المرتكزات الأساسية في الأدب الإسرائيلي

هل تغير شيءٌ؟

لاشك أن هناك مرتكزات أساسية في الأدب الإسرائيلي سواء في الشعر أو القص أو الأنماط الأخرى، وهذه المرتكزات منها ما يتصل بالجانب الديني أو بالجانب السياسي، ومنها ما له علاقة وثيقة بالأساطير، والتي هي المجال الخصب للكتاب الإسرائيليين لتحريك نوازعهم بمثل ما أتى به صاحب نشيد الإنشاد وشعراء سفر المزامير، وكذا ما احتوت التوراة من العديد من القصص والوقائع والأمكنة والعجائب والرموز.

وعموما وبلا شك أيضا أن الأدب الإسرائيلي يتأثر بالحلقات المرحلية فلكل حقبة فعلها وتأثيرها ومسمياتها بل وبفعل الحياة العامة التي يعيشها الإسرائليون ضمن مجتمع مشترك مع من ترك مكانه الذي كان يقيم فيه وهاجر الى "أرض الميعاد" للإلتحاق بجنسه واكتساب هوية جديدة، وبالتالي فإن هناك في المجتمع الإسرائيلي ثقافات متنوعة ومختلفة الإتجاهات والمشارب بعضها من بقيّت ثقافاته ووعيه ضمن تلك المسلمات التي اعتنقها في البلد الذي كان يعيش فيه قبل هجرته لإسرائيل، ومنهم من لم تتلاءم تطلعاته الثقافية وفهمه لوظيفة الأدب مع تطويع الأدب في دولة إسرائيل لغايات الشحن العنصري وإعلام السلطة.

ومن هؤلاء الذين أكلتهم المعاناة هم الأدباء والمثقفون العرب الذين هجروا بلدانهم الأصلية وهاجروا "لوطنهم الأم" وهي هجرات كثيرة ومتنوعة سواء بواكرها التي بدأت من الوطن العربي كما حدث في تهجير يهود العراق أو الهجرة الطوعية ليهود المغرب العربي أو تلك الهجرات التي تمت باتفاقات سياسية (يهود الفالاشا) ناهيك عن الآلاف من يهود أوروبا الشرقية الذين حملوا معهم كل إمكاناتهم التقنية والفكرية بل وقدموا لمجتمعهم الجديد كل ما استطاعوا إثباتا لوجودهم كقوة مهمة جديدة وافدة الى الكيان الجديد.

ورغم ما تعرض لهم البعض من الإنكفاء في المجتمع الإسرائيلي - ولسنا هنا بشأن تقديم شواهد حول طبيعة العلاقات العامة - لكن الصراع العربي الإسرائيلي كان محفزا بل مرتكزا رئيسا لتكوين مسمى أدب المواجهة، أي تهيئة المجتمع الإسرائيلي بمختلف تكوينات الى الإيمان بأن العرب هم عدوهم الرئيسي وأن هذا (العدو) بأعتقادهم يؤمنُ تماما بتدمير دولة إسرائيل وإنهاء وجودها، ولاشك أن تلك الثقافة والتوجه لهذه المعاني يحتاج ضمن ما يحتاج إليه الى تقديم وجبات شهية من العدائية وطمس معالم الوجود العربي الفلسطيني وتشويه موجوداته التاريخية بدءاً بالمراحل الدراسية المبكرة في إسرائيل صعودا الى المراحل الدراسية العليا ومنها الجامعات.

وبهذا الخصوص يشير الكاتب الفلسطيني إنطوان شلحت في كتابه الموسوم "شخصيّة العربي في الأدب العبري" أن القص الإسرائيلي الذي كان يقدم ضمن المناهج الدراسية يتضمن أمورا أخرى غير التي ذكرناها ومنها أنه أدب يحمل صفات الصبغة والإفتعال ويسعى لخدمة مسمى القومية اليهودية ومحاولة الإثبات المزيف لشرعية الوجود الإسرائيلي على الأرض العربية.

وذكر شلحت مجموعة من كتاب القصة الإسرائيليين الذين تولوا هذه المهمة التربوية ومنهم: القاص حاييم هزازا والقاص لفين كنفيس وليعزر شموئيلي وغيرهم. فالنتائج هنا هي إثارة مشاعر الإنتماء والصلة غير الواقعية بين ما يربط المجتمع الإسرائلي و"أرضهم" التي يعيشون عليها الآن.

لا ينكر أن هذا الموضوع من المواضيع المهمة التي كانت الحكومات الإسرائيلية تسعى لإيجاد أدباء متخصصين بهذا الجانب لنشر تلك الأفكار بين صفوف الفتية والشباب لتكوين ذاكرة جمعية لدى أبناء الطوائف اليهودية.

لقد كان من الممكن إيجاد أو بالأحرى تكوين حراك أدبي ضمن تلك المفاهيم ولكن كان بالمقابل هناك شعب آخر يعيش تحت إحتلال هؤلاء أو يعيش بالتماس منه له وجوده وأدبه وحقائقه التاريخية، لذلك فإن معظم الركائز التي كان الأدب الإسرائيلي يجدها قواعد ثابتة سرعان ما تراخت بسبب تطور وعي العديد من الإسرائيليين وأغلبيتهم من المهاجرين الجدد من دول أوروبا الشرقية لذلك اتجه الأدب الإسرائيلي الى قضايا أخرى ذات علاقة بالوجود وبالذات الإنسانية بفعل العوامل التي ذكرناها وكذلك بفعل تطور النظريات الأدبية والتأثر بحركة الحداثة. ولا ننسى تأثير الأدباء اليهود من العرب في هذا الشأن.

والسؤال هنا هل تغير بعد هذه المرحلة الطويلة شيءٌ من المرتكزات الفكرية للحكومات الإسرائيلية بالتوجه الى ضرورات التعايش والإقرار بحق المصير للشعب الفلسطيني المضطهد ما دام هناك منحىً ما في الأدب الإسرائيلي حاليا في العديد من الكتابات الأدبية يتجه ولو بشكل غير مباشر وببطء باتجاه عالمية الإنسان وحقوقه المستلبة في أي بقعة في العالم.

q.poem@yahoo.com