المدرسة والجامع: معلمو الإمارات ومعالمها

بقلم: علي الصراف

رغم أن الضجة التي أثارها المعلمون الإماراتيون الذين نقلوا من وظائفهم المدرسية مؤخرا، بدت ضجة مفتعلة، إلا أنها سمحت بإعادة التذكير بملف مهمل على مستوى العالم العربي حول العلاقة بين التعليم والسياسة.
الكثير الذي كتب حول دور التعليم في العملية التنموية لم يلحظ، إلا نادرا، أن أحد أكبر علات هذا الدور هو أن المؤسسة التعليمية العربية تبدو معنية بالسياسة أيضا، وليس فقط باداء مهام معرفية محددة.
قل إن الأمر يشبه أن يكون الجيش معنيا بالرياضة أكثر من الدفاع عن الوطن، والمفارقة ستبدو واضحة على الفور. فجهاز التعليم الذي يسمح، أو يتغاضى عن قيام معلميه بإستغلال موقعهم المهني لأغراض الترويج السياسي، إنما يسمح بتدمير نفسه، ليس بالضرورة كميدان عمل، ولكن بالضرورة فيما يتعلق بثمار وطبيعة هذا العمل.
القصة في حدها الأول هي أن وزارة التعليم الإماراتية قررت نقل 83 معلما ينتسبون الى جمعية "الإصلاح" الموالية لحركة الإخوان المسلمين من وظائفهم التعليمية الى وظائف إدارية على غير صلة بجمهرة الطلاب وصفوفهم المدرسية.
المعلمون احتجوا، واعتبروا أنفسهم مضطهدين، وحملوا زوجاتهم المنقبات الى الإعتصام أمام مبنى الوزارة.
ولكن لم يلاحظ، إلا القليلون، أن المضطهد الحقيقي هو الطلاب، وأن أولئك المعلمين حملوا دليل إدانتهم التربوية معهم.
فثقافة النقاب، التي تظاهروا بها، تبدو وحدها مؤشرا كافيا على أن هؤلاء المعلمين يبدون وكأنهم رسل ظلام لا رسل تنوير.
المعلم سلطة. هذا هو الواقع. ولكن حتى وإن كان ما يزال من اللازم تحطيمها، لجعل التعليم عملية تثقيف لا تلقين، إلا انه يفترض بهذه السلطة أن تؤدي دورا معرفيا قائما بذاته. وسواء كان هذا الدور جامدا أم حيويا، تقليديا أم حديثا، فانه دور تقني الى حد بعيد. ذلك أن هناك منظومة معلومات ومعارف هي التي يجب أن تصل أولا. هذه هي الوظيفة المقدسة الوحيدة للمؤسسة التعليمية، وهذا هو الدور الوحيد الذي يبرر القيام للمعلم لكي "نوفّه التبجيلا". لا شيء آخر يجعل المعلم او المعلمة يستحقان إحتراما إضافيا فوق الإحترام العام لكل إنسان. ولكن عندما يستخدم المعلم سلطته لكي يقدم مواعظ دينية في درس الحساب، فهذا مما لا يستحق، بصراحة، أي إحترام. فقد يكسب الطالب شيئا، ولكنه سيخسر الحساب حتما.
الجامع جامع، والمدرسة مدرسة. هذا ما أرادت ان تقوله مؤسسة التعليم الإماراتية بنقل أولئك المعلمين. وهذا ما يجب أن تقوله كل مؤسسة تعليمية في العالم العربي. على الأقل لكي يتاح لأبنائنا أن يتعلموا ما يذهبون الى المدرسة من أجله.
مضيعة حقيقية للوقت، وللمعنى من المدرسة، أن يذهب التلميذ ليتعلم جبرا، فيعود منجبرا بكسور مواعظ لا سبيل الى جبرها أبدا.
والأمر لا يقتصر على المواعظ الدينية وحدها، ولكن يشمل جميع الأيديولوجيات الأخرى. يذهب الطالب الى المدرسة لكي يحصل على مستوى محدد من المعارف يؤهله لأداء وظيفة مستقبلية في عملية التنمية، وليس من أجل أن يتخرج منها بعثيا أو شيوعيا أو قوميا او إخوان مسلمين. فهذه إهانة للوقت، وإهانة للمؤسسة، وإهانة مباشرة لوظيفتها المعرفية. ولكنها، أكثر من كل ذلك، إهانة للطالب نفسه، وإستغلال غير مشروع لذهنه المفتوح للتعلم.
الإمارات، على أي حال، تبني معالم حضارية كثيرة، والتعليم العصري واحد من أهمها.
ولعل أحد معالم التوجه الحضاري للرؤية التربوية هناك يقوم على الفصل بين المدرسة والسياسة، وهو أمر على مستوى الأهمية نفسها للفصل بين الدين والدولة؛ تلك المعضلة التي ما برحنا نجتّر مجادلاتها من دون نتيجة بيّنة.
البيّن، في الإمارات، هو أن الحساب حساب، والموعظة موعظة، ولكل منهما مكان خاص به. الأول، يرسي أساسا لشيء. والثانية ترسي أساسا لشيء آخر.
ضع الأساسين في مكان واحد، وستكون النتيجة معضلة وظيفية حقيقية، لا تكسب من التعليم تعليما، ولا تكسب من الدين دينا، بل عصيدة اضطراب ذهني تام.
أما إذا كان النقاب، على الوجه والعقل، هو ما يقدمه المعلمون لتلاميذهم، من بين شقوق الرياضيات وثنايا الهندسة، فهذا ما يجب أن يبعث على الشعور بالكارثة.
وهذا ما لا يرغب به أحد.
ولربما حان الوقت لكل مؤسسة تعليمية في العالم العربي أن تبدأ الدرس من أوله. أن تقول لطلابها: جئتم لكي تتلقنوا علوما ومعارف، وعلوما ومعارف ما ستحصلون عليه. لا مواعظ دينية، ولا اضطرابات أيديولوجية. فلكل مقام مقال. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com