المربع الأول في العراق!

يحذر "وعاظ" الكتل المتنفذة، كلما تصاعدت ذروة الأزمة في ما بينهم، ووصولها الحدود الشخصية لزعمائهم، من أن الأوضاع سترجع إلى المربع الأول. وبودي معرفة المربعات التي تخطيناها – كعراقيين - بفضل انجازاتهم، ونتيجة لأدائهم. أتمنى على هؤلاء - المتنفذين في السلطة - أن يوضحوا لنا طبيعة المربع الذي نحن فيه الآن، وتعريفنا بطبيعة المعايير التي يقيسون في ضوئها تقدمنا في جدول المربعات. وأتحدى هنا جميع مفكري الكتل المتنفذة، أن يبينوا لنا نظرية المربعات التي لم تبرح خطابهم، وهل هي مربعات "رقعة الشطرنج"، ام مربعات لعبة "حيه ودرج"؟!

المتابع للأمور يستطيع أن يلحظ اللهجة الطائفية، وهي تتصاعد بأشكال متعددة، وصيغ متنوعة، تثير النعرات العدائية والاستعلائية والاقصائية، كلما وصل الصراع بينهم إلى الحدود الشخصية. وفي الحقيقة لم أقف لغاية اللحظة على خلاف نشب بينهم بشأن موضوعات تخص مصلحة الناس. فالحقيقة الماثلة أمامنا إنهم يتحدون ضد مصالح الناس. ومثال تصويتهم بالأغلبية على إلغاء البطاقة التموينية، ما زال ماثلا أمامنا، في وقت وصلت فيه نسبة الفقراء والمهمشين الى حدود ربع سكان العراق. وكذا اتفاقهم بالاستحواذ على أصوات الناخبين، هادفين من وراء ذلك تأبيد بقائهم في السلطة، لولا يقظة القوى الديمقراطية والمجتمع المدني الذي قطع عليهم الطريق، بحملة "لا تسرق صوتي".

لم تغادر الطائفية وشرورها خطابهم بعد؛ لم يراعوا تجربة الانقسام والاحتراب الطائفي المريرة، حيث كان التهجير والقتل على الهوية، والشحن الطائفي الكريه. كما لم يراعوا كل الاعتبارات الوطنية، فاعتباراتهم لا تتعدى متاريس قضاياهم الشخصية، والحقيقة أن الصراع بينهم، كان وما يزال وسيبقى على السلطة، بما تعنيه من مال ونفوذ وسيطرة على الإرادة العامة للمواطنين. بهذا المعنى لا نحتاج إلى دليل للبرهنة على أن مداخل صراع المتنفذين ومخارجها هي مصالحهم وامتيازاتهم وشؤونهم وقضاياهم الشخصية، ومن اجل ذلك، فهم لا يترددون في دفع الأوضاع إلى حافة الهاوية دون اكتراث بمصير البلاد والعباد.

وأنت تشهد التعنت بالخطاب الطائفي، والنعرات القومية، وانتشار قيم الثأر والاستحواذ. وأنت تشهد نقص الخدمات، والتستر على الفاسدين، ومحاصرة الكفاءات الإدارية التي لا تنتمي إلى كانتونات التقسيم الطائفي. وانت تشهد أزمة العلاقات بين أطراف السلطة، بل بين الذين يشكلون مطبخها، وأولئك الذين هم متصالحين في السر ومختلفين في العلن! وأنت تشهد ذروة الأزمة، لا تقلق من خطابهم الذي يهددونك فيه بإرجاع العراق الى المربع الأول، فالحقيقة أن الأوضاع لم تغادر، لغاية الان المربع الأول ومنطقه وخطابه!

سنغادر المربع الأول حقا، حينما نرى خطوات تمضي بنا نحو الدولة المدنية الديمقراطية، التي تحقق العدالة الاجتماعية.. وهذا رهان القوى المدنية والديمقراطية، التي تؤكد دوما أن ديمقراطية بدون ديمقراطيين إنما تشكل وهما واختلالاً.

جاسم الحلفي