المرأة والرواية الفلسطينية

بقلم: السيد نجم
المرأة والعيلة يحدقان في المكان أم الزمان؟

يبدو أن موضوع (المرأة) في الأعمال الأدبية، خصوصا الرواية، يلقى اهتمام البحث النقدي، ومن قبله التناول الإبداعي لكونها، أي المرأة، رحم الحياة في سكينتها وضجيجها. وهو ما تلاحظ مع الإبداع الفلسطيني الروائي، قبل عام النكبة وبعده، وإن فاض وتجدد مع وهج الأحداث الدائم.
في كتاب "الطريق إلى الخيمة الأخرى"، وهو دراسة في أعمال غسان كنفاني، للناقدة رضوى عاشور إشارات ووقفات مع "أم السعد" التي قد ترفع عن كنفاني مقولة الناقد معين بسيسو "إن أعمال كنفاني لم تتناول العنصر النسائي بحضور بارز، حيث بدت "أم السعد" وكأنها شخصية ملحمية فاعلة وأيضا على غير وجه واحد، لها وجوهها الإنسانية المتعددة."
وقد أبرزت الناقدة فيحاء قاسم عبدالهادي في دراستها حول المرأة الفلسطينية، "صورة المرأة خلال الفترة ما بين 1948 حتى 1973"، من خلال رفضها لفكرة التناول الجزئي عند نموذج المرأة، وهو ما نتج عنه أن قال البعض (رضوى عاشور) إن المرأة غائبة في أدب كنفاني. بينما قال أحمد أبومطر في دراسته "الرواية الفلسطينية من عام 1950 حتى 1975" إن "الرواية الفلسطينية قدمت صورا مختلفة للمرأة، مثلما شهدنا على أرض الواقع."
لذا تمحور كتاب "نماذج المرأة/البطل في الرواية الفلسطينية" للناقدة فيحاء قاسم إلى أربعة محاور: نموذج المرأة/ الشريك الفاعل ـ التابع المساند/ الأنثى/ نموذج الأم المثال.
هنا تبرز أهمية مطالعة دراسة زكى العيلة في كتابه الهام "المرأة في الرواية الفلسطينية" وقد نشرت في كتاب عام 2003.
في التمهيد الذي شغل حوالي 50 صفحة، عرض الناقد للبعد الاجتماعي/التاريخي للمرأة الفلسطينية. فالمتتبع للحركة النسائية قبل 1948 يلاحظ أنها اقتصرت على اللواتي حصلن على قسط من التعليم، وشاركن في العمل في المدن، أما في القرى فلم يكن للمرأة دور أكثر من تأمين الخدمات المعاونة للرجال/الثوار حيث الريف بؤرة الثورة الفلسطينية في حينه.
وخلال الفترة من 1948 حتى 1976، بدت أكثر فاعلية من خلال الاتحادات والجمعيات النسوية، وشهدت الساحة استشهاد بعضهن، من أمثال رجاء أبوعماشة.
ثم كانت الفترة ما بين 1967 حتى ما قبل انتفاضة 1987، التي لعبت فيها المرأة الفلسطينية دورها الفاعل في المقاومة، سواء بالخروج إلى الشارع للتظاهر أو الاعتصام، وإن لعبت الأمية دورها في عدم المشاركة الكاملة للمرأة الفلسطينية.
إلا أنه تلاحظ دور المرأة الفاعل خلال الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993)، وقد يرجع ذلك إلى الهياكل التنظيمية التي تشكلت خلال الفترة السابقة، مع اعتقال العديد من القيادات من الرجال. يكفي الإشارة إلى أن حالات الإجهاض خلال الأشهر الثمانية الأولى من الانتفاضة بلغ ثمانمائة حالة، بسبب الضرب أو الغازات السامة أو الانفعال لفقد عزيز.
بدت المرأة خلال فترة السلطة الوطنية الفلسطينية (1994 ـ 2000) مشاركة بإيجابية أكثر كثيرا عما قبل في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى أن نسبة المرأة في أول مجلس تشريعي (بالانتخاب) بلغت حوالي 6%، بينما بلغت في انتخابات مماثلة في الولايات المتحدة الأميركية في حينه 10% والأخيرة أعرق في الحياة الديمقراطية.
ينقسم الكتاب بعد التمهيد، إلى ستة فصول "الرواية الفلسطينية وقضايا المرأة قبل عام 1987 في الشتات"، "المرأة في الروايات الفلسطينية الصادرة في الضفة والقطاع قبل عام 1987"، "المرأة بين الواقع والرمز في الرواية الفلسطينية بعد عام 1987"، "المرأة بين التمرد والتبعية بعد عام 1987"، "المرأة في معترك السياسة والنضال بعد عام 1987".
يلاحظ القارئ أن الناقد اتخذ من عام الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) عام 1987، قاعدة للبحث، ما قبل وما بعد، بينما الشائع في الدراسات النقدية السابقة سواء في فلسطين أو غيرها من الدول العربية، أن تكون سنة القاعدة هي عام 1948 وهى سنة النكبة. وهو ما يشير إلى بعد سياسي غير متعمد، بالإضافة للبعد الجمالي النقدي الذي تناوله البحث.
كما يلاحظ القارئ أن هذا التقسيم بدأ من خارج الأعمال الروائية، وانطلق من مفاهيم عامة، ثم تابع الباحث دراسته بإبراز دور المرأة وكشفه. ففي الفصل الأول، كان البحث عن المرأة في مجالات: التعليم ـ التحرر ـ الحب ـ العمل ـ النضال، بداية من التشبث بالأرض حتى النضال المسلح.
في الفصل الثاني كان توصيف المرأة: المرأة الإيجابية ـ السلبية ـ المغتربة ـ اللعوب ـ المناضلة ـ الرمز. وهو بذلك اقترب أكثر من تشخيص المرأة الفلسطينية وبيان هويتها الواقعية.
ثم كان الفصل الثالث, حيث اقترب من المرأة أكثر كثيرا عما قبل، حيث وضع يده من خلال عدد من الروايات على المرأة: الإيجابية ـ المستغلة والمنحرفة ـ الرمز.
كما عرض في الفصل الرابع للمرأة المتمردة والمرأة التابعة.
أما وقد دخلت المرأة معترك السياسة بعد عام 1987، فقد أفرد لها مع السياسة فصلا خامسا.
جاء الفصل السادس مع حرص الناقد على إبراز الجوانب الجمالية، والتوقف مع البناء الفني للروايات محل الدراسة، وهى 45 رواية لعدد من الروائيين الفلسطينيين منهم: أحمد حرب، أحمد رفيق عوض، إلياس خوري، جبرا إبراهيم جبرا، حسين البرغوثى، رشاد أبو شاور، سحر خليفة، عبدالله تايه، غريب عسقلاني، ليانة بدر، وغيرهم.
جاء في عرضه للغة الروائية، إشارات لأهمية اللغة في الرواية وأنها وعاء الجمال والفكرة، كما عرض لاستخدام البعض للهجة العامية، ويقول "إذا نظرنا إلى اللغة لدى الروائيين الفلسطينيين سنرى أن لكل روائي أسلوبه الخاص به، وإن التقى مع غيره في استخدام اللغة المرنة البعيدة عن المبالغة أو الابتذال. وإن جاءت اللغة عند البعض مليئة بالقلق والتوتر والتمزق الإنسانى، ناقلة لنا التمزق الإنسانى للواقع المأساوي."
كما رصد النقد ظاهرة تكرار بعض المفردات، وأورد مثالا من رواية "أم السعد" تقول "أتحسب أننا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير المشي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع يا ابن العم، المخيم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والعشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس، تتكلم أنت عن الحبوس؟ طول عمرك محبوس، أنت توهم نفسك يا بن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات؟ حبس.. حبس.. حبس..، أنت نفسك حبس.."
وعن استخدام بعض المفردات العامية في بعض الروايات، أشار الناقد إلى أنها "لا تخلق لغة ولا ضرر منها، وربما تفيد أكثر بدلالاتها القريبة وقربها من ذهنية ونفسية القارئ، فتبدو أكثر دلالة وموحية."
أفرد الناقد في بحثه جانبا من ملاحقة التراث الشعبي الفلسطيني في الروايات، سواء باستخدام الأمثال الشعبية أو الأغاني الشعبية.
من تلك الأمثال الشعبية "خلى اللي في القلب يسطح، ولا بين الناس يفضح."، "ريحة الزوج ولا عدمه."، "عمر الدم ما يصير ميه."
ومن الأغاني الشعبية يرصد أغنية ترددها النسوة حول الشهيد (في رواية الجانب الآخر لأرض الميعاد):
سبل عيونه ومد ايده يحنونه
خصره رقيق وبالمنديل يلفونه
سبل عيونه ومد ايده على راسى
خصره رقيق ودعني ومش ناسي
فيما توقف الباحث أمام ظاهرة في الكثير من الروايات الفلسطينية، وهى توظيف لغة الأحلام المقترنة غالبا بملامح الحيرة والانتظار عبر مفردات دالة تعمق الإحساس بقسوة الواقع وجبروته.
جاء تناول السرد تابعا بعد تناول اللغة، حيث جاء السرد في الرواية الفلسطينية على حالتين في الغالب: السارد الموضوعي العالم بخفايا الأحداث والشخصيات، ربما أكثر من الشخصيات الروائية. والسارد المتكلم/الذاتي الذي لا يصدر أحكاما، فقط يحكي ويتابع بقية الشخصيات تطوير الحدث. مع استخدام ضمير المتكلم أحيانا في مواضع مخاطبة الذات في مونولوج داخلي.
بان للباحث أن استخدام السارد العليم هو الأكثر شيوعا، كما روايات (الميراث، باب الساحة، نشيد الحياة).. الخ. وإن بدت بعض الروايات تحرص على الجانب الوصفي إلى جانب السرد التقليدي، كما في رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس". فيما قدم البعض السارد العليم إلى جانب السارد الذاتي.
إجمالا يعد السرد الروائي الفلسطيني ثريا في أغلبه، مع تنوع أنماطه.
توقف الناقد مع الحوار في الرواية الفلسطينية، وبان للقارئ تنوع أنماط الحوار. هناك الحوار الكاشف للشخصيات، نفسيا وجسمانيا. الحوار الذي يخلو من السرد. الحوار الممتزج ببعض الجمل السردية القصيرة. الحوار الممزوج ببعض الجمل السردية القصيرة والتي قد تضيف حدثا أو تضىءُ للقارئ حدثا. وإن بالغ البعض في استخدام الحوار، وهو ما يعد عملا زائدا، لا يضيف إلى الرواية أو الشخصية ولا حتى إلى الأحداث. فالحوار الجيد هو الحوار الكاشف عن نفسية الشخصية أو الذي يضيف إلى الأحداث بالتمهيد لها أو التعليق عليها.
كما جاء تناول الناقد للبعد المكاني والزمان في الرواية الفلسطينية، ملخصا في الآتي:
قال عن المكان "اكتسب تصوير المكان في الرواية الفلسطينية خصوصية معينة، حيث يدور الحديث عن مكان مغتصب وعن نضال الشعب لاسترداده، مما عزز الشعور المؤلم بفقدان الأمان عند كثير من الشخصيات النسائية."
ولاحظ الناقد أن وصف الأماكن في الروايات عادة يتوافق مع نفسية الشخصية النسائية.
وقال عن الزمان "تعاملت الرواية الفلسطينية مع الزمن من خلال عنصرين. الأول: الزمن الخارجي (التاريخي)، فكان حضوره مرتبطا بذكريات الوطن. الثاني: الزمن النفسي (الداخلي) حيث يتسرب العمر وتتبدد مرحلة الشباب، مما يدفع البعض للبحث عن الخلاص."
وقد خلص الناقد إلى العديد من الآراء والنتائج منها:
احتفت الروايات بعد 1987 بالمرأة الإيجابية. رصدت الروايات التحولات النفسية للمرأة بفعل الأحداث. وغيرها من النتائج التي وإن عبرت، فإنها تعبر عن الجهد المخلص والجاد مع حنكة الناقد زكى العيلة. السيد نجم abnegm@gmail.com