'المزاعطة' السياسية!

بقلم: محمد الشيوخ

من زاوية سياسية يحق لكل مواطن تبنى ومناقشة أي رأي سياسي له صلة بوضع بلده وسياسته الداخلية والخارجية وإن أختلف مع رأي السلطة. وما هو متسالم عليه قي عالم السياسة أن تعددية الآراء السياسية والجدل حولها بصوت عال لدى أي جماعة أو مجتمع هو مؤشر هام على أن هذا المجتمع يعيش حرية سياسية، ودليل على حيويته وحراكه ونضجه.
في حين أن سيادة الرأي الواحد وعدم وجود متنفس لبروز آراء أخرى مغايرة أو قمع أي رأي جديد يعد مؤشرا من مؤشرات الكبت ومظهرا من مظاهر السكون والتخلف، وغالبا في مثل هذا المناخ يتم التعاطي مع الآراء المختلفة والمتولدة حديثا بصورة سلبية.
عادة ما تتعامل الأطراف السياسية مع الرأي السياسي تعاملا سياسيا دون أدجله، وبموجب اللعبة السياسية توظف مختلف القوى السياسية الأحداث والآراء توظيفا سياسيا للدفع بالعملية السياسية نحو الأمام ولزيادة وتيرة حركة التنمية السياسية في البلاد. في حين أن أصحاب النزعة المؤدلجة يعملون النقيض تماما.
تباين الرأي السياسي والجهر به بحسب المنطق السياسي يعد خطوة متواضعة في سلم الحراك السياسي المألوف، والذي تعد فيه المعارضة السياسية السلمية الصارخة خطوة أكبر وأكثر تقدما في أغلب الدول الديمقراطية عراقة، وهي أكثر فائدة وضرورة للتقدم والدفع بالتنمية السياسية للأمام من الخطوة الأولى المتمثلة في التعبير عن الرأي فقط.
اختلاف نظر السياسيين في الرأي حول أي قضية سياسية محلية مع خصومهم السياسيين وبصرف النظر عن مدى التباين الحاد بينهم، وبحسب العرف السياسي الدارج، لا يخول أي من المختلفين أدلجة أو شخصنة الرأي.
نعم يحق لكل الإطراف السياسية تسييس الرأي وتوظيفه في اتجاه المنفعة الوطنية العامة وليس العكس. توظيف الرأي أو تسييسه مضافا إلى انه عمل مشروع بحسب موازين اللعبة السياسية، هو عامل إثراء للحراك السياسي ويدفع بالتنمية السياسية للأمام، وغالبا ما يفضي الحراك السياسي الناضج إلى تغيير حقيقي في الأدوار وتبادل طبيعي في المكانات، وذلك وفق عملية تنافسية حضارية سليمة تنتج غالبا المشروع الأفضل والأشخاص الأكفأ لتبوأ مكانة أو لعب دور ما.
وغالبا هذا النوع من المكاسب والنتائج يفرزه التوظيف السياسي الايجابي للآراء والمشاريع، وهو على العكس تماما من التوظيف السلبي الذي تقوده قوى سياسية أو اجتماعية أو دينية ذات خبرة متواضعة في الحقل السياسي أو ذات منافع ذاتية لا تتجاوز حدود الفئة أو الجماعة وبمعزل عن مصلحة الأطر الأكثر سعة.
التوظيف السلبي الذي ينطلق من نزعات ذاتية صرفة على تبوأ بعض المكانات وممارسة لبعض الأدوار، غالبا ما ينتج صراعا حادا بين قوى المجتمع المتنافسة.
أصل العمل التنافسي السياسي في أي مجتمع حول أي نوع من المكاسب أو المشاريع لا غبار عليه. ولكن يعاب على بعض اللاعبين تجاوزهم ضوابط ومحددات العمل التنافسي المثمر، وتكون اللعبة السياسية في غاية السوء حينما تجتهد القوى المتنافسة للتسلق على أكتاف القوى الأخرى دون وجود أدنى مؤهلات للتصدي أو فقدان الإمكانات الفعلية لقيادة أي مشروع حقيقي على ألأرض أو حينما يتم التشكيك في النوايا أو الدخول في لعبة المزايدة والصراعات الجانبية والهامشية. وغالبا ما يقرأ البسطاء الآراء السياسية من منظار سطحي وضيق، فهم لا يجيدون سوى "شخصنة" الرأي أو "أدلجته" إن جازت هذه التسميات.
لذا ليس مستغربا أن يتهم هذا الصنف (المؤدلج أو المشخصن) خصومهم السياسيين بالخونة والمنافقين والأعداء ويزايدون عليهم لا لشيء وإنما لمجرد تبنيهم رأيا أو مشروعا مغايرا لرأيهم ومشروعهم.
الإصرار على أن يتم التعامل مع الآراء السياسية بصورة "مؤد لجة" أو "مشخصنة" لا يعني بأي صورة من الصور أن حقيقة الخلاف أو الصراع القائم بين القوى الدينية والاجتماعية والسياسية هو صراع ديني أو شخصي بأي حال من الأحول. فأعظم الصراعات التي تعيشها المنطقة بمختلف قواها وتكتلاتها وأحزابها وتوجهاتها هي صراعات سياسية في الغالب. لكن هناك جهات تسعى لحرف مسار الصراع أو تغليفه بغلاف ديتي أو مذهبي أو شخصي أو ما شاكل ذلك.
هذه المحاولات أن صدرت من طرف فهي تنم عن ضعف حقيقي في إمكاناته من مجارات المنافس في الصراع، وبالتالي لا سبيل له الا التوسل بأسلحة غير مشروعة على أمل أن يحقق من خلالها بعض المكاسب ولو في حدها الادني: خلق حالة من التوازن أو تسجيل الحضور غير الحقيقي!
من المؤكد أن غالبية القوى والأطراف السياسية الناضجة في مجتمعنا المحلي تتعامل مع آلا راء المتباينة من زاوية سياسية بحتة ولا أظن أن هناك سياسيا مثقفا نزيها يسوغ لنفسه أن يؤدلج أو يشخصن الرأي المخالف. ولا يبيح لنفسه أن يجعل منه مادة للصراع الاجتماعي والسياسي السلبيين بقدر ما يسعى لتوظيفه إيجابا لخدمة مجتمعه وتحقيق أهدافه وتطلعاته أو الدفع بالوعي السياسي للأمام.
في هذه المرحلة نحن بحاجة لتدشين ثقافة جديدة تؤهل القوى الاجتماعية الفاعلة في التعايش والحراك مع الاراء والطروحات السياسية المتباينة إلى حد التضاد بصورة ايجابية، بحيث يمكنها توظيف واستثمار هذا الحراك إلى أقصى مدياته، لذا يلزم التعامل مع هذه المرحلة بمرونة فائقة وبوعي سياسي متزن.
أظن أن محاولة قراءة واستحضار طريقة تعاطي بعض القوى الدينية والاجتماعية والسياسية الناضجة مع الآراء والمشاريع السياسية المتباينة، ومن ثم الاستفادة من مجمل تجاربها، قد تكون مسألة مهمة ومفيدة ايضا للقوى المحلية في ترشيد وتنضيج طريقتها في التعاطي مع مختلف الآراء والمشاريع الحساسة والمتباينة. تكون الحاجة ماسة للاستفادة من مجمل التجارب السياسية الايجابية والسلبية على حد سواء أكثر، حينما تكون هذه القوى حديثة عهد بالحراك السياسي أو في حالة انتقالية من مرحلة إلى أخرى فيها من التحديات ما هو مختلف عن تحديات المرحلة السابقة أو في حالة الاحتقان السياسي، وذلك لتنمية الوعي السياسي الذي يفضي بدوره إلى خلق مسارات تنفس جديدة.
يمكننا القول: أن مرحلتنا الراهنة ينبغي للسياسي الوطني الشريف فيها أن يسعى باتجاه تهيئة الأرضية لتأهيل القوى المحلية الفاعلة لتوظيف مجمل الآراء والتباينات السياسية توظيفا سياسيا إيجابيا للدفع بالتنمية السياسية والاجتماعية في بلدها ومجتمعها المحلي بما يخدم المصلحة العليا، وليس العكس. وأكاد أن أجزم بأن غاية السياسيين الإصلاحيين الوطنيين في مجتمعنا "الشيعي" تحديدا مهما تباينت آرائهم وتغايرت وجهات نظرهم ومشروعاتهم ووسائلهم السياسية، فهي تصب بكل تأكيد في منفعة مجتمعهم ووطنهم.
نعم، قدرة القوى السياسية المتنافسة والمتباينة على بناء تصورات مشتركة، وحد أدنى من التنسيق والتواصل المثمر، والتوظيف الإيجابي للمشاريع والطروحات السياسية القائمة، أو خلق مسارات ومشاريع وآفاق عمل جديدة قابلة للتطبيق، وعدم انسياق تلك القوى والأطراف لردات الفعل العاطفية الآنية، والنظر إلى الأمور باتزان وتعقل، ومعالجة أوجه القصور ومواضع الخلل بصورة جذرية، هي الشروط الموضوعية المؤدية لتنمية سياسية حقيقية في المجتمع تكون رافعة فعلية لتحيق المكاسب.
وعليه، ينبغي للاعبين السياسيين الوطنين والمتفرجين الواعين في هذه المرحلة تجديدا أن يمارسوا دورا ايجابيا في هذا الاتجاه، من خلال إطلاق أي مبادرة أو فعل بدلا من الاكتفاء بإشغال صفوة المجتمع الملتهب حماسا للحراك في جدل بيزنطي يزيد مواجعه ويستهلك طاقاته في البحث والانشغال إلى درجة الإسفاف والاستنزاف في حدود معركة من تنطبق ولا تنطبق عليه مفاهيم ومصاديق المعارضة والموادعة والمقاطعة والمساكنة والمناطحة ومن ثم الولوج في حيص بيص المزاعطة السياسية ليس أكثر...!
محمد الشيوخ، باحث سعودي m_shayook@hotmail.com