المذكرات السياسية.. هل تبيض وجه صاحبها؟

الجماليات والتفسير التاريخي للحدث

استضافت لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة في اجتماعها الأخير الدكتورة راندة علي، الأستاذة بقسم اللغة الفرنسية وآدابها بجامعة القاهرة لإلقاء الضوء على تجربة مهمة تم اعتمادها بجامعة القاهرة لاستفادة الباحثين في مرحلة الدكتوراه من توجيه الأساتذة بجامعات مصر وفرنسا، وتوضيح كيف تم تطبيق ذلك على الدكتورة رانيا علي، الني تتلمذت عليها أثناء إعدادها لرسالتي الماجستير والدكتوراه.

وبعد أن رحب مقرر اللجنة الدكتور السيد فضل بالدكتورة رندة والدكتورة رانيا علي، طلب من الدكتورة غراء مهنا، عضو اللجنة وصاحبة الاقتراح، أن تتحدث عن هذه التجربة، فأشارت إلى أن هذه التجرية تختلف عما يعرف بالإشراف المشترك، إذ تتم بموجب بروتوكول محدد بين جامعتين؛ إحداهما في الداخل والأخرى في الخارج، وهذا البروتوكول يكون باسم باحث بعينه يمنح في النهاية شهادة من الجامعتين بعد أن يمضي مدة في كل جامعة، ويفيد خلال هاتين المدتين من أستاذيه في هاتين الجامعتين.

وبدورها ذكرت الدكتورة رندة أنها أشرفت على رسالة الماجستير التي أعدتها تلميذتها الدكتورة رانيا علي، وتناولت فيها القصة القصيرة وعالم الغرائب والفانتازيا والسخرية في أدب القرنين التاسع عشر والعشرين.

وعندما جاء وقت التفكير في موضوع للبحث في رسالة الدكتوراه كانت الباحثة أميل إلى أن يكون متعلقًا بالمجتمع العربي ومتصلًا بالأدب المقارن، فجاء التفكير في مذكرات نوبار باشا التي كتبت بأسلوب أدبي فرنسي رائع، ولم تخضع للبحث من هذه الوجهة الأدبية، على الرغم من دراسة المؤرخين لها.

واقترحت المشرفة على الباحثة أن تتناول في رسالتها مذكرات نوبار باشا، ومذكرات الخديو عباس حلمي الثاني، لاسيما وأننا في مصر قد لاحظنا تعمد طمس هذه الفترة من تاريخنا الحديث، وكان أول رد فعل للباحثة تجاه هذا الاقتراح واضحًا في قولها لمشرفتها: "ولكن نوبار خائن!"

فقالت المشرفة: "دعينا نحكم بعد القراءة المتأنية للنصوص".

وهنا يعلق الدكتور السيد فضل بأن نوبار هو الذي نعت بالمستبد العادل، ويذكر أن أحفاده لا يزال كثير منهم يعيشون بيننا في مصر، ويعملون بتجارة الأدوات الصحية.

ويضيف بأن أحد أفراد هذه العائلة كان تلميذًا له في الجامعة الأميركية، وكان يقول إن جده نوبار باشا هو صانع النهضة الحديثة في مصر وليس محمد علي!

ويوجه الدكتور السيد فضل سؤالًا للباحثة الدكتورة رانيا علي: "هل كان نوبار يفهم العربية؟"

فتجيب بسرعة: "لا".

ويكون طرح هذ السؤال إيذانًا بعرض تجربتها، فتوضح في البداية أن موضوعها هو "استراتيجيات كتابة المذكرات السياسية"، وفي رحابه تناولت مذكرات نوبار باشا، ومذكرات الخديو عباس حلمي الثاني، وهو آخر خديو حكم مصر.

وأشارت إلى أنها تناولت هذا الموضوع من زاوية أدبية دون إغفال لقيمته التاريخية، على اعتبار أن التاريخ والسياسة والفلسفة والتربية لا تثري المذكرات السياسية، فحسب، بل تميز هذا النوع من الكتابة الذاتية عن غيره من الأشكال المختلفة لأدب الشهادة.

وفي محاولة لإضاءة شخصية نوبار ذكرت الباحثة أنه عمل مترجمًا بقصر محمد علي، وتدرج في المناصب وشغل الوزارة ثلاث مرات؛ في عهد إسماعيل، وتوفيق، وعباس حلمي الثاني. وقد خدم سبعة ممن حكموا مصر إلى أن اعتزل الحياة السياسية في عهد عباس حلمي الثاني نظرًا لظروفه الصحية.

وقد أكد في مذكراته على أهم منجزاته ومنها: انشاء المحاكم المختلطة، والدفاع عن حقوق الفلاح، ومساعيه لإلغاء الرق والسخرة، واعتراضه على شروط مشروع حفر قناة السويس، وقد ذكر أنه نصح سعيد باشا بعدم اتمام المشروع لأنه سيكون مقدمة لاحتلال مصر.

وتوضح الدكتورة رانيا أن أهم ما لفتها في هذه المذكرات، تلك الصورة التي رسمها نوبار باشا للخديو عباس حلمي الأول لتصحح الصورة الشائهة التي استقرت في أذهاننا طويلًا عن أنه كان حاكمًا منغلفًا متعصبًا بعيدًا عن روح العصر.

وهنا يعلق الدكتور السيد فضل قائلًا: هذا كلام مهم، فكل خيالنا عن عباس الأول أنه كان انغلاقيًا وأمر بقفل المدارس مما أدى إلى قتله في مدينة بنها التي أعيش فيها.

وترد الباحثة: رجال الأعمال الأجانب هم الذين شوهوا صورته لرفضه المشروعات التي كان يوقن أنها زائفة. وكان يقول لنوبار باشا: "لست سمسارًا.. ولا شأن لي برجال الأعمال.. ولن أمرر أي مشروع دون دراسة".

ويعود مقرر اللجنة الدكتور السيد فضل لطرح سؤال دال: "ألم يغلق هذا الحاكم مدرسة الألسن؟

فترد الباحثة: "لم تشر مذكرات نوبار باشا، من قريب أو بعيد، إلى ذلك".

وكان الدكتور السيد فضل قد طلب منها أن توضح الفارق بين عباس الأول بن طوسون برجعيته، وعباس حلمي الثاني بن محمد توفيق الذي كان تنويريًا.

فعباس الأول هو من أوقف مشاريع جده محمد علي ومن بينها إغلاق مدرسة الألسن، وهو من قتل في بنها في ظروف غريبة.

وتركزت معظم حوارات أعضاء لجنة الدراسات الأدبية واللغوية حول ضرورة إظهار جماليات المذكرات، وأكدت الباحثة على أنها وازنت بين الجماليات والتفسير التاريخي للحدث، واعتبرت أن المذكرات هي فن كتابة التاريخ الحي لتسجيل شهادة مباشرة أو غير مباشرة؛ فالمذكرات تقع بين صناعة التاريخ وتسجيل الحياة العامة لصاحبها من وجهة نظره الخاصة.

وأضافت بأن مذكرات نوبار باشا ومذكرات عباس حلمي الثاني تشتركان في تأكيد كل من الباشا والخديو على ولائهما لمصر وحبهما لها لاسيما وأن كليهما كان متهمًا بالتواطؤ مع الإنجليز.

ولم تنكر أنها في بداية رحلتها البحثية كان لها موقف من مذكرات نوبار باشا، لكنه تغير. والشيء ذاته حدث مع مذكرات عباس حلمي الثاني ومذكرات أحمد عرابي أيضًا.

واعتبرت مذكرات الخديو عباس حلمي الثاني ردًا على ما جاء في مذكرات اللورد كرومر، التي صدرت عام 1908 في مجلدين تحت عنوان "مصر الحديثة"، وفيها أكد أن نوبار باشا كان لعنة على المصريين، وأن شريف باشا كان الأفضل.

وأشار الكاتب محمد جبريل إلى أن مذكرات الخديو عباس حلمي الثاني نشرت ترجمتها عن الفرنسية عام 1951 بجريدة "المصري"، وسألت الدكتورة زينب العسال: هل لجأ نوبار باشا في مذكراته إلى الإنتقاء في عرض الأحداث التي مر بها؟ وهل ساعده ذلك على تبييض صورته أمام القارئ؟

واجابت الباحثة: لقد تناولت بالفعل موضوع الإنتقاء.

وذكرت أنها لمست أن كلًا من نوبار وعباس حلمي الثاني كان حريصًا على إنكار التهم التي كانت موجهة إليه وتسجيل الإنجازات باسمه وإثبات الولاء التام لمصر.