المربوع... مثقف بطريقته

أبو ظبي- من جميل الناهي
المربوع مستلهماً

حمد المنهالي، والمعروف بالمربوع، شخصية إماراتية يجمع بين المدنية والبداوة بشكل لائق. لديه مزرعة وجمال يعتني بها، يعاشر الشعراء والمثقفين، يصمت وهم يتكلمون لكنه لو تكلم أغضبهم، يقولها مفردة أو مفردتين، لا أكثر، يعبر بها عما يجول في خلده، يلتفت للمجلس وينظره بعين المترقب هل هناك مَن أُعجب بكلمته أم لا، والرد حاضر لمن لا يعجبه الكلام. يعتقد أن العالم هو الذي حوله فقط، ليس هناك أبعاد في هذه الدنيا أوسع من مدينته أبوظبي، تفاجأ بلندن بعد أن زارها وهو يرتدي البنطلون القصير والقبعة، التي لا تقف على رأسه طويلاً، بعد التجوال في الهايدبارك غير رأيه في محليته، فالعالم شاسع، وهناك من البشر على غير ديانة وعادة وتقليد.

يسأل أحياناً، ويلح في السؤال، عما هي البدايات، كسؤاله السريع، ويريد إجابة سريعة، كيف صارت لندن هكذا، ومن هو أول من سكنها؟ من يعتني بهذه الحدائق، وكيف يُحافظ عليها؟ يعتقد بأن الرجال هم الذين يصنعون المدن، فلما سمع أحد الشعراء الذين يكثر من الجدل معهم بأنه تغزل بالأرض ومدح الوطن، قام معترضاً وقال: إذا تريد الفخر ففخر بالرجال، فالأرض تراب ورمل ما بنيت نفسها. في هذا الجدل الذي ينشب حول جماعة الإخوان المسلمين والدين السياسي بشكل عام، للمربوع رأيه مدافعاً عن سجيته واعتزازه ببداوته، فقال: البدوي لا يصير من الإخوان المسلمين، لأنه لا يعرف الخيانة، البدوي وفي لا يتآمر، وهؤلاء يتآمرون. بعد أن حمى النقاش في معنى السياسة ومن هو السياسي، ولم يصلوا إلى رأي يرضي المتجادلين انبرى المربوع قائلاً وملخصاً معنى السياسة والسياسي: هو الإنسان الذي يرضي شعبه! فسكت المتجادلون.

قد تتصل بالمربوع تلفونياً شوقاً إليه، فهو دافئ المعشر طيب الملامح نظيف الطوية، مع سحنة سمراء غامقة، توقع أنه يقول لك: أيش تريد! وهي كلمة قد تكون خشنة لمن لم يعتد على لسان المربوع، فتضطر إلى غلق التلفون، لكن في حقيقة الأمر أن المربوع في اللقاء معك لم يتوقع اتصال إلى مَن يعمل في مزرعته وتربية جماله. كنت أظن أن المربوع، في أول لقاء معه أنه أحد المهتمين بالشأن الثقافي، وذلك لوجوده في معرض كتاب مثلاً أو نشاط ثقافي ما في أبوظبي، وتعاملت معه على هذا الأساس، لكنها لحظات ويسألني: ماذا تعمل، فلم يقتنع بأن الكتابة تأتي برزق أو عيش، ففي ذهنه لا عيش إلا في تجارة أو تربية جمال، فعلق قائلاً: اتركها وأعمل لك شركة فيها تجارة، تأتي لك بما هو أفضل، وإذا قلت له لا أعرف! قال: الذين يعملون في التجارة ليسوا أفضل منك! ويرد بقوة: ما شي إنسان لا يعرف يعرف كل شيء.

حمد المنهالي المربوع نموذج الإنسان الواعي جداً، بلا علوم وثقافات كدراسة أو قراءة، إنه مجتمع الفطنة والفطرة، الذي يمنح التهذيب والإنسانية خارج ضجيج المدن، في نظرة سريعة يعرف فيها معدن محدثه، إذا ما أراد الجد أم الهزل، لذا العديد من مخالطيه يخشونه، من تعليق يقذفه أو سؤال يجيبك عليه إن حجمت برهة.

تراه متصالحاً مع نفسه، سعيداً بما آل إليه، فهو على دوام وسط حفاوة، حتى الذين قد يجرحهم تعليقه أو تعقيبه يبحثون عنه إذا أطال الغياب. أخذ المربوع يداوم على الرياضة، وبدأ يقوى على ارتداء الشورت والحذاء الرياضي، ولا تهمه الألوان وتناسقها، ولا تعليقات الذين حوله، فمن العادة أن يكون هو المحور.

قامته المائلة إلى القصر وجسمه المملوء إلى حد ما، لا يكذبان بأنه المربوع فعلاً.