المحادثات بشأن مفتشي الاسلحة تزيد المخاطر بالنسبة للعراق

واشنطن- من فرانك زيللر
عودتهم مشكلة، وعدمها مشكلة.. للطرفين

عندما يطلب السكرتير العام للامم المتحدة كوفي عنان من وزير الخارجية العراقي ناجي صبري يوم الخميس السماح لمفتشي الاسلحة الدوليين باستئناف عملهم في العراق فإن الرد الذي يتلقاه سيدفع في الغالب خطوة أخرى نحو حرب ثانية.
فقد اعتبر الرئيس الاميركي جورج بوش العراق جزءا من "محور الشر" الذي يشمل أيضا إيران وكوريا الشمالية، وهي دول تسعى إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل. وتنادي إدارة بوش بإسقاط الحكومة العراقية، كما لم تستبعد القيام بغزو ضد العراق رغم احتجاجات من الحلفاء في منظمة حلف شمال الاطلنطي (ناتو).
وقال روبرت إينهورن، مساعد وزير الخارجية الاميركي السابق لشئون منع الانتشار النووي، في شهادة أمام الكونغرس في أواخر الاسبوع الماضي "يبدو أن هناك اتفاقا في الآراء أخذ يتشكل في واشنطن بشأن تغيير النظام في العراق. والنقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان يجب إجراء التغيير ولكن حول توقيته وكيفية تنفيذه".
وقد تزايدت المؤشرات على أن الولايات المتحدة قد تستهدف العراق في المرحلة الثانية من حربها ضد الارهاب، وهو الامر الذي طالما نادى به الصقور داخل وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون). وتحدثت التقارير الصحفية عن خطط لحملة من جانب وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي.آي.إيه) وقوات عسكرية تتمحور حول تسليح وتدريب معارضين في شمال العراق وجنوبه.
وقالت التقارير أن عسكريين أمريكيين ومسئولين من سي.آي.إيه قاموا بزيارات متكررة للمنطقة. كما أن واشنطن تمول مؤتمرا لمعارضين عراقيين وعسكريين منشقين فارين قد يعقد في آذار/مارس الحالي. وأعربت وزارة الخارجية الاميركية عن تأييدها لبناء محطة إرسال إذاعية لتبث للعراقيين حملة دعاية مضادة.
وحصل بوش على مساندة من أقرب حلفائه، رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي قال أن أسلحة الدمار الشامل العراقية تمثل تهديدا "ليس للمنطقة فحسب بل للعالم بأسره". كما قال وزير الدفاع البريطاني جيف هون "إنني على ثقة بأنه إذا توفرت الظروف المناسبة فإننا سوف نساند الولايات المتحدة" في القيام بعمل عسكري.
ولكن فيما عدا ذلك في أوروبا، فإن شبح شن حملة عسكرية مباشرة ضد العراق أثار جوا من عدم الارتياح ومعارضة صريحة تقودها فرنسا وألمانيا. وصرح مسئول ألماني بارز الاثنين بأن ألمانيا ترغب في قرار جديد من جانب الامم المتحدة قبل أي عملية عسكرية أمريكية ضد بغداد.
وفي الآونة الاخيرة، تزايدت الضغوط التي تقودها روسيا وأوروبا ضد استمرار العقوبات التي مر عليها أكثر من عشر سنوات والتي يقول منتقدوها أنها قتلت آلاف الاطفال بسبب سوء التغذية وعدم توفر الرعاية الطبية.
إلا أن المسئولين الاميركيين يقولون أن العراق الان يمثل تهديدا أكثر من أي وقت مضى.
ففي شهادته أمام إحدى لجان الكونغرس يوم الجمعة الماضي قال إينهورن، الذي يعمل حاليا مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، "اليوم، أو على أقصى تقدير في غضون أشهر قليلة، سوف يستطيع العراق أن يشن هجمات صاروخية بأسلحة كيماوية أو بيولوجية على جيرانه".
وأضاف قائلا "في غضون أربع أو خمس سنوات، ستكون لدى العراق القدرة على تهديد معظم الشرق الاوسط وأجزاء من أوروبا بصواريخ تحمل رؤوسا نووية تحتوي على اليورانيوم المخصب بدرجة عالية".
وقال إينهورن "وفي خلال هذه الفترة ذاتها، يمكن أن يهدد العراق الاراضي الاميركية بأسلحة نووية يتم نقلها بوسائل غير تقليدية. وإذا ما تمكن العراق من وضع يده على كميات كافية من مواد انشطارية تم إنتاجها بالفعل، فإن هذه التهديدات يمكن أن تتحقق في وقت مبكر عن هذا الموعد".
أما الدكتور ريتشارد سبيرتزيل، رئيس فريق الامم المتحدة المكلف بالتفتيش على الاسلحة البيولوجية في العراق بين عام 1994 وعام 1998 فقد أضاف قائلا "لا شك في أن العراق يمتلك اليوم برنامجا للاسلحة البيولوجية أقوى بكثير عما كان لديه في التسعينيات. وربما تكون المواد التي تثير أشد القلق هي تلك العناصر مثل بكتيريا الانثراكس (الجمرة الخبيثة) والتولاريميا وفيروس الجدري وكذلك المواد المبيدة للحيوانات والمحاصيل".
وقد أشار العراق في الاسبوع الماضي أنه لا يعتزم إجراء تغيير كبير في موقفه بشأن قضية مفتشي الاسلحة عندما يجتمع وزير خارجيته ناجي صبري مع عنان يوم الخميس المقبل في نيويورك.
ونقلت التقارير عن نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز قوله "سنقاتل حتى النهاية" إذا ما بادرت الولايات المتحدة بالهجوم. وكشفت مصادر الاستخبارات الاميركية لصحيفة واشنطن تايمز أن القوات العراقية بدأت في بناء حواجز ترابية حول المنشآت العسكرية الرئيسية.
غير أنه في مؤشر على أن بغداد قد تخفف من موقفها المتصلب، قالت صحيفة بابل الاثنين أن العراق قد يسمح بعمليات تفتيش محدودة إذا أعقب ذلك إنهاء العقوبات.
ومن المقرر بصورة غير رسمية عقد جولة أخرى من المحادثات بين العراق والامم المتحدة في نيسان/إبريل. وقد يصدر إنذار نهائي في أواخر أيار/مايو، عندما يحل موعد مراجعة نظام العقوبات المفروضة على العراق منذ عام 1990.
ويعرب المسئولون في واشنطن بصورة متزايدة عن شكوكهم في جدوى استئناف عمليات التفتيش على الاسلحة التي تجري بتفويض من الامم المتحدة.
وقال سبيرتزيل "إن معظم المقترحات بشأن إعادة المفتشين إلى العراق تقوم على أساس الافتراض بأن وجود أي من المفتشين أفضل من عدم وجود أحد على الاطلاق."
وذهب إينهورن، المسئول السابق بوزارة الخارجية الاميركية، إلى القول بأنه من المناسب لمجريات الامور في السياسة الامريكية أن يواصل العراق رفضه لعودة عمليات التفتيش.
وقال إينهورن "إن وجود المفتشين في العراق قد يعقد استراتيجية تغيير النظام. فسوف يعطي ذلك مبررات لدول أخرى، بما فيها الدول الاوروبية ودول الشرق الاوسط، للمطالبة بتأجيل العمل العسكري وإعطاء فرصة لعمليات التفتيش لحل مشكلة أسلحة الدمار الشامل."