المديونية العربية تدق اجراس الخطر

ابوظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة بعنوان "المديونية العربية في إطار أزمة الديون في العالم الثالث" ، ألقت الضوء على واحدة من أكبر المشكلات الاقتصادية في الوطن العربي ، والمتمثلة في أزمة المديونية التي تلقي بعبئها على كاهل الموازنات الماليـة ومنهـا علـى المسـتويات المعيشـية على أغلب الـدول العربية .
وقد أكدت الدراسة على أن الأساس في معالجة هذه الآفة الاقتصادية المستعصية يأتي انطلاقاً من بلورة رؤية عربية مشتركة تستند إلى تشخيص دقيق ومتكامل للمعطيات والأسباب، والنتائج الكامنة وراء المزيد من الإغراق والالتجاء إلى المؤسسات المالية الدولية والانصياع إلى شروطها ذات الانعكاسات الوخيمة اقتصادياً واجتماعياً على الدول العربية المدينة.
وركزت الدراسة بطريقة منهجية وموضوعية من خلال اعتمادها على الإحصائيات والبيانات الحديثة على استقراء وتحليل ظاهرة المديونية في الدول العربية وخصوصاً تلك المصنفة منها على أنها ذات مديونية صافية ، وهي ثلاث عشرة دولة عربية يُسميها التقرير الاقتصادي العربي الموحد "الدول العربية المقترضة"، وقد استعرضت الدراسة تطورات مديونية هذه الدول خلال الفترة ما بين عامي 1994 و 1999، حيث تبين أن نصف هذه الدول، وهي السودان وسوريا والصومال ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن، تمكنت من خفض الحجم الإجمالي لديونها في ذات الفترة، على عكس خمس دول عربية أخرى وهي الأردن وتونس والجزائر وجيبوتي ولبنان، شهدت زيادات متفاوتة في حجم مديونيتها ، في حين حافظت سلطنة عمان تقريباً على نفس مستوى مديونيتها .
وقد أبرزت الدراسة أن هناك ظروفاً وشروطاً متعلقة بالبيئة الدولية وأخرى مرتبطة بأوضاع الدول المدينة تلعب دوراً هاماً في اتساع نطاق المديونية الخارجية للدول العربية ، وقد أدت العوامل المتشابكة في النظام الدولي المعاصر، والمتمثلة في تقلبات قيم العملات الرئيسية ، وتكثيف الاستثمار الأجنبي وما تقوم به البنوك الدولية متعددة الجنسيات، إضافة إلى عوامل أخرى متغيرة، إلى الدفع بهذه الدول مرغمة إلى سياسات مالية تقود إلى الاستزادة في المديونية والارتماء في أحضان المؤسسات المالية الدولية.
وأكدت دراسة مركز زايد للتنسيق والمتابعة على أن مشكلة المديونية تعود في جانب أساسي منها إلى تباطؤ عملية التنمية ، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وركود الاستثمار، وبالتالي عدم القدرة على بناء جهاز إنتاج قوي ومرن يكون قادراً على خلق مصادر تمويلية تضخ فوائض مالية في شريان الاقتصاد الوطني ، وتنعش باقي القطاعات الحيوية الأخرى .
وتُشير الدراسة إلى أن التجارب في الوطن العربي أثبتت أن الاستثمارات الأجنبية، على الرغم من أهميتها في رفع مستويات الإنتاج والتشغيل والتصدير لم تسهم بصورة حقيقية في رفع مستوى المدخرات، والفائض الاقتصادي القومي بما يمكن هذه الدول المقترضة من التعامل الفعال مع مشكلة ديونها الخارجية، كما أن هذه الاستثمارات لم تشجع إقامة نمط تنموي معتمد على الذات، الأمر الذي يجعل الاعتماد على الآخر وإطلاق العنان لنزواته الاقتصادية ـ دون معرفة كيفية الاستفادة منه في الآجال البعيدة ـ نوعاً من الحلول التي تؤجل حل المشكلة.
وترى الدراسة أن أزمة المديونية العربية كجزء من أزمة مديونية العالم الثالث يمكن علاجها من خلال توسيع مساحة العمل العربي المشترك، وهذا يعني ضرورة إحداث تغيير جوهري في الهيكل الجغرافي للتجارة الخارجية بحيث يتم التوسـع في المعاملات البينية ـ مع الاستفادة من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتجسيد اتفاقية السوق العربية المشتركة ، وأيضاً التوسع في الاتفاقيات الثنائية لمناطق التجارة الحرة بين الدول العربية، وهو المدخل الملائم الذي يضع الاقتصاد العربي بكل إمكاناته وموروثاته وتطلعاته في السياق الراهن لحركة الاقتصاد العالمي من جهة ويقلل من حدّة الاعتماد على الآخرين من جهة أخرى.