المرأة الفلسطينية والإعلام

بقلم: دنيا الأمل إسماعيل

برز منذ سنوات قريبة الحديث عن قضية المرأة والإعلام، وهو حديث يعود إلى جملة من التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني ذات الأسباب السياسية والمجتمعية والثقافية، وربما أيضاً الاقتصادية، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر.
ومن المعروف أنّ العمر الزمني لهذا الموضوع/ القضية يعدّ مبكراً للغاية قياساً بموضوعات أخرى كان لها حظ أكبر من اهتمام المرأة الفلسطينية والمهتمين بأوضاعها وأدوارها المتعددة داخل المجتمع، مثل دورها في حركة النضال الثوري، وحجم مشاركتها في خدمة المجتمع المحلي بما فيه الأسرة، وهي أمور كان للظرف السياسي تأثير كبير فيها، خاصة في فترة المدّ الثوري التي طالت المرأة والرجل على حد سواء من حيث ضرورة المشاركة، وإن اختلفت درجات هذه المشاركة.
ومن المؤكد أنّ الاهتمام الذي بدأ ينمو حثيثاً بموقع المرأة الفلسطينية من الإعلام، والصورة التي تتناولها وسائل وأدوات هذا الجهاز المعرفي الكبير لهذه المرأة ومدى مساهمتها فيها، يدل على تطور إيجابي في قضية المرأة الفلسطينية، من حيث عدم اقتصارها على النضال الثوري، أو حصرها في نطاق خدمة المجتمع عامة بما فيه الأسرة، وإنما توسع ليشمل الأداة الأكثر اتصالاً وتأثيراً على الجماهير العريضة وعلى صناع القرار بما تشكّله وسائل الإعلام من وسيلة ضغط مجتمعي من شأنها أن توجه أفراد المجتمع نحو قبول أو رفض قرار ما قد يفرض من جانب أية سلطة.
ونظراً لحداثة طرح الموضوع على الساحة الفلسطينية فإنّ فيه من غيم البدايات وعدم وضوح الرؤية والمنهج والأسلوب الكثير. وهذه سمة كل بداية سواء كانت في مجتمع مستقر أو غير مستقر، غير أن المجتمع الأخير يفرض تبعات مضاعفة وهموم متشعبة تتطلب جهداً أكبر ونظرة شمولية للأمور - بمعناها الإيجابي - تفتح الطريق أمام رؤية الواقع بخلفياته الثقافية والاجتماعية ومدى التأثير الإيجابي أو السلبي الذي يمكن أن تمارسه.
وإذا اقتربنا أكثر من الموضوع فإنّ العنوان يطرح علينا عدداً من الإشكاليات المتعلقة بالمرأة والإعلام كل على حدة. فمن ناحية هناك إشكاليات تبرز عند التصدّي لدراسة الأوضاع الراهنة للمرأة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالإنجازات التي حققتها في المجالين التعليمي والمشاركة في النضال الثوري على وجه التحديد، ومقارنتها بما تعانيه من حيف في مجال التشريع ومن سيادة النظرة التقليدية التي تعوق انطلاقها نحو تحقيق ذاتها سواء كان ذلك على المستوى الاجتماعي أو على المستوى الإنساني. أيضاً هناك إشكالية تتعلق بأي فئات من النساء يجب علينا أن نركّز اهتمامنا، فالنساء ينتمين إلى طبقات وفئات اجتماعية مختلفة، كما أنّ هناك نساء المدن ونساء الريف ونساء البادية، فيما تمثل المرأة الفقيرة غالبية النساء عموماً، وهي غالباً ما تكون مهملة ولا تلقى سوى القليل من العناية الموسمية.
ومن ناحية أخرى فإنّ كلمة الإعلام كلمة جامعة تنطوي في داخلها على أنواع متعددة من الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، وهذه جميعها تتناول المرأة من زوايا مختلفة وبطرق ووسائل ووجهات نظر مختلفة، وإن اشترك جميعها أيضاً في خط عام مستمد من النظرة التقليدية السائدة للمرأة وأدوارها في المجتمع، خاصة وأن الإعلام يرتبط بجملة من الشروط الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الثقافية، التي تصبغه بنوع وتوجهات الفكر الذي يعبر عنه، ويخدم مصالح القوى المتحكمة فيه. ومن ثم يصبح بديهي القول أنّ المؤسسة الإعلامية لا تنشأ من فراغ، ولا تعمل إلاّ ضمن الإطار العام المرسوم لها، وضمن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. وفي هذا السياق يجب التنبيه هنا على أنّ الخطاب الإعلامي للمؤسسة الإعلامية يتأثر بالمجتمع الذي ينتمي إليه، وبما يحمله هذا المجتمع من قيم وأفكار واتجاهات، تساهم جميعها في تحديد شكل ومضمون الخطاب الإعلامي عبر وصوله إلى الجماهير، ومن ثم ينعكس مضمون هذا الخطاب الإعلامي سلباً أو إيجاباً على وضعية المرأة والأدوار المتاحة لها في المجتمع. لذا فإنّ علينا أن نقر أولاً أنّ وسائل الإعلام تحمل ثقافة معينة، هي ثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه، ليس ذلك فقط، بل إنها أيضاّ تتجاوز مجرد نشر الثقافة السائدة للمجتمع إلى إعادة إنتاجها وتوليدها مرة أخرى، بحيث تساهم في تأكيد ما هو سائد، واستبقاء الاتجاهات والقوى المسيطرة على حساب الاتجاهات التنويرية والتغييرية.
إنّ خصوصية موضوع المرأة، كموضوع اجتماعي، بما تتضمنه من ارتباط وثيق بالموروث الثقافي والديني والاجتماعي، تنبع من تميزها بقدر من التعقيد والتشابك، وحاجتها إلى امتداد زماني يسمح بالحوار والتفاعل والتراكم البناء،ونضج مجموعة من الظروف الذاتية والموضوعية، وهذا كله يمنحها حركة بطيئة بخلاف الموضوع السياسي مثلاّ.
وإذا ركزنا على المجتمع الفلسطيني سنجد أنّ الدين والعادات والتقاليد أعطته الشكل المحافظ، الذي انعكس بدوره على مجمل علاقاته، وعملياته الاجتماعية والثقافية تحديداّ، ذات الصلة الوثيقة بالمؤسسة الإعلامية.التي أعادت إنتاج هذا الشكل عبر تبنيها لمضامين محافظة، باستثناء حالات قليلة جداّ، وغالباّ ما تكون مرتبطة ببعض المؤسسات النسوية ذات النهج التغييري على أساس فهم أعمق وأشمل للدين. وعلى الرغم من أنه ليس مجال هذه الورقة تحليل مفهوم المحافظة والتحرر، إلاّ أنه يمكن ملاحظة سوء الفهم الذي يحيط بهذا المفهوم، ما انعكس سلباً على معالجة قضية المرأة في إطارها الصحيح. وللأسف الشديد فإنّ الإعلام الفلسطيني وقع في المأزق نفسه، حين تناول القضية دون إعمال الجانب النقدي للاتجاهات التي تحكمها، فكان معيناً على التخبط، أكثر من كونه دالاً على الطريق الرشيدة، وهذا بدوره يعيدنا إلى النقطة الأساس في هذه الورقة ، وهي أنّ الإعلام لا ينشأ من فراغ، وإنما هو انعكاس لما يدور في المجتمع، على الرغم من قدرته على أن يكون انعكاساً كاشفاً، بالمعنى النقدي.
وإذا كان الإعلام الفلسطيني، شأنه شأن بقية الإعلام العربي، قد تناول المرأة في أربعة أدوار هي: دور الأنثى، دور الزوجة، دور الأم، وأخيراً دور المواطنة. فإنه مع بداية انتفاضة الأقصى، ركز اهتمامه بصورة أكبر على الدورين الأخيرين، وإن غطى دور الأم على دور المواطنة، لأسباب كثيرة، سنتعرض لها عند تناول هذين الدورين بشيء من التفصيل.

ونظراً لهذه الإشكاليات المتعددة التي لا يتسع المجال لذكر تفاصيلها، فإنني سأقصر حديثي على عدد من النقاط التي قد تأتي على ذكر بعض تلك الإشكاليات، وإن كان بشيء عرضي، وهذه النقاط هي:
1- صورة المرأة في الإعلام؛
2- مدى مساهمة المرأة في الإعلام؛
3- هل يقوم الإعلام الفلسطيني بدور إيجابي في دفع قضية المرأة.

ولكن قبل أن نتعرض إلى هذه النقاط بشيء من التفصيل أود أن أتطرق لمدى أهمية الإعلام للمرأة، فالحقيقة أن قضية تحرر المرأة تتميز عن سائر القضايا المجتمعية الأخرى بخصوصية تنبع من تداخلها مع قضايا أخرى تتعلق بقضايا التحرر السياسي والاقتصادي، كما أنها تتسم بكونها ذات جذور تاريخية مستمدة من النسق الثقافي والقيمي والعرفي السائد في المجتمع.كل هذه التداخلات تدفعنا إلى أن نؤكد على أنّ العامل الحاسم في تغيير وضعية النساء يكمن في إحداث تغييرات جوهرية في هذه الأنساق والأعراف والتقاليد، من هنا يبرز دور وسائل الإعلام والسياسات المرتبطة بها في خلق هذه التغييرات من خلال قدرتها على التأثير الفاعل والمستمر والمركب على الفئات المجتمعية المختلفة، وهذا مهم جداً لقضية المرأة وإتاحة الفرصة أمامها لتحقيق مطالبها في سياق مجتمعي يرحب بهذه المطالب.

1- صورة المرأة في الإعلام:
على الرغم من أن وسائل الإعلام الفلسطينية الرسمية لم تهتم بتخصيص مساحات ثابتة لمعالجة قضايا المرأة الفلسطينية باستثناء بعض الجهود الضئيلة والباهتة في الإذاعة والتلفاز، إلاّ أنّ هناك جهوداً تستحق التقدير – وإن شابها بعض القصور في الرؤية والمعالجة – خرجت من أروقة مؤسسات العمل الأهلي النسوية كجريدة "صوت النساء" التي تصدر عن طاقم شؤون المرأة، ومجلة "ينابيع" التي تصدر عن جمعية المرأة العاملة، ومجلة "الغيداء" التي تصدر عن مركز شؤون المرأة، والتي تحاول أن تسد العجز الذي تعانيه موضوعة المرأة في الصحافة الرسمية، بل وأن تحاول تغيير نمطية الصورة المتداولة عن المرأة من خلال التوغل في كثير من القضايا التي تمس احتياجات النساء وتؤثر على حياتهن اليومية وطبيعة الأدوار التي يمكن أن يقمن بها، كالمشكلات التي يتعرضنّ لها في مجال العمل أو في مجال التشريعات القائمة، وإن اتسم الأداء الصحافي بعدم المنهجية والرؤية الإستراتيجية لقضايا النساء من حيث ربطها بجملة من التغييرات والقضايا المجتمعية الأخرى فمما لاشك فيه أن الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تشكيل صورة المرأة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدور الذي تمارسه في تشكيل النسق القيمي السائد في المجتمع، سواء كان هذا الدور سلبياً يساعد على تكريس العادات والمفاهيم التقليدية، أو إيجابياً من حيث مساهمته في تغيير مثل هذه العادات والتقاليد، وتحفيز الأفراد لامتلاك وعي مغاير ومستنير. ومن الملاحظ أنّ هناك نمطين سائدين في مجتمعنا لصورة المرأة عكسا نفسيهما على معالجات ومواقف وسائل الإعلام من قضية المرأة التي كشفت لنا حدّة التناقضات ودرجات التفاوت الاجتماعي والثقافي للمرأة الفلسطينية.

الأول: النمط التقليدي الذي يحصر المرأة في نطاق الأسرة، ويقصر صورتها حول المرأة الأم والزوجة وربة البيت والأخت والابنة، والحبيبة أحياناً، بينما لا تحظى الأدوار الأخرى للمرأة سواء في السياسة أو الثقافة أو مواقع الإنتاج إلاّ باهتمام هامشي، فيما يلعب الرجل دور المنتج والمقاتل وصانع القرار الوحيد. ومما لاشك فيه أنّ هذا التوجه يعكس قناعة القائمين على المؤسسات الصحافية، ومن البديهي القول أنّ تكريس هذا النمط يساعد على ترسيخ الطابع التقليدي لصورة المرأة لدى ذاتها. ويرتبط بهذا النمط صورة المرأة المستهلكة؟، وصورة المرأة الضحية المستسلمة لقدرها دون مبادرة منها لتغيير واقعها، ومثال ذلك المرأة أم الشهيد والمرأة المعنّفة. وفي هذا السياق يمكن الاستشهاد بدور "المرأة الفلسطينية كأم في الإعلام الفلسطيني."
إذ تعد صورة المرأة كأم في الإعلام الفلسطيني هي الأبرز، خاصة في فترات المد النضالي، وهي الصورة التي ازدادت وضوحاً مع الانتفاضة الأولى، ثم في الانتفاضة الحالية، التي تضاعف فيها الحديث عن أم الشهيد، البطلة، المعطاءة، الصبورة، في ظل تصاعد العنف الإسرائيلي كماً ونوعاً، وعلى الرغم من قداسة هذا الدور، إلاّ أنه جرى تحويره –غالباً- ليناسب الأهداف السياسة العامة. وبالتالي تم إزاحة كينونة المرأة كإنسان يستمد وجوده وتميزه من ذاته، لصالح ارتباطها بأبنائها، وكأن وجودها أصبح مستمداً من وجودهم –المعنوي هنا- وليس العكس. ولهذه الحالة خلفياتها الاجتماعية، التي يعاد إنتاجها بشيء من القداسة في وضع الاستشهاد. فمنذ أن تتزوج الفتاة ، تعرّف بزوجها، وبعد أن تنجب، يلغى تعريف الزوج لصالح التعريف بها من خلال الابن، فهي أم محمد وأم حسين وأم أحمد وهكذا، حتى أصبحنا لا نستغرب وجود الكثير من الأبناء الذين لا يعرفون أسماء أمهاتهم.
هذا من ناحية المضمون، أما من ناحية الشكل، فقد كان الخبر، ثم التقرير أكثر أشكال الفنون الصحافية معالجة لهذا الدور، خاصة في الصحافة الرسمية، فيما استأثرت الصحافة النسائية، على قلتها، بالقصة الإخبارية، في محاولة لإعطاء المرأة مساحة أكبر من الاهتمام، وهي هنا الفئة المستهدفة لهذه الصحافة. وارتبط بهذا التوجه تغليب الحس الإنساني على الجانب السياسي والشعاراتي، وكان هناك إلى حد ما إنصات جيد لآلام المرأة الدفينة والمركبة وهي تعيش هذه اللحظة الحاسمة من حياتها.
لكن على الرغم من أنّ أمهات الشهداء جميعاً قد تساوين في المصاب، غير أنهنّ لم يتساوين في الرعاية الإعلامية، وهي هنا تساوي نوعاً من الدعم المعنوي، بل تفاوت الاهتمام بهنّ بين التبجيل المبالغ فيه إلى حد الفانتازيا، والإهمال الشديد إلى حد النسيان أو مجرد الذكر العابر.

الثاني: النمط الغربي الذي تسرب إلينا صراحة وضمناً عبر الاحتكاك السياسي والاقتصادي والثقافي الذي عكس نفسه في مجموعة من السلوكيات والتوجهات في المجالات كافة، بما فيها النظرة لقضية المرأة التي تتبنى فكرة تحرير المرأة من خلال تحطيم النظام الأبوي، وعزل قضية المرأة عن القضية المجتمعية وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة. وقد أدى ذلك إلى تركيز وسائل الإعلام على فئة محددة من النساء تتمثل في الشريحة العليا منهن، فيما تم تجاهل نساء الريف والبادية والمناطق المهمشة، وإن كانت هناك استثناءات محدودة تظهر بشكل موسمي وسرعان ما تختفي لصالح الموضوعات الأكثر بريقاً. غير أنه يحسب لهذا النمط إضافة دور جديد للمرأة الفلسطينية حاول كثيراً الإعلام الفلسطيني تسليط الأضواء عليه، وإن اختلفت التوجهات والرؤى، وربما أيضاً الحسابات وهو "دور المرأة كمواطنة."
وهو دور تنامى في المجتمع الفلسطيني مع تنامي فكرة المجتمع المدني. وهو دور يتعامل مع المرأة باعتبارها ذاتاً فاعلة تمتلك كينونة مستقلة، وليست تابعاً أو خاضعاً. وهذه الذات الفاعلة تتجاوز حدود المنزل والأسرة إلى مجالات تطال حدود المجتمع والوطن ككل، وتتجلى في اهتمامها بالشأن العام، وإن تفاوتت مستويات هذا الاهتمام لأسباب تتعلق بالمرأة ذاتها، أو لأخرى ناتجة عن طبيعة وبناء المجتمع.
ويرتبط هذا الدور في المجتمع الفلسطيني بالشريحة العليا من النساء ذات الاهتمامات النخبوية، والمنتمية غالباً إلى المؤسسات الأهلية والنسوية أو إلى الأحزاب. وقد لوحظ خلال انتفاضة الأقصى الحالية تأخر ظهور هذا الدور عن دور الأم بفترات طويلة، بعكس ما حدث في الانتفاضة الأولى، حتى أن العديد من المؤسسات النسوية الناشطة وجدت نفسها في حالة إرباك شديد وهي تفاجأ بالانتفاضة تدق جدرانها دون أن تقدر على التفاعل السريع معها. وهذا أدى بها في النهاية إلى أخذ مساحة من الوقت حتى استوعبت الحدث، وحورت برامجها إلى ما يناسب من وجهة نظرها ما هو موجود على أرض الواقع. لكنها وهي تفعل ذلك لم تنجح أن تخلق استراتيجيات نسوية فاعلة بقدر ما غيرت فقط في محتويات أشكال فعالياتها القديمة. بمعنى أنّ نشاط المؤسسات النسوية والأهلية ظل منحصراً في الندوات والورشات والمؤتمرات كما هو في السابق، وإنّ حوّر مضمونها لصالح موضوعة المرأة والانتفاضة، ليبقى هذا هو الشيء الوحيد الجديد، وإن تحول فيما بعد إلى عمل روتيني لا يثير اهتمام سوى المتنافسات على مساحات الضوء القليلة في هذه البلاد.
ونستطيع أن نلاحظ تأخر ظهور هذا الدور في الصحافة الفلسطينية من خلال عدد من التحقيقات والمقالات التي حاولت أن تفسر انحسار وتراجع دور المرأة في انتفاضة الأقصى. وهنا علينا أن نؤكد على أنّ الفجوة بين النخبة النسائية والقاعدة الجماهيرية كانت موجودة قبل اندلاع الانتفاضة، التي جاءت لتكشف عن نواقصنا، ليس فقط على مستوى الحركة النسوية ولكن في مجمل حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لقد بح صوت الحركة النسوية قبل الانتفاضة من أجل المطالبة بربط الجانب المجتمعي بالجانب السياسي، وعدم تغليب الأخير على الأول، وبمجرد اندلاع الانتفاضة، ركنت هذه الأصوات إلى السكون، مصابة بحالة من الذهول والوجوم. وحين نطقت ناقضت نفسها، واشتغلت على قضايا آنية ذات طبيعة سياسية انفعالية لم تستطع تجاوزها لفترة طويلة نسبياً، حتى استطاعت الاقتراب من بلورة رؤية واضحة من ما يحدث، ومن ثم العمل على تحقيق أهداف كان من المفترض أن تكون مسبقاً على الأجندة النسوية، حتى أننا وجدنا العديد من المؤسسات النسوية تتحول إلى الجانب الإغاثي الآني ليس أكثر، على ما فيه من إهانة للمرأة، وما يحمله من دلائل على الفكر الذي تحمله هذه المؤسسات عن طبيعة دورها في المجتمع. المرأة/الانتفاضة/الإعلام إلى جانب الدورين السابقين، عالجت الصحافة الفلسطينية أدواراً أخرى للمرأة الفلسطينية فرضتها طبيعة الظرف السياسي، وصعود مشاركة النساء في انتفاضة الأقصى، باعتبارهنّ إحدى فئات الشعب الذي تعرض جميعه للعدوان، فكان منهنّ الشهيدة والجريحة والمقاومة للهدم والتجريف، والمحاصرة في المدن والقرى وعلى الحواجز. وهي معالجات كانت بطلتها الأولى والأساس، تلك المرأة البسيطة، ابنة المخيمات والفقر غالباً، وكان دوماً دور المرأة الجنوبية، خاصة في قطاع غزة، هو الأكثر بروزاً ومعاناة وصموداً أيضاً. وشهدت مناطق الاحتكاك المباشر مع العدو الإسرائيلي يومياً، مئات القصص اليومية لنساء قاومنّ وتصدينّ وعانينّ بعيداً عن المزايدات الإعلامية، بل إنّ كثيراً منهنّ كنّ يرفضن الحديث مع وسائل الإعلام لعدم ثقتهن المبررة أحياناً في جدوى الحديث.
وفي هذه المعالجات تساوت إلى حد كبير معظم الصحف في المساحة والأهمية التي أولتها إياها.
بقى أن أشير هنا إلى ملاحظة ملفتة للنظر وهي أن الدور الذي قام به الصحافيون الرجال في التغطية الإعلامية لدور المرأة في انتفاضة الأقصى، كان أكبر بكثير من ذلك الدور الذي قامت به الصحافيات، خاصة فيما يتعلق بالنزول إلى ميدان المواجهة، ومتابعة الحدث أولاً بأول. وهذا بالطبع يعود مرة أخرى إلى طبيعة المجتمع الفلسطيني المحافظ الذي لم يتقبل بعد مثل هذه الأوضاع وإن كانت هناك بعض الاستثناءات.

هذا ويمكن اختصار الحديث عن صورة المرأة في وسائل الإعلام في النقاط التالية:
يمثل تناول قضايا المرأة في الصحف الفلسطينية الرسمية وغير المتخصصة تناولاً ضعيفاً بشكل عام، ويرجع هذا إلى انعدام المساحات الثابتة والمستمرة المخصصة لقضايا المرأة، مما يعطي مؤشراً بعدم قناعة المسؤولين عن وسائل الإعلام بأهمية دور المرأة في المجتمع.
1- تتركز المضامين الإعلامية الموجهة للمرأة حول الدور التقليدي للمرأة الذي يركز على أمور الطهي والمطبخ والأطفال والزوج والأزياء والتجميل وصيحات الموضة، في الوقت الذي يتم فيه إقصاء الأدوار الأخرى للمرأة باعتبارها كائناً منتجاً وفاعلاً في المجتمع.
2- هناك استثناءات موسمية ارتبطت بتوجهات وجهود بعض المؤسسات النسوية استطاعت طرح بعض القضايا التي تمس أوضاع النساء مثل إبراز المشكلات التي تعاني منها المرأة في مجالات العمل والصحة والزواج المبكر وفي التشريعات والقوانين القائمة.
3- تركيز معظم وسائل الإعلام على فئات محددة من النساء وتهميش وتغييب فئات أخرى كالمرأة الريفية والمرأة في المخيمات والمرأة البدوية، وإن حدث وتم تناول قضايا هؤلاء النساء فإنها تتم بشكل خاطف وسريع وموسمي يفتقر إلى العمل الواضح والممنهج المبني على معطيات الواقع والمستمد من احتياجاتهن الحقيقة.
4- هناك اهتمام لبعض المهن النسائية على حساب مهن أخرى، ودائما ما نجد أن جل الاهتمام الإعلامي منصب على النساء اللواتي يعملن في وظائف ومهن نخبوية، إضافة إلى فرض تسييس المرأة من منطلق علاقتها بالحزب حتى في موضوعات بعيدة عن السياسة.
5- تركز وسائل الإعلام على المرأة في مرحلة الشباب والنضج والخصوبة، فيما يتم إقصاء مرحلتي الكهولة والشيخوخة إلى زوايا معتمة. أما الفتيات صغيرات السن فإنهن لا يشغلنً أي اهتمام لدى وسائل الإعلام.
6- تستغل وسائل الإعلام المرأة كأداة إعلانية أو كمستهلك أساس وغالباً ما يتم استخدامها في الجانبين معاً، حيث تستخدم في التأكيد على القيم المظهرية والشكلية والاستهلاكية في مقابل إغفال القيم الإنتاجية وقيم المشاركة السياسية والإبداع والفكر.
7- تتحاشى وسائل الإعلام الاقتراب من بعض القضايا النسائية الخلافية مثل قانون الأحوال الشخصية والأسباب الاجتماعية لبعض الجرائم النسائية، واشتغال المرأة ببعض المهن كأن تكون رئيسة تحرير لصحيفة يومية، أو رئيسة جامعة، أو رئيسة بلدية.
8- غياب القاعدة الجماهيرية واحتياجاتها عن قائمة والأولويات الإعلامية ، خاصة وأن الدلائل تشير إلى عدم امتلاك الإعلاميات لتصور محدد عن الجمهور النسائي الذي يتوجهن إليه برسالتهن الإعلامية، وقد أدى هذا إلى اختراع جمهور نسائي قائم على التخيلات والانطباعات الذاتية والتخمين. مدى مساهمة المرأة في وسائل الإعلام على الرغم من العطاء اللامحدود للمرأة الفلسطينية في النضال والمقاومة ضد الاحتلال، إلاّ أنّ هذا العطاء يتراجع كثيراً في أمور الحياة، ولا نستطيع حتى الآن اختبار مدى قدرتها على العطاء والتميز في مثل هذه الأمور بسب عدم استقرار الحياة السياسية للشعب الفلسطيني، غير أنّ هناك بعض المؤشرات المضيئة مثلما هناك أيضاً العديد من الإشارات السلبية التي تحذرنا من مغبة الاستمرار فيها ونحن ننشد مجتمعاً متقدماً ومتميزاً.
وكما قلت سابقاً فإنّ الحديث عن المرأة في الإعلام يعد جديداً بالمقارنة بمساهمتها في النضال الوطني، وهذا يعنى أنّ دور المرأة في الإعلام سيظل محدوداً بعمره الزمني القصير نسبياً. ولكن من جهة أخرى فإنّ الجهد المبذول لتعظيم هذه المساهمة لم يزل ضعيفاً، وذلك راجع لعدة أسباب منها ما يتعلق بالإعلاميات أنفسهن، ومنها ما يتعلق بالقائمين على صنع القرار الإعلامي، وما يرتبط به من سياسات إعلامية.
إن الجهود البحثية والدراسية التي تتعرض لحجم مساهمة المرأة في الإعلام لم تزل ضعيفة إن لم تكن معدومة. ولم يزل السؤال مطروحا: لماذا تبتعد النساء عن الإعلام، سواء كانت مساهمة أو متلقية أو صانعة قرار؟. وحتى الآن لازلنا لا نعرف كم عدد النساء اللواتي يقرأن جريدة يومية مقابل الرجال، وكم منهن يقبل على شراء الصحف اليومية أو مجلات أسبوعية أو شهرية. ومن جهة أخرى كم امرأة لدينا تعمل رئيس تحرير لأية وسيلة إعلامية مقروءة، وكم واحدة شغلت رئاسة نقابة الصحافيين، بل كم واحدة استطاعت أن تخترق جدار هيئتها الإدارية وتكون عضواً فيها. إن المؤشرات العامة تشير إلى ضعف هذه النسب بشكل كبير بين النساء مقارنة بالرجال في الحالتين الأوليين، وانعدام وجوده في الحالتين الأخريين.
إذن ما السبب؟ ليس سبباً واحداً بل جملة من الأسباب تتعلق بالسياسة العامة للسلطة وبتركيبتها القائمة، ومنها ما يتعلق بالنظرة السائدة في المجتمع للمرأة باعتبارها كائناً ناقصاً يقاد ولا يقود، وهناك أيضاً عدم ثقة العاملات في المهنة بأنفسهن وقدراتهن، وهناك أسباب تعود إلى الأسرة وأخرى إلى المؤسسة الإعلامية . أما الحل فإنه يحتاج إلى جهود متعددة ومستمرة ومبنية على قراءات واقعية للحقائق والمعطيات حتى يمكن الخروج بنتائج مشرفة. هل يقوم الإعلام الفلسطيني بدفع قضية المرأة من السذاجة الإجابة بنعم أو لا على هذا السؤال الذي يبدو سهلاً، غير أنه ملغم بالأشواك. إنّ الواقع الفلسطيني شديد الخصوصية والتعقيد قد عكس نفسه بقوة على الوضع الإعلامي برمته، وبدت لنا القضايا والمشكلات متشابكة ومعقدة حتى أنه يصعب معها أي حل. لكن الأمر ليس بهذه القتامة تماماً، فلم يزل هناك فسحة من الوقت لتدارك الأخطاء والسهوات التي وقعنا فيها جميعاً أفراداً ومؤسسات وسلطة، لكن ذلك أيضاً يحتاج منا إلى إيمان حقيقي بأهمية الإعلام وأهمية أن يكون للمرأة دور أساس فيه، والإقرار قبل كل شيء بأنّ هناك أخطاءً مورست ولم تزل تمارس بحق المرأة والإعلام على حد سواء. وأول هذه الأخطاء أنه حتى الآن لم نعرف ما الذي يريده المجتمع من المرأة، وما الذي تريده المرأة من المجتمع. هذان السؤالان المتداخلان هما مفتاح الكثير من القضايا المجتمعية التي لا يقتصر وجودها على المرأة فقط بل يمتد إلى كل أفراد المجتمع ومؤسساته. وعلينا أنّ نقر هنا أنّ وسائلنا الإعلامية المختلفة تعاملت مع قضية المرأة بشكل سطحي، وموسمي، ومن منطلقات واتجاهات فكرية متناقضة، ربما تكون براقة لكنها لن تؤسس لمنجزات حقيقية على أرض الواقع.

في ضوء ما سبق يمكننا اقتراح عدد من التوصيات التي قد تعزز موقع المرأة في الإعلام:
1- من المهم جداً كأساس معرفي أن يتم توفير قاعدة معلومات وإحصاءات متخصصة تقوم على أساس الجنسانية في وسائل الإعلام، حتى يمكن السير على هديها في أية خطط مستقبلية تتعلق بالمرأة والإعلام.
2- ضرورة أن تقوم وسائل الإعلام باستطلاعات دورية منتظمة للتعرف على اتجاهات الجمهور واحتياجاته بما فيه الجمهور النسائي وتحديد سماته الواقعية ومشاكله واحتياجاته الفعلية، والاستعانة بها في رسم وتحديد التوجهات العامة للسياسة الإعلامية في مجال الإعلام النسائي.
3- التوسع في عقد الدورات التدريبية وحلقات النقاش المركزة والموسعة للإعلاميات والإعلاميين على حد سواء فيما يتعلق بقضايا المرأة.
4- تفعيل دور الإعلام المستقل المرتبط بمؤسسات نسوية، مع إعطاء دور أكبر للمرأة في القيام على هذا الإعلام.
5- إتاحة الفرصة كاملة أمام الصحافيات للاستفادة من المنح التعليمية ذات الصلة والدورات التدريبية محلياً وعربياً ودولياً.
6- تمكين الإعلامية من الوصول إلى مناصب صنع القرار في المؤسسات الإعلامية من خلال توفير الفرص والخيارات أمامها من أجل تطوير قدراتها المهنية والعملية.
7- إشراك الإعلامية في السياسات الإعلامية وفي التخطيط للبرامج الإعلامية.
8- تشجيع الدراسات والبحوث المتخصصة بأوضاع المرأة في المجتمع بما فيها الإعلام، من أجل إعداد كادر نسوي على قدر عال من الكفاءة والمعرفة والمهنية المتخصصة.

دنيا الأمل إسماعيل