المحكمة الاتحادية العراقية وعقدة تفسير الأكثرية

بقلم: عبدالسادة الساعدي

متابعة لقرار المحكمة الإتحادية الذي صدر يوم 25 /3/2010 بخصوص تفسير الكتلة النيابية الأكثر عدداً، نلاحظ أن المحكمة قد أصابت في الشطر الاول من إجابتها التفسيرية، وفقاً للمعاير التي يتعامل بها القضاء في كل العالم، ووفقا للدستور ولمنظومة التشريعات العراقية النافذه بما فيها القوانين التي نظمت عمل المفوضية، وصلاحياتها في وضع الأنظمة التي إستندت عليها في فرض أنظمة عملها بالقانون رقم 11 لسنة 2007، وذلك عندما أشارت الى الأكثرية بمعناها الموافق للقسم الرابع الخاص بالكيانات السياسية المؤتلفة، المنصوص علية في نظام مفوضية الإنتخابات رقم 15 لسنة 2010، التي وضعت الكيانات المؤتلفة ضمن مفردات مؤسسية منظمة لأجسام قانونية لها حقوق وعليها إلتزامات، كأي شخص إعتباري معروف للمفوضية والكيانات والإئتلافات السياسية الإخرى وللناخبين وكل المؤسسات الرسمية والشعبية في البلاد، وفقاً للمواد الواردة في القسم الرابع من النظام أعلاه، كما قبلت، بالنص، في بعض قواعدها التنظيمية، تناقص قوائم الإئتلافات أو تكاثرها وفقاً لشروط وضوابط يبدو لنا أن أعضاء المحكمة الإتحادية لم يتسن لهم الإطلاع عليها بما ينعش ذاكرتهم عن الإصول الفقهية والقانونية التي تؤسس بها الكيانات والأجسام القانونية، بدلاً من التورط بإستشرافات سياسية محتمل حصولها عند إنعقاد مجلس النواب.
ولهذا فاننا لا نبالغ بالقول أن قرار المحكمة بشطره الثاني يتضمن مخالفة لروح ومنطق دستور 2005 الذي أشار في اكثر من موضع الى الأكثرية المطلقة أو البسيطة للمقاعد، دون الإئتلافات السياسية، واخص بالذكر تكوين مجلس النواب، وإنتخاب رئيس الجمهورية، والمصادقة على تعيين رئيس الوزراء، وإصدار التشريعات، والى أخره من الإجراءات، والنشاطات التي لم تشر الى مفهوم الأكثرية او الأقلية بمعناها السياسي والإعلامي، دون القضائي والقانوني.
بالقطع نحن نؤمن بأن المحكمة قد أرادت، بتفسيرها المزدوج، أن تَدارك وضعاً سياسياً محتملاً جداً، يتعلق باستبعاد إمكانية الائتلاف الذي حصل على أكثر المقاعد النيابية من تشكيل الحكومة، إلا إذا حصل على أكثرية أعضاء مجلس النواب بضوء ما متوقع عند إنعقاد المجلس، بما يطيل من تعقيدات تشكيل الجكومة، وبنفس الوقت أرادت المحكمة الإتحادية أن تهدئ من روع الجهة القابضة للسلطة التنفيذية، بعد أن لاحظ الجميع كيف فقدت توازنها، عندما كشرت عن أنيابها بإنفجار لغة الوعيد الذي وصل الى التهديد المسلح قبل إعلان نتائج الأنتخابات، حيث فتح لها الشطر الثاني من القرار التفسيري للمحكمة أبواب أمل كبيره بقيادة الحكومة، وفقاً للواقع السياسي للإئتلافات السياسية، الحقيقة، ما كان يجب أن تقع به المحكمة الإتحادية العليا لأسباب شكلية ومنها بتقديري المتواضع.
أولاً: حسب المنطق القانوني المنصوص عليه بشروط رفع الدعوى، في الفقرات الستة من المادة السادسة من النظام الداخلي للمحكمة الإتحادية رقم 1 لسنة 2005 الخاص "بقبول الدعوى"، أن طالب التفسير مكتب رئيس الوزراء غير مؤهل بطلب الإستفسار وذلك لعدم وجود مصلحة حقيقية لمكتب رئيس الوزراء المحكوم بأنظمة عمل يفترض أن تسخر لخدمة عموم السلطة التنفيذية للدولة العراقية، وليس لجهة فرد قائد لقائمة إئتلافية يسعى من إستفساره الى ضمان منصب حكومي لا يتفق مع الضوابط الحكومية التي منعت إستغلال المؤسسات الحكومية لأي هدف إنتخابي، وكذلك ميثاق الشرف الذي إتفقت عليه الكيانات السياسية حتى قاربت لتمريره بقانون لو لا زحمة المواضيع قبل نهاية موسم مجلس النواب، فكان على المحكمة أن ترد طلب النظر بهذا الإستفسار لوجود الشبهة بتحقيق مصلحة معلومة على حساب بقية الكيانات النيابية التي لم يتسنى لها بعد الجلوس في مقاعدها وإبداء إرادتها بأي تصرف قانوني يحمي مصالحها ومصالح ناخبيها. خاصة وإنها (المحكمة) عودتنا للخمس سنوات الماضية على التنصل في نظر مئات من الإستفسارات للمؤسسات الحكومية لغير الرئاسات الثلاثة (حفظهم الله ورعاهم) مستندة على هذه الشروط، وعلى العكس يمكن أن نتفهم طلب الإستفسار خال من أي شبهة لو جاء الإستفسار من الرئيس المنتخب صاحب الحق بتكليف الكتلة النيابية الأكبر طبقاً للمادة 76 من الدستور. كذلك فان المحكمة قد خالفت المنطق أعلاه اذ قررت وضعا إفتراضيا غير متحقق فمنحت بعض الكتل حرية إختيار جزء من النص التفسيري الذي تريده وترك ما يضرها.
ثانياً: كان على المحكمة تطبيقاً للشفافية والعلانية التي فرضها دستور 2005 على كل أنواع المحاكم، بأن تمرر إستفسار مكتب رئيس الوزراء الى العامة، مع منحه الوقت الكافي، لتعطي لنفسها ولبعض القطاعات المهنية والشعبية فرصة الإطلاع وإبداء بعض من وجهات النظر قبل أن تفاجئ الجميع بالإستفسار والإجابة وحتى قبل ظهور نتائج الأنتخابات بما يدعوا للشبهه بأن الموضوع قد جرى تداوله بالظل أو بأحسن الاحول تم تمريره بالهواتف الجوالة! وقبل أن يتحول الموضوع الى خصومة لاتضمن لرئيس الوزارء المنتهية ولايته حصوله على منفذ قانوني مريح يتجاوز به تخلفه بنتائج الإنتخابات الأخيرة.
أما مناقشة القرار موضوعياً فتقودنا الى:
أولاً: من الناحية القانونية والمبدئية فالمحكمة الإتحادية ممنوعة من النظر بأي إستشرافات سياسية مؤكد أو غير مؤكد حصولها بعد إنعقاد جلسة مجلس النواب، لأنها محددة بواقع قانوني معلن وفق الصيغ القانونية، متداول وموجود على الأرض.
ثانياً: كان على المحكمة أن تستعين بالتعابير الدستورية والمؤسسية المبنية على الإئتلاف أو الكيان الذي حصل على أكثرية المقاعد بقياسات المفوضية، وترمي موضوع الأكثرية التي تحقق تشكيل الحكومة الى ملعب مجلس النواب ليعالجها بالآليات القانونية التي فرضها الدستور ونظام عمل المجلس.
ثالثاً:تدارك المحكمة لصعوبات تشكيل الحكومة من الكتلة الفائزة بدون تحقيق الأكثرية المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة 76 من الدستور أوقعنا مرة ثانية بمحنة الكواليس والمخاتلات قبل تشكيل المجلس، كما جرت في الدورة الأولى عندما عقُدت أمد تشكيل الحكومة وفتحت شهية التوافقات السياسية المبنية على المصالح الطائفية والفئوية والشخصية، وأسقطت المصلحة الوطنية بنتائجها المعروفة الآن للجميع، فكان على المحكمة أن تترك تحوطاتها المشار إليها أعلاه، وتقدر المصلحة الوطنية على أساس أن يكون الصراع داخل قبة المجلس وآليات عمله التي ستضبط إيقاع التوافقات وتظهرها للعلن أمام أصحاب المصلحة وجمهور الناخبين المتعطشين لرؤية وجوه ممثليهم وهم على كراسيهم النيابية، بما يخفف من كم المؤامرات والضبابيات والتسويات على حساب المصلحة العامة التي تجري الآن بأجواء من الظلام الدامس.
رابعاً: وكما ذكر أحد الأذكياء من قضاة بغداد، أن قرار المحكمة الإتحادية قد فرغ نص المادة 76 من المبدأ القانوني المعروف بالقواعد القانونية الجامعة المانعة، وإلا ماذا لو تحققت أكثر من كتلة إئتلافية أكثرية متساوية داخل المجلس وبنفس العدد من المقاعد، هل سنعود للمحكمة الاتحادية مرة أخرى أم نجري القرعة بطريقة (الطرة كتبه)؟
خامساً: أن تفسير المحكمة بشطره الثاني سيشيع ثقافة التسيب عند الإئتلافات والكيانات السياسية خارج القوالب والقواعد القانونية التنظيمية المحكمة، بما يدفعها للتشظي أو الذوبان هنا أو هناك، ويذكي من طابع الإنقسامات بدلاً من أن يصنع روح الوحدة المؤسساتية المبني على تقدير مصلحة الجميع والتي يسعى الجميع لتحقيقها كدولة مبنية على حكم القانون والمؤسسات.
هذا من ناحية المحكمة الإتحادية، ومن ناحية إخرى، لسوء الحظ، أن الخاسرين من قرار المحكمة الإتحادية قد كرروا نفس الخطأ الذي وقعوا به يوم أبدوا إعتراضهم على قرارات هيئة المسائلة والعدالة، عندما أنكروا قانونية الهيئة في الوقت الذي حلت الهيئة الجديدة مكان هيئة إجتثاث البعث بموجب الفقرة الاولى من المادة الثانية من قانون الهيئة رقم 10 لسنة 2008، حيث كان عليهم الطعن شكلياً وموضوعياً بقراراتها كلاً على حدة، بدلاً من جَلد كامل الهيئة وقيادتها بدون توجه قانوني سليم واليوم يعيدون نفس المحاولات غير المنتجة في الإعتراض على قرارات المحكمة الإتحادية الباتة طبقاً للمادة 91 من الدستور وقانون المحكمة والمادة 17 من النظام الداخلي لعمل المحكمة حيث كان عليهم التصدي الى إستغلال رئيس الوزراء المنتهية ولايته مكتب رئيس الوزراء دون وجه حق عند إستفساره من المحكمة في الوقت التي ردت المحكمة مئات من الإستفسارات للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية بحجج واهية، لا أدري أن كانت ما تزال منشوره بموقع المحكمة الرسمي للاطلاع عليها وأجراء المقارنة، كذلك كان الأجدر للمتضررين من القرار التفسيري مناقشة شكلية الطلب وموضوعية قرار المحكمة لإحراجها ودفعها الى قدر أكبر من الشفافية، وبنفس الوقت التخفيف من مكاسب خصومهم، وهو أفضل بكثير من الظهور بالمظهر الجاهل لشرعية تشكيل المحكمة وصلاحياتها الدستورية والقانونية المنصوص عليها بالدستور والمادة 130 التي نصت "تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها ما لم تلغ أو تعدل وفقاً لأحكام الدستور"، كما أن كل الأطراف المعترضة على صلاحية المحكمة قد إستفسرت من المحكمة بمناسبات عديدة مضت في الأربع سنوات الماضية، حيث لا يمكن اليوم ان تنكر صلاحياتها، لمجرد إنها أصدرت قراراً لصالح خصومها. المحامي عبدالسادة الساعدي