المختار

لم نعرف في تاريخ العراق، وربما المنطقة، حاكما فقد هيبته وصدقيته ولياقته مثلما حدث لمختار المخاتير رئيس وزرائنا العزيز نوري المالكي. فمن فلتة لسان إلى فلتة، ومن فضيحة إلى فضيحة، ومن خيبة إلى خيبة، ومن كذبة إلى أخرى، ومن مأزق إلى مأزق، ومن خطأ إلى آخر أكبر منه، حتى كاد بُغضُ المواطنين له ولعهده غير الميمون أن يكون شاملا، ليس بسبب مظهره الشخصي الاستفزازي وتكشيرته الدائمة وتوتره المستمر ومشاكساته التي لا تنتهي، ولكن لأنه بين الحين والآخر يقدم على عمل، أو يدلي بتصريح ينزل بمقام الرئاسة وبالزعامة إلى أسفل سافلين.

فمن أيام نوري السعيد ثم الزعيم عبدالكريم قاسم ومن بعده عبدالسلام فأخيه عبد الرحمن فأحمد حسن البكر وصدام حسين وحتى أياد علاوي وإبراهيم الجعفري لم يسخر الشعب العراقي، بمختلف فئاته وأديانه وقومياته وطوائفه، من كرسي الرئاسة، ولم يحزن لبهدلته وشرشحته وقلة قيمته واحترامه، كما حدث لهذا المنصب الرفيع في ظل هذه الحكومة ورئيسها ووزرائها وسفرائها وقادتها العسكريين والمدنيين، أجمعين.

مختارنا العزيز يتشدق بالديمقراطية والعدالة والنزاهة، وبحرصه على رعاية جميع المواطنين دون تمييز ولا تهميش ولا اجتثاث، ولكنه يحتكر الدولة كلها، حكومة وشعبا ودستورا، من بابها إلى محرابها، ولا يشرك فيها أحداً من غير أهله ووذويه ومحازبيه، بدءًا برئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، والداخلية، والمالية، والنفط، والبنك المركزي والقضاء، والقوات المسلحة والأمن والمخابرات، وانتهاءً بالزراعة، والسياحة، والثقافة، والبلديات، والمواصلات، والإذاعات والتلفزيونات والجرائد والمجلات.

مناسبة هذا الكلام هو ما نثره علينا مختارنا العزيز من درر الكلام في مقابلة ثقيلة دمٍ جدا أجرتها معه مجلة "دير شبيغل" الألمانية مؤخرا. فقد ظهر فيها السيد الرئيس وكأنه الفنان الكوميدي السوري نهاد قلعي مختار مسرحية "ضيعة تشرين" واقفا يخطب في الساحة، من على شرفة قصره المنيف، ومن حوله خدمُه وحراسه، ليبشر أهالي الضيعة بأنه قام بالاستيلاء على السلطة، نزولا عند رغبة المواطنين، وتولى "المخترة"، لإنقاذهم من ظلم المختار السابق وفساده. ولكن المختار السابق هو نهاد قلعي نفسُه، ولكن بعد أن أبدل ثيابه بأخرى جديدة، وطربوشه بآخر جديد.

يقول المالكي "إن لي أعداءً في كل مكان". ولكنه، رغم ذلك، مُصرٌ على البقاء في سدة الحكم، دورةً ثالثة، لأن "البلاد تحتاج إلى إعادة بناء واستقرار".

يعني بالقلم العريض إن مختارنا المفدى لا ينوي فراقنا، لا اليوم ولا غدا ولا بعد غد، ليس تهالكا على السلطة، ولا تمسكا ببريقها، ولا طمعا بأموالها، ولكن حبا بنا، وخوفا عينا من الذئاب والأفاعي والشياطين، وحرصا على أن ينجز آخر سطر في رسالته الخالدة، وينهي بناء الوطن، ويكمل إعماره، ويضمن أمنه واستقراره، أردتم أم لم تريدوا يا أهالي الضيعة الكرام.

يقول: "والله أنا أقسم أنني لم أهمل أحدًا. أنا أؤمن بمؤسسات الدولة، بالبرلمان والحكومة والقضاء".

"نحن بنينا الاستقرار، على الرغم من أنه لاتزال هناك مناطق مضطربة مثل محافظة الأنبار. هذا النوع من الحوادث يمكن أن يحدث في أي مكان. حتى أوروبا ليست في مأمن من الإرهاب".

وعن فلسفته التي ينظر بها إلى الصراع في المنطقة يقول: إن هناك "محورين أساسيين في الشرق الأوسط: سنة وشيعة. وهناك عدد قليل من دول الخليج العربي وتركيا وراء المحور الأول، في حين أن الثاني هو المحور الإيراني العربي الذي يمتد عبر العراق وسوريا وإلى لبنان".

ثم يكرر اقتناعه بعدم قدرة أحد، حتى أميركا، على إسقاط الأسد. ويذكرنا بحنكته التي فاقت شطارة الأميركان في توقع مصائر الشعوب وحكامها، فيقول: "قلنا للأميركيين من البداية إنهم لا يستطيعون إسقاط الأسد، وذلك عندما كان الكثير من المسؤولين في واشنطن يقولون إن الأسد سوف يسقط في غضون شهرين. لقد مرت الآن ثلاث سنوات ونظام الأسد لايزال موجودًا". "كل ما أعرفه هو أن الحل العسكري لن يُسقط الأسد. لست أدافع عن النظام السوري، ولكن يجب أن ُيترك الحل للجانبين في سوريا، بدون تدخل خارجي".

فـ "إذا توقفت الولايات المتحدة والسعودية عن إملاء الأقوال والمواقف على الأطراف المعنية، عندها يمكن لطرفي الأزمة الجلوس معًا وإيجاد حل". وهنا "يطنش" مختارنا العزيز، كالعادة، عن تدخل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وكل ما قام هو بإرساله للدفاع عن مقام السيدة زينب من جلادين مجندين في مليشياتٍ "عراقيةٍ" بالإسم إيرانيةٍ بالمال والسلاح والعقيدة. فكل هؤلاء ليسوا وافدين من الخارج إلى سوريا الولاية الملحقة بدولة الولي الفقيه، بل هم في أرضهم وبين أهلهم وذويهم، ولو كره الكارهون.

وفي المقابلة أيضا تتفتَّق عبقريته السياسية النادرة مرة أخرى، فيقرأ لنا المقدر والمكتوب، ويتنبأ بوصول شرارات الأزمة السورية إلى المملكة العربية السعودية، ويقول: "العائلة المالكة في خطر. إنها غير قادرة على معالجة المشاكل الاجتماعية، لأنها تعتمد على الشكل القديم للحكم، أي على أساس الإقناع الطائفي". طبعا هو هنا لا يعتبر نفسه مُعتمدا على الإقناع الطائفي.

وردا على أياد علاوي الذي يقول إن طهران تؤثر على السياسة العراقية على نحو غير مسبوق، قال نوري المالكي: "لا، وألف لا. أيُ شخص يقول هذا النوع من الكلام يحاول تشويه سمعة الحكومة. لا أحد يؤثر على سياستنا. إيران والولايات المتحدة عدوان، ولكن العراق صديق لكلٍ منهما، لأنه دولة مستقلة".

أحلفكم بالله، يا قراءنا الكرام، هل هذا كلام رؤساء يحترمون أنفسهم ومواطنيهم ويخافون الله ورسوله والمؤمنين؟ أليست هذه كارثة من الكوارث، وبلوى من البلاوي، وعاهة ليس لها دواء؟ بماذا ندعو عليك يا أميركا، ويا أيها الولي الفقيه!