المحددات التركية لقتال داعش

بعد ان الانتهاء من تسوية عملية اختطاف الدبلوماسيين الاتراك من قبل تنظيم داعش، بدأت تركيا بالوقوع في حرج كبير من موضوع تحفظها على المشاركة في الحلف الاميركي المزمع لمحاربة هذا التنظيم في العراق وسوريا. لذا بات الموقف التركي اكثر انكشافا من ذي قبل في ظل غياب هذه الذريعة التي استخدمتها في اكثر من مناسبة للاشارة الى انها مرغمة على التردد في موقفها بفعل رغبتها في الحفاظ على حياة مختطفيها خاصة بعد اقدام هذا التنظيم على اعدام الصحفيين الاميركيين في فترة قريبة.

لذا وجدنا بان الجانب التركي قد بدأ بالانتقال من موقفه السابق باتجاه التقدم خطوة للاقتراب من هذا الحلف في ضوء التطورات المتسارعة التي بدأت بالحصول في الايام الماضية والتي تزامنت بشكل خاص مع تدفق عشرات الالاف من الاكراد الفارين من كوباني باتجاه الحدود التركية التي باتت في اضعف حالاتها بفعل الانتقال المعاكس ايضا لمقاتلي حزب العمال للدفاع عن الاكراد في سوريا. كما تزامن الموضوع مع اللقاء الذي عقدته الامم المتحدة في نيويورك وشارك فيه اردوغان الذي اكد بان الموقف الرسمي لبلاده سيعلن بعد العودة الى انقرة.

بغض النظر عن نظرية المؤامرة التي تلف المشهد الخاص باطلاق الرهائن الاتراك على اعتبار ان بقائهم بيد الخاطفين كان سيعطي لتركيا الحجة في عدم التسرع في انخراطها بهذا الحلف كما سيعطي لتنظيم داعش القدرة على خلق مزيد من الانقسام الدولي تجاه العمليات والخطط المعدة للتعامل معه على اعتبار ان المصلحة بالنتيجة تفضي الى عدم انجاز صفقة التسوية لهذا الملف بين الطرفين المتهمين بعلاقتهما الوثيقة، فقد اعلن اردوغان مؤخرا بان بلاده ستقف الى جانب الحلف الدولي لمكافحة الارهاب وستقدم ماعليها تقديمه في هذا الخصوص.

الا ان هذا التحول المفاجئ في الموقف التركي لم يأتِ فقط استجابة للضغوط الاميركية فحسب وانما جاء ايضا ليعبر عن الانتقال التدريجي الى مرحلة مهمة يبدو ان تركيا مُجبرة على الدخول فيها لكن هذه المرة ايضا بفعل الضغط الشعبي الذي بدأت تلوح معالمه في سماء المجتمع التركي حيث عبر احد الاستفتاءات التي اجريت مؤخرا على ان 53% من الاتراك يؤمنون بان تنظيم داعش لديه العديد من الشبكات التي تسهل له الحركة والعمل من داخل تركيا، وهو ما دعا قادة حزب العدالة والتنمية الى التأكيد على ان بلادهم غير متعاونة مع هذا التنظيم وانها تؤكد لمواطنيها بانها هي الاخرى من بين اهم الدول المهددة بتداعيات الحرب على داعش.

يبدو بان قادة الدولة التركية يمارسون كل الاساليب المتاحة لديهم لتغيير قناعة الرأي العام التركي التي تعززت بعد ان اسهمت الكثير من المؤسسات التركية المستقلة بالعمل على فضح السياسات السلبية التي مارسها اردوغان في توظيف داعش كأداة سياسية لخدمة المشروع الاخواني في المنطقة، فعلى سبيل المثال اكدت صحيفة طرف التركية مؤخرا بان هنالك العديد من الادلة التي كُشفت عبر التحقيقات التي اجريت في كوسوفو واثبتت بان هنالك مؤسسة مهمة مدعومة من حزب العدالة والتنمية التي تزودها بالاعانات السنوية، في مقابل قيامها في السنوات الاخيرة بارسال المقاتلين للذهاب الى القتال في سوريا برعاية تركية مباشرة.

في ضوء هذا الضغط والرغبة في التغيير البطيء لمسار السفينة التركية الكبيرة في بحر السياسة المضطرب بدأت تركيا بالتلويح الى المحددات الجيوبولتيكية التي يجب مراعاتها عند المطالبة بانضمام تركيا الى الحلف الدولي لمحاربة داعش، على اعتبار ان هنالك مخاوف من ان تؤدي هذه الحرب الى سحب البساط من تحت اقدام الاتراك وتحويل مسار التفاعلات القادمة بعيدا عن قدرة اللاعب التركي في التاثير على مخرجاتها. لذا صرح رئيس الوزراء الجديد بان تركيا ستقوم بتعديل مسارها بعد ان يتم تطمين احتياجاتها الضرورية التي تُطرح بصيغة المحددات التالية:

1. اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية الامن القومي التركي

2. السماح من قبل بلاده باستقبال جميع اللاجئين السوريين والعراقيين بغض النظر عن اصولهم واديانهم

3. ان تؤدي العملية الى تحقيق الاستقرار والسلم الاقليمي

4. احترام الجغرافيا الحالية بما هي عليه في المنطقة ومعارضة اي عملية تستهدف السيطرة على النفط وبقية مصادر الطاقة في الاقليم

لم تكن هذه المحددات التي اتسمت بالعمومية لتعبر عن حقيقة الادراك التركي الا في نقطتين جوهريتين، الاولى تمثلت في حماية الامن القومي التركي الذي بات مكشوفا اكثر من ذي قبل خاصة في ظل اقحامه في لعبة فك الارتباط بهذا التنظيم ودخوله ربما لاحقا الى مرحلة الصراع المباشر معه على الاراضي التركية وخارجها. والثانية في نقطة مفصلية ممثلة بالسيطرة على النفط في دولتي جوار مهمتين مثل العراق وسوريا اذ تخشى انقرة بان تقود الحملة الاميركية ضد داعش الى السيطرة على بعض النطاقات النفطية المهمة بدون مشاركة فعلية لها في مثل هذه السيطرة التي لابد وانها سوف تصطدم وفكرة الابقاء على الوحدة الجغرافية لهذه الدول التي يبدو انها مقدمة على مشاريع فدرالية لا تبعد كثيرا عن المظلة التركية – الاميركية باعتبارها المدخل الذي تبحث عنه هاتين القوتين لتحقيق ما يسمى تهكما بالسلم الاقليمي.

مصداقا لهذه الافتراضات وجدنا اردوغان بعد عودته من نيويورك يصرح بان بلاده تفرض شروطاً محددة امام الاخرين لاستخدام قاعدة انجرليك، في اشارة مضافة الى بداية التغيير في الموقف التركي، ومن بين هذه الشروط العمل على تشكيل منطقة عازلة داخل الاراضي السورية لاستقبال واعادة اللاجئين السوريين الذين اجهدوا تركيا اقتصاديا وامنيا، فضلا عن شرط اخر يتمثل باعلان منطقة حظر للطيران فوق الاراضي السورية بحجة حرمان النظام السوري من امكانية استخدام الطيران والاوضاع الاستراتيجية التي ستتشكل لاحقا للاضرار بالمعارضة السورية التي تحولت الى شرط ثالث اكد عليه اردوغان تحت تسمية توفير كل اشكال الدعم لما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة.

بالمقابل سارعت الادارة الاميركية بالامس (27 سبتمبر) بالرد على هذه الخطوة من خلال الاعلان بانها تفكر جديا بالعمل على اقامة منطقة عازلة في سوريا واقرار منطقة حظر الطيران حيث ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في هذا الصدد نقلا عن وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان المشتركة مايلي "إن الإدارة الأميركية لا تستبعد إقامة منطقة حظر طيران فوق شمال شرق سوريا لحماية المدنيين من الغارات الجوية للنظام السوري... وإن إقامة منطقة عازلة ربما تصبح في مرحلة ما أمرا ممكنا ". للدلالة فقط على حجم التناغم الذي بدأ بالتشكل بين طرفين مهمين في لعبة صياغة التفاعلات الجيوبولتيكية في المنطقة، وهو ما يثير لدى المتتبع الكثير من الشكوك والتساؤلات التي بدأت تتراكم هي الاخرى من جراء الاشارات التي تم التاكيد عليها بين هاتين الدولتين والتي يبدو انها بدأت بتشكيل ملامح العقيدة الجيوبولتيكية لكلاهما في تقاسم الادوار وفي تحديد مجالات النفوذ في هذه الحملة.

لكن وبرغم كل هذا الحديث عن المحددات التي استجابت الادارة الاميركية مبدئيا لبعضها تبقى هنالك العديد من التساؤلات التي تثار حول ردة الفعل السورية والعراقية التي ستصعد من حجم شكوكها بكل مايجري خاصة بعد ان تبين للجميع بانها ليست حملة موجهة بالضرورة ضد داعش بقدر ماهي حملة موجهة لاعادة صياغة الجغرافيا مجددا في العراق وسوريا عبر تشكيل مجالات نفوذ تركية – اميركية بادوات جديدة بعد الانتهاء من استخدام داعش واستفاد دورها الذي لعبته باتقان في المرحلة السابقة، يضاف الى ذلك ضرورة ان ناخذ بنظر الاعتبار النتائج التي يمكن لها ان تترتب ولو شكليا على ردة الفعل الشعبية التركية والقرار الذي يتوقع صدوره من البرلمان في الايام القادمة حول اعطاء التفويض للمشاركة في هذا الحلف. لتبقى في كل هذا المشهد حقول النفط في مقدمة الاسباب التي تدفع باتجاه تشكيل هذه الحملة التي يبدو بانها لم تخرج كثيرا عن اطار كل الحملات الاميركية السابقة التي جاءت بحجة حماية الناس وتخليصهم من بطش القوة الغاشمة، ليجدوا انفسهم فيما بعد في هوة احتلال سحيقة.