المرأة والإسلام... قضية تبرز في ظل الإسلاميين

محاولة إعادة فهم النص

في رصدها للعلاقة بين الإسلام والمرأة ، تقول إحدى الموسوعات الغربية عن الدين والمرأة: "يفوق حضور المرأة في القرآن حضورها في أي نص مقدس آخر، يرتبط هذا الحضور بالتركيز على مساواتها مع الرجل". وتمضي الموسوعة في ذكر حقوق المرأة في القرآن، وتتوقف لدى آيات مثل: "وللرجال عليهن درجة" (البقرة : 228)، و"الرجال قوّامون على النساء..."(النساء : 34)، و"نسائكم حرث لكم" (البقرة : 224)، قائلة أنه رغم ما تحمله هذه الآيات من فروق بين الجنسين، إلا أن القرآن "بينما ميّز بين الدور والوضع الاجتماعي للرجل والمرأة، فإنه لم يفرق بينهما فيما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية، وقد قدم القرآن نماذج للخضوع من الجنسين، كما أن نماذج الخضوع والطاعة التي ارتبطت بالمرأة... تعني الخضوع لإرادة الله وليس الرجل".

في كتاب حمل عنوان "في البحث عن نسوية إسلامية" صدر في نهاية التسعينيات للباحثة الأمريكية إليزابيث فيرنيا – وهي باحثة متخصصة في دراسات المرأة في الشرق الأوسط وصاحبة أول كتاب عن المرأة المسلمة صدر عام 1977 بعنوان نساء الشرق الأوسط المسلمات يتحدثن Middle East Muslim Women Speak - تذهب فيرنيا إلى إقرار وجود ما تسميه "نسوية إسلامية" ، قائلة "إنه من المدهش أن يشكل المعتقد الإسلامي ذاته أساسًا للعديد من أنماط السلوك التي أسميها نسوية!

الأمر الذي يختلف كليا عن "النسوية الغربية" التي تعرف نفسها على الدوام بكونها علمانية، وأنها حركة تؤسس بعيدا عن الدين، وتنقل فيرنيا عن "عزيزة الهبري" الناشطة الحقوقية والقانونية الأمريكية، اللبنانية الأصل، قولها عن نفسها "كمسلمة ، يمثل الدين جزءًا من حياتي لا أستطيع أن أنفصل عنه". وتضيف فيرنيا "في مصر وتركيا والكويت والولايات المتحدة تبدأ النساء -الإسلاميات التوجه- من فرضية تقول إن فكرة المساواة الجنسية موجودة بالفعل في القرآن، لكن المشكلة في التفسير الذكوري أو الفهم الخاطئ للنص المقدس، ومن ثم تكون المهمة الأولى للحركة النسوية هي إعادة فهم ذلك النص، والجديد أن يتم ذلك بمشاركة من النساء ذاتهن في تلك العملية التي ظلت تاريخيًا قصرًا على الرجال". ورغم أن فيرنيا تفرق بين "النسويات الإسلاميات" و"النسويات المسلمات دينا".

إلا أنها تؤكد إنه لا واحدة من الفئة الأخيرة تشك في إقرار القرآن بمساواة الرجل والمرأة. من جانبها أكدت الباحثة النسوية ليلى أحمد أن التماس والتشاكل بين الديني والنسوي سيظل قائما، طالما ارتأت النسويات أن "للمؤسسات والأبنية الفكرية وأساليب التفكير الخاصة بالمجتمعات الإسلامية الأولى، والتي تشكل كلها معا الخطابات الأساسية في الفكر الإسلامي، دور بارز عبر التاريخ الإسلامي في تحديد موقع المرأة من المجتمعات الإسلامية" اللائي ينتمين إليها.

وتؤكد أماني صالح في غير موضع على أن الخاصية الأهم لمعرفة نسوية إسلامية تخص إطارها المرجعي، بمعني أن الإسلام هو الإطار المرجعي لهذه المعرفة وأنه لا مجال لصراع المرجعيات.

بعبارة أخرى فهذه معرفة لا تقع خارج إطار الإسلام، إنما هي من داخله، وملتزمة بأطره المعرفية والقيمية وملتزمة بثوابته ممثلة في القرآن والسنة الثابتة. وهي بهذا تتمايز تمايزًا أساسيًا عن النسوية الغربية المتخصصة في دراسات المرأة المسلمة.

فهذه تقرأ من الخارج وارتكانًا إلى أطر مرجعية مغايرة. وعليه، تنصب مجالات الإنتاج المعرفي من منظور إسلامي، بوجه غالب نحو نقد الاجتهادات التفسيرية والفقهية خاصة في موضوعات المرأة من حيث مدى التزام هذه الاجتهادات بمناهج التفسير والاستنباط نفسها، ومن حيث الانحيازات التي تنطوي عليها هذه الاجتهادات إذا ما قوربت من منظور سوسيولوجيا المعرفة. وتنشغل النسوية الإسلامية بمسائل كلية تتضمن البحث عن قضية النوع (Gender) في المنظور الثيولوجي الإسلامي، ودراسة نظرية القيم الإسلامية من حيث جدلية العلاقة بين قيم العدل والحرية والمساواة.

وتقترح كتابات من داخل التيار نفسه، تيار النسوية الإسلامية، أن تتمدد اهتمامات النسوية الإسلامية لتشمل–ليس فقط عمليات المراجعة والتأصيل النظري- إنما أيضًا رصد واقع المرأة المسلمة على الأرض، والعمل على وصف حيوات النساء في سياقات مختلفة ووصف معاناتهن ومشكلاتهن. كما تدعو لئلا تظل النسوية الإسلامية مشتبكة فحسب مع العلوم الشرعية من فقه وتفسير.

بل أن يوسع المنتمون للنسوية الإسلامية أفق رؤيتهم. فكما تقوم الباحثة النسوية ذات المرجعية الماركسية مثلا بتقديم إسهامات في علم السياسة أو الاقتصاد أو القانون أو أي من العلوم، تكون الباحثة النسوية من مرجعية إسلامية مدعوة بالمثل لتقديم إسهامات من واقع التخصصات المختلفة التي تنتمي إليها، بحيث تظهر في هذه الإسهامات كل من الهوية النوعية والمرجعية المعرفية، والتي تكون حاضرة بالضرورة في وعي الكاتبة مشكّلة ما يطلق عليه في مناهج البحث "ما قبل المنهج"، أي ذلك الإطار المرجعي والموذج المعرفي الذي يتحكم في الطريقة التي يتم عبرها بها رصد الظواهر المدروسة وبحث العلاقات بينها وتحديد الأولويات وتحديد الحلول.