المرأة، ضحية الثقافة المجتمعية وقربان عائلتها!

بقلم: أحلام أكرم

في الأزمنة القديمة كانت المرأة تقدم قربانا للآلهة. وفي عصر الجاهلية كانت الأنثى توأد، أي تدفن حية، خوفا من العار، وإن لم يكن هناك إثباتات كافية لإعتبارها ثقافة مجتمعية في العصر الجاهلي. وجاء الإسلام نور يهدي الجاهليين. وبالتأكيد حرم وأد المرأة.

في القرن الحادي والعشرين توقفت كل المجتمعات عن هذه الجريمة البربرية. لكن المرأة العربية لا زالت توئد حين تقدم من عائلتها كقربان للمجتمع، لكي يعفو عن عائلتها كعقاب لكلاهما: الفتاة حين خرجت عن السلوك العام الذي قرره هذا المجتمع... والعائلة حين سمحت لهذه الفتاة أو تغاضت عن مثل هذا السلوك؟

تقدم المرأة كنوع من التطّهر العلني قد يشترك أفراد العائلة بما فيهم الأمهات في عقابها. وتحت ستار الثقافة المجتمعية يؤمن الجميع بدعم الدين لهذا القتل. ورسالتهم للمجتمع واضحة مفادها: لقد قمنا بتقديم إبنتنا قربانا تلبية لرغباتكم وتطهرنا من العار فهل نطمع في عفوكم بعد أن عفا الله عنا؟

ترى هل عفا الله عنهم في جريمتهم تلك؟ الله جل وعلا الذي أكد بأن من قتل روح بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعا، وهل ميّز الله بين روح الذكر والأنثى حين خلقهما؟

قتل بدافع الشرف كجريمة قد تحدث في أي من دول العالم ولا تقتصر على المنطقة العربية وحدها. ولكن الجاني في كل هذه الدول يخضع للقانون الذي يعاقبه بإعتبارها جريمة متكاملة الأطراف بدون تغطيتها بأي مبرر، كما حدث في عدد من جرائم قتل الشرف في بريطانيا، وكما تحذر السويد من هذه الجرائم وتؤكد على عقوبتها الكاملة لمحاصرتها وللحد من حدوثها أو نقلها عن طريق ثقافة المهاجرين إليها. بينما في المجتمعات العربية يستطيع الجاني التهرب من أية عقوبة تحت مجموعة من المبررات القانونية التي وضعها المشرّع العربي المسلم.

ولكن هذا المشرّع المؤمن، لم يضع أي مبررات لتخفيف العقوبة أسوة بتشريعه ذلك للرجل في حال قيام المرأة بنفس الجريمة، فيما إذا ضبطت زوجها متلبسا بعملية جنسية مع إمرأة أخرى لأنها وربما تكون زوجة ثانية، أو ثالثة، وحتى إحدى جواريه؟

في تقرير لقناة بي بي سي العربية عن تزايد جرائم قتل الشرف في فلسطين، جاء في بداية التقرير "سيطرت حالة من الغضب على الشارع الفلسطيني عقب تزايد جرائم القتل بحق نساء في مختلف المناطق الفلسطينية، تحديدا أن معظم هذه الجرائم تمت خلال شهر رمضان الجاري". إضافة إلى قول الجهات الأمنية بأنها تكتشف الجرائم عن طريق الصدفة حيث لا يتم ابلاغ الشرطة عنها بل يعمل الفاعلون على التستر على الجريمة. كما شارك الفاعل مع ثلاثة من أصدقائة في عملية قتل آية إبنة الخليل!

قضية القتل بدافع الشرف جريمة ليست بجديدة على الساحة الفلسطينية وتبرير المشرّع الفلسطيني لتقاعسه في هذا النوع من القضايا بأن الاراضي الفلسطينية تخضع لجملة من قوانين العقوبات الاردنية في الضفة الغربية وقوانين العقوبات المصرية في قطاع غزة وكذلك قوانين عقوبات الحكم العسكري الاسرائيلي بالاضافة الى قوانين العقوبات التابع للانتداب البريطاني، غير صحيح لأنه ليس هناك من تشريع إسرائيلي لهذه القضية في الأراضي المحتلة. فالدولة الإسرائيلية تعتبرها جريمة يعاقب عليها الجاني بأقسى العقوبات وبالتالي تفرض أقسى العقوبات على مواطنيها حتى أؤلئك الذين من أصول عربية. وبالتاكيد هي المرة الأولى التي لا يخضع فيها مواطنها من أصل فلسطيني للتمييز. بينما إستقر رأي وإعتقاد المشرّع الفلسطيني على حصر مفهوم الشرف في إرتكاب الفتاة الممارسة الجنسية غير المشروعة أو غير المحللة بعقد زواج حتى وإن كان عرفيا أو مسيارا أو أي شكل آخر من أشكال الزواجات المتعددة. المهم هو مسؤوليتها وحدها عن عفتها حتى وإن كان الجاني قريبا أو بعيدا.

سؤالي للمشرّع الفلسطيني لماذا تهاون في سن قوانين صارمة ورادعة منذ وصول السلطة الفلسطينية عام 1993؟ لماذا لم يجرؤ على سن قانون عقوبات يتناسب مع حجم ونوعية هذه الإعتداءات؟ ولماذا حصر الشرف في جسد المرأة وحدها؟

في النقاش الذي أدارته قناة البي بي سي مع الدكتور غسان الخطيب والذي إقتصر على حوار حول تنامي ظاهرة قتل الشرف في فلسطين، أصر الخطيب على أن الثقافة المجتمعية هي السبب الأول في عملية القتل، إضافة إلى تضافر الإحتلال والفقر والبطالة. لم يشر إلى أن السلطة الوطنية وبعد دخولها الأراضي فّضّلت ترك قضايا المرأة لأسرتها وللقضاء العشائري الشعبي الذي يستمد أحكامه من العادات والتقاليد وبعض أحكام الدين، وأنها قد تكون مسؤولة حين غيبت الإحساس بالضمير الأخلاقي تحت وهم وشعار أن النضال الوطني من أجل التحرير يقع على قمة الأولويات، وأن أهم دور للحكومة في المجتمعات الراقية هو تغيير الثقافة المجتمعية المتجذرة في المنطقة العربية المسلمة كلها.

السلطة الوطنية ساهمت بطريق غير مباشر في تغييب الوعي الجمعي حين لم تعمل على تغيير المناهج التعليمية بما يتناسب مع القرن الحادي والعشرين، وحين أبقت في مناهجها التعلمية على أحاديث دونت بعد 300 سنة من وفاة النبي. أنه تتناقض صارخ مع المبادئ الأخلاقية التي حرّمت وأد البنات. فهذه المناهج لم تعمل إلا على إعادة تجذير وترسيخ لثقافة مجتمعية تعتبر المرأة عورة وتحلل قتلها خوفا من العار المجتمعي الذي سيلحق بها في حال خطيئتها؟

أما عجزالسلطة عن إحداث أي تغيير في القانون او إستنباط قوانين جديدة تنبثق وتتماشى مع المبادىء العالمية لحقوق المرأة، فقد أدى بدورة إلى زيادة الفجوة الطبقية الموجودة أصلا والتي من نتائجها تناقض مجتمعي ثقافي وحضاري كبير بين العائلات الفلسطينية ثم بين مدن وقرى الضفة الغربية.

في مجتمع يربيها على موروث ديني عقيم وتقاليد ظالمة تحرم حتى العلاقات الطبيعية بين الرجل والمرأة، ويشكل الجنس فية قضية أولية، ألم يكن من المفروض ان تكون قوانين العقوبات وحماية المرأة من العنف المتفشي الطريق الوحيد لإرساء سلطة القانون وسيادته؟

نعم لقد أفاق المجتمع الفلسطيني من نومته وغضب من تزايد قضايا قتل المرأة ووحشية عملية القتل. وإستفاقت السلطة الوطنية ممثلة برئيسها حين أصدر قرارا بتوقيف العمل الفوري بالمادة 340-341 وهي المواد المأخوذة من قانون العقوبات المعمول به في الأردن والضفة الغربية ولكن وجود وبقاء المادة 98 من القانون ذاته يبقي مفعول المادتين السابقتين لأنهما تأخذان في الإعتبار العذر والعقوبة المخففة لمن يقدم على فعلته تحت تأثير ثورة غضب شديد.

القوانين المعمول بها في كل الدول العربية ما عدا تونس (والتي تتجه إلى شتاء حالك بعد ربيعها) تتخذ من الأحاديث ولي عنق الآيات بما يتماشى مع مصلحة التفكير الذكوري الأساس للتعامل مع قضايا وشئون المرأة. وبما أن قانون العقوبات يرتبط بحياة الأفراد والمجتمع ككل فقد ربط فقهاء الدين ما بينه وبين حياة البشر مما أخضع النصوص المرتبطة به إلى حالة المد والجزر ما بين تفسيراته تبعا لحالة الأفراد وبما يستفيد منة الذكور فقط تبعا للثقافة المجتمعية التي تتخذ من الأحاديث قرآنا آخر يحكمها وتتأسى به؟

نعم فصل الدين عن الدولة والإلتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمرأة هي الطريق الوحيد للتخلص من الإحتلال النفسي الجاثم على قلوبنا وعقولنا. وقد يكون طريقنا للخلاص من الإحتلال نفسه حين ننجح في كسب إحترام العالم الذي يقيس مدى همجيتنا بالتعامل مع المرأة والقوانين المعمول بها في هذا الصدد. وقتل الشرف يمثل قمة البربرية والهمجية...

أحلام أكرم

منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية

www.basira.co.uk