المد الشيعي في الجزائر.. مجاملة لإيران

الكسب المذهبي بات خطراً يُهدد المجتمعات

لعل ما يدفع إلى طرح المخاوف من انتشار التشيع في الجزائر، هو النفس البطيء للسياسة الإيرانية في نشر مذهبها، فهي تتحرك وَفْق رؤى وخطط طويلة الأمد تمتد لسنوات طويلة، حتى تبدأ نتائج تحركاتها تطفو على السطح.

لم يعد التشيع في الجزائر في مرحلته السرية، بل بدأ في الانتشار بشكل علني، تجاوز تحقيقات الأمن وعتبات القضاء، ووصل إلى ساحة الدبلوماسية، من خلال شواهد عديدة في ولايات عديدة من الجزائر، ووصل الأمر إلى فتح القضاء محضر تحقيق في قضية تهديد شرطي، يعتقد أنه اشتغل على تحقيق يخص ملف التشيع في تلمسان غرب الجزائر.

وقد انتشرت أخيراً، في بعض مساجد العاصمة الجزائر، كتيبات ومطويات شيعية، تحت عنوان "أدعية طواف وسعي"، تعلم المصلين كيفية الدعاء أثناء تأدية العمرة أو الحج، واللافت أن جزءاً من محتوى هذه المنشورات كتب باللغة الفارسية.أمّا حجم التشيع في الجزائر فهو ظاهرة حقيقية، باعتراف الكثير من فئات الشعب الجزائري، فقد بدأت تتوسع في ربوع الجزائر، بعد تشيُّع المئات من الجزائريين، بينما يصرح بعض الأئمة والمطلعين على خفايا التشيّع بأن عدد المتشيعين يصل إلى الآلاف.

أما أبرز الفئات التي تشيعت فهي: الطبقة المثقفة، مثل: أساتذة الجامعات، وبعض الطلبة، مما يعني أن الذين يقفون وراء حركة التشيّع في الجزائر يريدون بناء نواة جزائرية؛ تكون قادرة على الأخذ بزمام المبادرة والتخطيط والتنفيذ.

يتوسع التشيع وينتشر بفضل الدعاة النشطين، الذين يعمل أغلبهم في المؤسسات التربوية، وتوفر المراجع الشيعية المتداولة كالمجلات والدوريات والكتب، وأبرزها: مرآة الأنوار، مشكاة الأسرار، تفسير العسكري، مجمع البيان، تفسير الكاشي، تفسير العلوي، تفسير السعادة للخرساني، ومجمع البيان وغيرها من المراجع الأخرى التي كانت متداولة في بعض المساجد وبين عامة المصلين والطلبة، لعدم معرفة حقيقتها وخطرها على الكثير من القراء.

وعلى الرغم من أن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تحاول في كل مرة أن تقلل من مخاوف انتشار المذهب الشيعي في الجزائر، فإن عدداً كبيراً من المشاهد يضع الجزائر في قلق مستمر خشية نفوذ إيران فيها، والتي لن تكتفي بنشر التشيع فقط؛ بل ستتطور الأمور إلى تشكيل كيانات مسلحة مشابهة لما حدث في اليمن ولبنان والعراق وسوريا.

سبق أن أعلنت السفارة العراقية في الجزائر يوم الأربعاء 15 يونيو (حزيران) 2016 عبر موقعها الإلكتروني عن منح تأشيرات سفر للجزائريين إلى مزارات شيعية في العراق، بل ومنحهم تسهيلات استثنائية في هذا الإطار، الأمر الذي أثار موجة غضب شعبية عارمة في الجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي اضطرت فيه السفارة إلى سحب إعلانها من بوابتها الإلكترونية.

والحقيقة أن صيغة الإعلان هي بمثابة دعوة صريحة للتشيع: "تعلن سفارة جمهورية العراق في الجزائر للأشقاء الجزائريين من الشيعة أو الراغبين في التشيع، عن إمكانية التقدم لغرض الحصول على سمة الدخول إلى الأراضي العراقية لأغراض الزيارات الدينية (مزارات الشيعة في النجف وكربلاء)".

وأثار البيان موجة غضب واسعة في الجزائر، حيث شن نشطاء ومدونون وجمعيات أهلية وسلفيون حملة وطنية وصلت إلى حد المطالبة بطرد السفير العراقي من الجزائر.

وطلبت الحكومة الجزائرية منذ نصف شهر –تقريباً- من رجال دين وأئمة «الانتباه لخطر التشيع» انسجاماً مع خطاب وزارة الشؤون الدينية، الذي تجدد على لسان الوزير محمد عيسى. وعُلم أن الطلب وجِّه شفهياً لمكتب الإفتاء في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

وقد أكد السفير العراقي بالجزائر: عبدالرحمن الحسيني، عقب لقائه وزير الشؤون الدينية والأوقاف: محمد عيسى، بمقر الوزارة، أن السفارة العراقية في الجزائر معنية فقط بتطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأن الحملة الإعلامية المفبركة مبنية على أكاذيب لا يمكن تصديقها، ولن تؤثر على العلاقات العراقية- الجزائرية التي وصلت إلى درجة كبيرة من النضوج.

وقد صدرت عن زعيم التيار الصدري في العراق في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 تصريحات بشأن الشيعة في الجزائر، حيث دعاهم بكل صراحة ووضوح إلى أن يُجاهروا بتشيّعهم، وأن يخرجوا من قوقعتهم، وعليهم أن لا يخافوا من الثُّلة الضّالة، كما حثهم على الانفتاح على المجتمع وعدم التقوقع في إقامة شعائرهم وحسينياتهم.

صدر منذ عامين بإشراف لجنة تقصي الحقائق عن مركز "نماء للبحوث والدراسات" كتاب بعنوان "التشيع في أفريقيا- تقرير ميداني"، أراد هذا الرصد الميداني أن يتبين الواقع الفعلي لحقيقة النشاط الشيعي في البلدان السنية، وهل يصل التشيع إلى حد الظاهرة من حيث وجوده المؤسَّسي ومدى تحوُّل السنيين فعلياً إلى المذهب الشيعي، وصنف التقرير الجزائر من ضمن الدول التي يصل فيها النشاط الشيعي إلى مستوى الظاهرة، من حيث الجهود المبذولة والمؤسسات من مدارس ومساجد وحسينيات وبعثات دراسية، مع تحوُّل محدود إلى المذهب الشيعي.

الدعاية تبدأ هكذا والجزائري لقب من جزائر العراق لا جزائر أفريقيا

لا تتوافر أرقام رسمية حول عدد الشيعة في الجزائر، وبحسب مراقبين ما يزال الحضور الشيعي محتشما في الجزائر مقارنة بذلك الحضور المسجل في بعض البلدان المغاربية كالمغرب الذي يبدو واضحا من خلال وجود ثلاث جمعيات شيعية ثقافية معترف بها على الأقل وهي "الغدير" و"البصائر" و"التواصل".

ردود الفعل

ظلّت السلطاتُ الجزائرية تقلل من حقيقة حملات التشيع في الجزائر، خصوصاً مع عدم ظهورها إلى العلن على شكل مجموعات تتخذ من الشارع والملتقيات طريقةً للإعلانِ على نفسها، وتكررت التصريحاتُ التي تبرئ إيران من الوقوف وراء حركة التشيّع في البلد، وقد أسهم بعض القائمين على المساجد والدعوة في الجزائر في تغليط الرأي العام، عندما حاولوا نفي وجود التشيّع كظاهرة في الجزائر، بل إنّ كل ما في الأمر هو: تشيع بعض الأفراد، الشيء الذي أسهم في تمدد ظاهرة التشيع؛ مستغلة الفراغ القانوني والدعوي والإعلامي.

بالرغم من كل ذلك، فإن الجبهة الداخلية ترفض المنتمين للتشيُّع، ليس هذا فقط، بل إن أتباع أيّ مذهب آخر مرفوضون أيضاً، على الرغم من وجود حركة مجتمع السلم "الإخوان المسلمون في الجزائر"، ذلك لأن غالبية الجزائريين تؤمن بـ"تيّار الجزأرة"، وهو الفريق الذي يطرح الإسلام من خلال خصوصية جزائريّة، ناهيك عن المحافظة على اختيار الدولة التاريخي للمذهب المالكي.

أما من الناحية القانونية، فإن بعض القضاة طالبوا بالنظر في السبل القانونية للتصدي للظاهرة،التي قد تؤدي إلى عنف معين بالمستقبل، خاصة بعد حادثة تعرض شرطي في مدينة تلمسان -حسب صحيفة الخبر الجزائرية– إلى تهديدات من أطراف متشيعة، بعد أن أزعجتها تحقيقاته حول ظاهرة التشيع.

ويكشف بومدين بوزيد، مدير الثقافة الإسلامية بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، أن الوزارة تستعد لوقف زحف مختلف التيارات والمذاهب الدينية القادمة من الخارج إلى الجزائر، عن طريق تنظيم قوافل في الولايات الكبرى تخترق الأحياء الجامعية والثانويات، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية لمفتشي المقاطعات وللأئمة في مختلف جهات الوطن.

إن الحديث عن الشيعة في الجزائر لا يجب أن يدفع إلى الاعتقاد بأنهم يشكلون "طائفة" بما يفتح الأبواب أمام الحديث عن "الطائفية" في الجزائر. هذه المسألة غير مطروحة بالمرة في الجزائر التي عرفت بوحدة أبنائها ونبذهم لمظاهر التفرقة كافة على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي أو قبلي أو جهوي. هذا، وللعلم فإنه إذا ثبت أنه يوجد عدد كبير من الشيعة في الجزائر، فمثلهم مثل أقليات أخرى منها كالجالية المسيحية، كلها تمارس طقوسها وشعائرها بحرية دون أن يشكلوا أي تهديد للنسيج الاجتماعي.