وأقروا حق المعارضة في إبداء رأيها، ورسموا معالم التعاطي معها مع ضمان عدم التعدي عليها من دون وجه حق، وفق ما قرره الإمام علي بن أبي طالب في تعامله مع الخوارج، "عندنا ثلاث خصال لا نمنعكم مساجد الله أن تصلّوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بحرب حتى تبدأونا".

وهو مثال تاريخي مناقض تماما لواقع المسلمين المتأخر الذي يميل إلى التعبد بالصراع، والتقرب إلى الله بالتعدي على حقوق الآخرين والانتقاص من كرامتهم، والذي يحسب إنجازاته وانتصاراته بعدد الطعنات اللفظية، وربما الجسدية التي تنتهك حُرمة المسلمين المُغايرين، في ظل صراع يستهلك الجهود المعنوية والمادية للجميع، ويعطل الإبداع الفكري والعملي، ويمكن للناظر أن يرصد حجم كراسات وكتب الجدل المذهبي التي تنشر سنويا، وتحظى بأعلى أرقام مبيعات في العالم العربي، وعدد رجال الدين والمؤسسات الدينية المتفرغة للرد والمحاججة والمواجهة، كأننا في حرب مذهبية مفتوحة، لاستيضاح هذا المعنى عن قرب.

من جهة ثانية، فقد تركز أصل الصراع في الزمن الإسلامي الأول على المعركة ما بين تيار الاستئثار بالرأي والإدارة السياسية، وتيار التحرر من الاستبداد وإطلاق الحريات، بين طرف يتجاهل مفاهيم وقيم المشاركة المجتمعية، وآخر يؤكد على قيمة الإنسان وحقوقه وواجباته، أحدهم يرهن الأمة لمصالح نخبة ضيقة من المتنفذين، وآخر يُراهن على الأمة، ويُقدم مصالحها العمومية على مصالحه الخاصة، بينما الصراع الدائر حاليا في أكثر مساحاته يكاد ينحصر في معارك وهمية طاحنة غاياتها مشبوهة، والمنتصر فيها مهزوم.

وفي الوقت الذي يعيش المسلمون أسوأ لحظاتهم الحضارية، في شتى أنحاء العالم، وبدلا من أن يجمعوا قوتهم ويرمموا علاقاتهم الداخلية للدخول في عصر العلم والمعرفة وسباق الاكتشافات اليومية المذهلة، تشاغلوا في نزاعات عبثية ضيقة الحدود والأبعاد، وبدلا من أن يقرأوا الصراعات التاريخية قراءة واعية مُتطلعة لنبذ زلات التخلف والاستبداد والفساد عند هذا الجانب، واستجلاء قيم التمدن والتقدم والإصلاح عند الجانب الآخر ومحاولة تمثلها، انشغلوا بالصراع ذاته وكأنهم يعيشون الآن في تلك العصور السالفة، فتأخروا حضاريا ومدنيا، لأنهم عادوا بفكرهم وأرواحهم إلى الزمن الماضي بدلا من أن يتقدموا بقيم ومبادئ ذلك الزمن إلى اللحظة الراهنة، وأضاعوا، ولا يزالون، فرصا حقيقية كان يمكن لهم أن يستثمروها ليكونوا أكثر حداثة وتقدما. احمد شهاب، كاتب من الكويت ahmed.shehab@awan.com