المخيمات جرح مفتوح على الوطن والتوطين

بقلم: نضال حمد

عندما انطلقت فصائل الثورة الفلسطينية المسلحة في نهاية الخمسينات وبداية الستينات كان شباب المخيمات الفلسطينية في لبنان يتركون كل شيء ويتجهون نحو الثورة الوليدة من خيم وشتات التشرد واللجوء والنكبة الصاعقة. وكانوا يقدمون أغلى ما لديهم وما عندهم، كانوا يتآخون والجوع من اجل ان يشتروا سلاحا يقاتلوا به أعداء فلسطين والعروبة. وكانت المخيمات المقموعة في تلك الأيام من قبل رجال المكتب الثاني اللبناني، أي المخابرات، تستعد لاستقبال واحتضان الثورة وسلاحها ومدها بالقوى البشرية وبالذخيرة الحية. وفي نهاية المطاف وصلت الثورة الى مخيمات اللاجئين في لبنان، وأصبحت الممثل الشرعي والوحيد الناطق باسمهم. ثم مرت تلك المخيمات بمراحل عصيبة، مراحل مد وجزر، تقدم وتراجع، وفي خضم الصراعات الداخلية والمحلية والإقليمية وجدت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها طرفا في صراع الطوائف والعائلات والأحزاب في حرب لبنان الأهلية الدامية. حيث صار و كان الذبح في لبنان على الهوية وبحسب اللهجة، وبتلك الطريقة البشعة والجهنمية قتل آلاف الأبرياء من الفلسطينيين واللبنانيين.
أما المخيمات الفلسطينية في لبنان بالذات فقد تحملت عبء الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية وشرعيتها واستقلالها وصيانة بندقيتها وقرارها الوطني، كما خاضت كافة الحروب ضد الأعداء والأخوة الأعداء دفاعا عن الثورة والعروبة. فقدمت عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، وهناك مخيمات كاملة أبيدت أو دمرت بشكل همجي وعشوائي، ومن تلك المخيمات التي دمرت مرة واحدة أو أكثر، النبطية، الرشيدية، صبرا وشاتيلا، برج البراجنة، تل الزعتر، جسر الباشا، برج حمود، ضبية ومخيم عين الحلوة موضوع مقالتنا اليوم. كما أن هذه المخيمات دفعت فواتير كبيرة وطويلة للصراعات بين الأجنحة الفلسطينية المتناحرة على مر سنوات العمل الوطني الفلسطيني في لبنان. وأكثر تلك المخيمات اشتعالا واشتباكا هو أكبرها مخيم عين الحلوة، هذا الجامع لكل تناقضات العمل الوطني الفلسطيني، حيث فيه كافة أنواع وأشكال الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية. ولأنه لا يوجد انسجام حقيقي او حتى حد أدنى من التنسيق بين تلك القوى المختلفة والمتناحرة. كما أن الكفة لا تميل لصالح أي طرف من أطراف المعادلة الصعبة. عداك عن أن السلاح الفلسطيني في مخيمات لبنان لم يستعمل ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ فترة طويلة. والأسوأ انه يتم استعماله بين الفترة والأخرى في معارك جانبية وداخلية تسفر عن دمار وقتلى وجرحى من الجانبين المتصارعين ومن أبناء المخيمات ومن الجوار، مثلما حصل مؤخرا مع الطفلة الشهيدة مريم قطيش التي كانت تقف على الشرفة فأصابتها عبارات نارية أدت لوفاتها فورا، وذلك اثناء الاشتباكات يوم أمس.
اللعبة في المخيم ليست محصورة بين الأخوة الأعداء، إذ يتضح من طبيعة تلك الأحداث أن هناك من هم راضون عن الوضع الذي لازال قائما في المخيم منذ انتهاء الوجود الفلسطيني المسلح في شرق صيدا وجنوبها، ودخول الجيش اللبناني ومحاصرته لكافة المخيمات الفلسطينية وإغلاقها بشكل محكم. ويتبين من المعطيات على الأرض أن هناك جهات خارجية تلعب بالمخيم وأن هناك أيضا من يصب الزيت على نار الخلافات الداخلية الفلسطينية.
الغريب أن الدولة اللبنانية لم تفكر بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية والإنسانية في لبنان كبقية سكانه، ولا هي طرحت حلول مقبولة تؤدي في الختام إلى إنهاء فوضى السلاح داخل المخيمات. بل زادت اوضاع الفلسطينيين القانونية وحياتهم اليومية تعقيدا، وذلك بسبب اكتفائها بالوقوف على مداخل المخيمات واستحداث قوانين جديدة، عتيدة لا تقل تعسفا عن قوانين الابارتهايد، وتصب في خانة تيئيس الشعب الفلسطيني وتهجيره، أكثر منها في خانة رفض التوطين. فإذا كانت عملية رفض التوطين نابعة من مصلحة قومية مشتركة، لماذا لا تقوم الدولة باتخاذ قوانين جديدة تضمن حياة حرة وكريمة للفلسطينيين بانتظار تحرير فلسطين او حل قضيتهم حلا عادلا يقبلون به. نرى انه من الواجب القومي ان يجلس الطرفان الفلسطيني واللبناني وجها إلى وجه ويتحدثوا بكل صراحة ووضوح عن مستقبل أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، بعيدا عن الشعارات والمزايدات.
لقد أصبح الوضع الفلسطيني لا يطاق في كل المخيمات. وعين الحلوة بالذات حيث التفجيرات والاغتيالات مستمرة. وحل هذه المعضلة يكون بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم القانونية والإنسانية والسياسية، مقابل تخليهم عن سلاحهم وتسخيره لجهد المقاومة التي تدافع عن لبنان وجنوبه وتدعم الانتفاضة الفلسطينية. فالسلاح في المخيمات لا مبرر له سوى حمايتها من المجازر والمذابح وأية تطورات مفاجئة قد تحصل في المنطقة، خاصة ان للكيان الصهيوني أصابع خفية تعمل في لبنان من الجنوب إلى الشمال مرورا بالمخيمات. عندما يزول عامل الخوف الفلسطيني ويحصل اللاجئون في لبنان على حقوقهم المدنية والسياسية سوف يختفي السلاح من المخيمات وتصبح تلك المناطق مثلها مثل غيرها من مناطق لبنان.
في النهاية نعرف ان الفلسطيني يريد العودة الى فلسطين بلده، حيث بيته المحتل وأرضه المغتصبة وحيث له الحق في ذلك وهذا الحق مكفول بقرارات دولية شرعية. ونعرف أيضا ان لبنان بكل طوائفه وفئاته مجمع على رفض التوطين، ويرفض لبنان الرسمي الضغوط الأمريكية الصهيونية الممارسة عليه لتوطين الفلسطينيين، وقد اتهم الرئيس اللبناني العماد اميل لحود اسرائيل والجهات التي تدعمها بممارسة الضغوط على لبنان لتمرير المخططات التوطينية المرفوضة. وهذه الضغوط الصهيونية تستدعي تنسيقا لبنانيا فلسطينيا وعربيا لمواجهتها وإفشالها. نضال حمد