المرأة اللبنانية بين العنف الأسري والتحرش الجنسي

غياب الإحصاءات الرسمية للظاهرة

بيروت - لم تدرِ لطيفة التي كانت تتعرض للعنف الجسدي والنفسي من قبل زوجها المُدمن على المخدرات أنها ستفقد حياتها إثر الاعتداء والضرب المبرح على يد الأخير.

حكاية لطيفة ليس سوى حلقة في سلسلة حوادث العنف التي تتعرض لها المرأة اللبنانية، حيث تؤكد بعض التقارير الصادرة عن المنظمات الأهلية أن نحو ثلث نساء لبنان يتعرضن للعنف الأسري، فضلا عن حوادث جرائم الشرف والتحرش الجنسي في الشارع.

وتقول رئيسة الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة لورا صفير "بالمعنى العام للعنف (الجسدي والنفسي) ثلث النساء اللبنانيات معنفات", مع غياب الاحصاءات الرسمية للظاهرة.

وتلخص صفير ابرز المشاكل بقولها "لا تساعدنا الدولة كفاية وهي تعاملنا كاننا شركة تجارية ولا تؤمن لنا حماية خاصة اذا اراد الرجل الانتقام منا لمساندة زوجته او شقيقته او ابنته".

وتشدد الجمعيات الأهلية على اهمية توفر "ملجأ آمن" ليستقبل المعنفات مع اطفالهن ويؤمن لهن الحماية والمساعدة المادية.

وتقول صفير "لا توجد مراكز للايواء والحماية. نستعين ببعض المؤسسات الاجتماعية وخصوصا الدينية المسيحية", مضيفة ان على الدولة ان تتحمل مسؤولية هذه المساعدة لان "كلفتها مرتفعة".

وتقول منى (40 عاما) التي تعرضت على مدى سنوات للضرب على يد زوجها بعد أن انجبت منه ابنتين "لم يكن احد يجرؤ على الوقوف معي. حتى اهلي كانوا يعيدونني الى منزل زوجي في كل مرة يضربني فيها, خوفا من المجتمع الذي يحمل المرأة مسؤولية اي خلل في العلاقة الزوجية".

وتمكنت منى من الحصول على الطلاق اخيرا بعد لجوئها الى مؤسسة دينية تولت الدفاع عنها.

وتقول منسقة المشاريع في منظمة "كفى" برشا مومنة ان "المجتمع بات يتقبل موضوع الحديث عن العنف ضد المرأة بشكل افضل. وتعاطي وسائل الاعلام معه اصبح اكثر سهولة عبر ازدياد المسلسلات الاجتماعية والحلقات الحوارية" في شأنه.

وتشير الكاتبة زينة عيسى في مقال لها بموقع "الحوار المتمدن" الى وجود تكتم وصمت عند عدد كبير من النساء المعنفات على ما يدعونه "نصيبهن" بسبب تقليد توارثنه وتعلمنه من بنات جنسهن.

وتضيف "هناك العديد من النساء اللواتي يتعرضن الى كافة انواع العنف بشكل يومي حتى اصبح ذلك خبزهن اليومي من دون ان نعلم او نسمع بهن، فنهتم فقط بالحوادث الاستثنائية التي ينتج عنها موت او اذى جسدي محسوس للمرأة، وننسى تماما الحوادث اليومية غير الصاخبة التي تتلقاها اجساد النساء والتي تشوه نفسياتهن وتخفض معنوياتهن وتؤثر على عقلهن وعلاقاتهن ووجودهن".

وتوضح صفير ان جمعيتها التي تاسست عام 1977 تهدف اولا الى "كسر جدار الصمت بالتشجيع على التعبير لان الموضوع من المحرمات".

وتؤكد ان "العمل جار على التوعية الاجتماعية. ونسعى الى تعديل قوانين الاحوال الشخصية المجحفة في حق المراة في كل الاديان والى تعديل قوانين العقوبات التي لا تفرض عقوبات رادعة خصوصا في حالات الاغتصاب وجرائم الشرف".

وتشير تقارير إعلامية إلى أن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي ضد المرأة في لبنان، بل إن البعض يرى أن هذه الظاهرة بلغت من الخطورة بحيث لم يعد بالإمكان السكوت عنها.

وتقول رنا صباغ (ممرضة) "عندما أسير في الشارع أضطر إلى إقفال أذني كي أوازن خطواتي وإلا سأقع أرضاً من خجلي، حيث يحلو لبعض الشبان العاطلين عن العمل الجلوس على قارعة الطريق، والتحرش بكل عابرة سبيل في أسطوانة لا تفرق بين الجميلة والقبيحة".

وترى الناشطة الاجتماعية ريتا غزال أن ظاهرة التحرش الجنسي تدل على نزعة ذكورية نحو العنف الجنسي، وتعكس نظرة دونية تجاه المرأة ككائن جنسي، فضلاً عن أنها تشكّل شرارة للكثير من المشاكل الاجتماعية من خلال إشارتها إلى فراغ وكبت يعاني منه الشباب.

وتؤكد لصحيفة "القبس" أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود أي ضوابط اجتماعية وغياب قانون يحمي النساء من مختلف أشكال التحرش الجنسي، بما فيها التحرش اللفظي الذي هو مؤذ بقدر ما هو مذل، وعدم وجود وعي اجتماعي يحتم مواجهة تلك الإساءة التي تتعرض لها المرأة، مع غياب التعريف الواضح لمصطلح التحرش اللفظي.

وتؤكد أن معظم النساء لا يملكن الجرأة للتبليغ عن حالات التحرّش الجنسي، بسبب نظرة المجتمع التي تحمل المرأة غالباً مسؤولية ما يقع عليها من أذى خصوصاً ما يندرج منه في إطار التحرش الجنسي.

وتؤكد ريم أن فكرة الانتحار راودتها لعدة مرات لكنها عدلت عن قرارها في اللحظات الاخيرة خوفا من الله وقلقا على مصير اولادها.

وتؤكد أنها بعد 3 ايام من زواجها فوجأت بردة فعل زوجها حين علم ان احد اقاربها جاء لتهنئتها وقبّلها ليبدأ مسلسل العنف في حياتها الزوجية، مشيرة إلى أنها بدأت تعاني اقسى انواع العنف المعنوي، كمرحلة اولى قبل الانتقال الى العنف الجسدي.

ولجأت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة مؤخرا الى التعاون مع الاشخاص الذين وضعتهم مهنهم على تماس مباشر مع النساء المعنفات كالاطباء والممرضين والمعالجين النفسيين ورجال الدين والمحامين والقضاة الذين تلجأ اليهم المرأة المعنفة حين تغلق في وجهها كل السبل.

وتعتبر رئيسة اللجنة الاهلية لمتابعة قضايا المرأة امان شعراني ان جرائم الشرف تمثل "اقصى اعمال العنف (ضد المرأة) عبر سلب الحياة"، مشيرة إلى وجود مادة في قانون العقوبات تعطي جرائم الشرف ظروفا تخفيفية. وتقول شعراني "نريد اعتبارها جريمة قتل عادية".

وتوضح صفير ان العنف يطال النساء من كل الفئات الاجتماعية "بين المثقفين والاغنياء والفئات الشعبية".

وتشدد على ضرورة "استحداث قانون لتشديد العقوبة في حالات الاغتصاب التي تنص حاليا على السجن ثلاث سنوات".