المخطوطات العمانية.. تاريخ موغل في العراقة

مخطوطة في علم الفلك تكشف اسرار مواقع النجوم

مسقط - عملت المخطوطات بمختلف انواعها وعلى امتداد الحقب التاريخية المتعاقبة على حفظ تاريخ الامم وانجازاتها وما توصلت اليه في مختلف ضروب المعرفة، وذلك من خلال التدوين والتوثيق حسب الامكانات المتاحة في الزمن السالف.
وقد قامت المخطوطات، والتي تعرف ببساطة بانها ما تم كتابته بخط اليد في الازمنة القديمة، بمهمة حفظ المعرفة العامة في العلوم المختلفة خاصة فيما يتعلق بالتاريخ وسرد الاحداث المتعلقة بتطور الدول ومنجزاتها حتى تتمكن الشعوب اللاحقة من قراءة سمات وملامح الفترات التي سبقتها.

وانطلاقا من ايمان حكومة السلطان قابوس بن سعيد باهمية حفظ التراث وضرورة المحافظة عليه من التلف والضياع اولت هذا الجانب جل عنايتها خاصة وان التراث والتاريخ العماني موغل في العراقة في كافة حقول المعرفة الانسانية.


قصيدة "بردة البوصيري" بخط اليد
ومنذ البداية قامت الحكومة بجمع المخطوطات العمانية وتصنيفها وفهرستها وتحقيقها وطباعتها ونشرها كما تم انشاء دائرة تعنى بذلك تحت مسمى المخطوطات والوثائق.

وشرعت وزارة التراث القومي والثقافة في جمع المخطوطات العمانية من مختلف مناطق السلطنة وشكلت لجنة مختصة لتعويض الاهالي عن قيمة تلك المخطوطات حيث سارع البعض بتقديم مخطوطاتهم كهدايا والبعض قدمها مقابل حصولهم على نسخ مطبوعة وآخرون من اجل حصول الوزارة على نسخة من مخطوطاتهم عند رغبتها في تحقيق او طباعة او نشر اي مخطوط.

ويقول محمد بن سعيد الوهيبي مدير عام التراث بوزارة التراث القومي والثقافة ان عدد المخطوطات الموجودة في سلطنة عمان تقدر بحوالي 30 الف مخطوطة توجد في المكتبات العامة والخاصة المنتشرة في انحاء البلاد.

واضاف ان اكبر مجموعة من المخطوطات هي الموجودة بدائرة المخطوطات والوثائق بالوزارة اذ يبلغ عددها 4300 مخطوطة، وهى اهم مجموعه واندرها على وجه الاطلاق من حيث قيمتها الحضارية لقدمها وما تحتويه من فنون الخط والزخارف الفنية الرائعة. كما ان بعضها مكتوبة بخط مؤلفيها او احد تلامذتهم، ومن هنا تأتى اهميتها العلمية وندرتها من بين المجموعات الاخرى.

واشار محمد الوهيبي الى ان الموضوعات التي تطرقت اليها تلك المخطوطات الموجودة لدى وزارة التراث القومي والثقافة الى جانب مصاحف القران الكريم المكتوب بعضها بماء الذهب ومزينة بزخارف فنية نادرة هناك ايضا مخطوطات في التفسير والحديث والفقه والادب والتاريخ والطب والكيمياء وعلم الفلك والبحار ونظام الري بالافلاج اضافة الى وجود نسخ من الوثائق الخاصة بالسلطنة والتي تمكنت وزارة التراث القومي والثقافة من الحصول عليها من دور الوثائق العالمية.

واوضح مدير عام التراث بوزارة التراث القومي والثقافة ان اقدم مخطوطة توجد بدار المخطوطات والوثائق وهى "مخطوطة الجمع بين الصحيحين" لابى عبدالله محمد بن ابى نضر الحميدي عام 617ه في الحديث الشريف لصحيح مسلم البخاري.

وقال ان الورق المستخدم في كتابة المخطوطات مستخلص من الاشجار اما الحبر الذي يكتب به المخطوط فهو مستخرج من الفحم او من الحبار وهو نوع من الرخويات البحرية بعد ان يتم مزجه بمواد طبيعية اخرى لجعله صالحا للكتابة لا تمحوه السنين في حين كانت بعض النباتات تستخدم كاقلام في الكتابة.

واضاف ان هناك العديد من المدن العمانية التي اشتهرت قديما وحديثا بكتابة المخطوطات مثل نزوى والرستاق ونخل كما برز العديد من الخطاطين العمانيين المبدعين في حرف الخط العربي ويشهد بذلك ما هو موجود في المخطوطات.

ولم تكن شهرة هؤلاء تنحصر في كتابة المخطوطات وحدها ولكن ايضا في كتابة الوثائق الشرعية والرسمية التي لدى وزارة التراث القومي والثقافة آلاف منها.


التداوي بالاعشاب الطبيعية كما وصفه حكماء عمان
واشار محمد الوهيبي الى ان هناك خطاطون ماهرون قد برعوا في عهد السلطان فيصل بن تركي بن سعيد كما ان هناك العديد من الاسر العمانية التي اشتهرت في مجال حرف الخط.

وفى العهد الزاهر شجعت ورعت الحكومة المواهب الفنية في كتابة العديد من المخطوطات بالاضافة الى ابراز دورهم في العديد من المعارض المحلية والخليجية والعربية والدولية للتعريف بهذه الحرفة والاخذ بيدها الى النماء هذا الى جانب الاهتمام بحرفة الخط في بعض المؤسسات التعليمية في البلاد من اجل تخريج كوادر فنية في هذا المجال.

واوضح ان وزارة التراث القومي والثقافة لم تدخر وسعا في الحفاظ على المخطوطات العمانية من خلال جمعها او تصنيفها وفهرستها وطباعتها ونشرها وصيانتها وترميمها للحفاظ عليها من التلف وتصويرها في ميكروفيلم والوسائل الحديثة المعاصرة.

وقال ان تلك المخطوطات تلقى الرعاية والاهتمام من قبل الوزارة من خلال وضعها في درجة حرارة مناسبة وابعادها عن الرطوبة بالاضافة الى تبخيرها بالمواد الحافظة لها من الحشرات الضارة وآفات الكتب.

وعن المشاريع التي تنفذها وزارة التراث القومي والثقافة حاليا والمرتبطة بالمخطوطات اضاف مدير عام التراث انها تتمثل في جمع اكبر قدر ممكن من المخطوطات واستكمال تصنيف وفهرسة تلك المخطوطات حيث صدر حتى الان 3 مجلدات من فهرسة المخطوطات الموجودة بدار المخطوطات والوثائق كما تم انجاز المجلد الرابع من فهرسة المخطوطات الذي سيطبع خلال الفترة المقبلة مشيرا الى انه يقوم بهذا الجهد مختصون بوزارة التراث القومي والثقافة وجامعة السلطان قابوس.

واشار محمد بن سعيد الوهيبى الى ان العمل مستمر لاستكمال تصوير المخطوطات في ميكروفيلم وباجهزة الحاسب الآلي لتسهيل استخدام المخطوطات من قبل الباحثين والحفاظ عليها من الضياع بايداع نسخة اخرى منها في مكان اخر بالاضافة الى الاستمرار في عملية الترميم التي يبذل فيها جهد كبير.


علوم البحار من اكثر ما برع فيه العمانيون
واوضح انه صدر عن وزارة التراث القومي للثقافة حتى الان اكثر من 800 مطبوع شملت مختلف المعارف الفكرية اغلبها من مخطوطات جرى تحقيقها ونشرها منذ بداية انشاء الوزارة في عام 1976 مشيرا الى ان تلك المطبوعات عرفت بشكل كبير بمختلف اوجه التراث والحضارة العمانية عن طريق نشرها داخل السلطنة وخارجها باهداء نسخ منها للعديد من المؤسسات العلمية والثقافية او اقامة معارض الكتب داخل السلطنة او الاشتراك فى المعارض العربية والدولية.

واشار مدير عام التراث الى ان الوزارة تطمح خلال الفترة المقبلة الى استكمال نشر اهم وابرز المخطوطات العمانية وجعلها ميسرة للباحثين بالاضافة الى الارتقاء بهذا العمل من خلال العناية بالمخطوطات من جمع وحفظ وصيانة وتوثيق باعتباره مرتكزات اساسية للحفاظ على المخطوطات والانتفاع بها وتوريثها الى الاجيال القادمة.