المجتمع المدني في العراق وأولويات صناعة الشعب

بقلم: صلاح الموسوي

"أقول وقلبي ملآن أسى، انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي موحد بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وآباطيل دينية لا تربط بينهم جامعة، ساعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، نحن نريد والحالة هذه، أن نشكل من هذه الكتل شيئاً نهذبه، وندربه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في هذه الظروف يجب إن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التشكيل".

بهذه الكلمات المعبرة والمؤثرة نطق الملك فيصل الأول بعد سنوات من تجربته في الحكم بالعراق، وهذا نص سياسي واجتماعي لا يخلو من مسحة الأدب ويحمل رؤية لم يقطع زمن الثمانين عاماً المنقضية بخطلها أو فواتها بعد التكرار الغريب لسيناريو (احتلال أجنبي ـ مشروع تكوين دولة ـ مجتمع متشظٍ).

وثمة فارق بين الاحتلالين البريطاني والأميركي لكون الأول اضطر لإنشاء دولة عراقية بعد ثورة وطنية عنيفة عام 1920 وحرص على تزويدها بشيء من المتانة رغبة بحفظ مصالحه التي التقت مع المؤيدين (ملك من خارج العراق ـ ضباط شريفون انشقوا عن الدولة العثمانية ـ شيوخ قبائل ورجال دين وقفوا بالضد من الثورة).

أما الاحتلال الأميركي فحاول تطبيق رؤية نيولبرالية متطرفة تؤمن بأن إضعاف الدولة سيقود إلى نتيجتين حاسمتين في سبيل بناء ديمقراطية سياسية، وهي أولاً إن المجتمع سيكون أقوى من الدولة وانه سيسمح بظهور تنظيمات مدنية في داخل المجتمع، أي شكل من أشكال تنظيم المجتمع لنفسه بعيداً عن تدخل الدولة، وقد برهنت الوقائع عن طوباوية هذه الرؤية ومجانبتها لواقع العراق قبل الاحتلال الأميركي، إذ إن الدولة والمجتمع التي احتدمت مشاكلهما في إعقاب الحرب العراقية الإيرانية، ثم في إعقاب حرب الخليج 90ـ1991 والحصار العاتي أدت إلى نشوء وضع فريد، دولة شمولية ضعيفة، ومجتمع مدني منهك بل محروم من مؤسساته، ولم تعد الدولة الشمولية راعياً اجتماعياً بعد أن قامت بخصخصة الخدمات الصحية والتعليمية، ولم تعد منتجاً رئيسياً ولكنها بقيت محتفظة بأجهزة العنف (المشروع) متقاسمة السلطة مع القوى ما قبل الحديثة التي أطلقتها.

يختزن حلم الملك فيصل الأول في تشكيل وبناء امة عراقية مع أهداف الوصول إلى مجتمع مدني يتخطى عوارض البنى التقليدية (العائلة، العشيرة، الطائفة) ويرفض أي وساطة بينها وبين الأفراد في رحلة الوصول إلى النظام السياسي الديمقراطي، فالمجتمع المدني بتعريف هيغل هو "الفرق أو الاختلاف الذي يدخل بين العائلة والدولة، مع إن تشكيله يتم بعد بناء الدولة لأنه كفرق أو كاختلاف بين العائلة والدولة يفترض وجود الدولة".

وهذا التوسط للمجتمع المدني بين العائلة والدولة يعني بالضبط التوأمة التاريخية مع الأمة التي تتشكل بواسطة الأفراد المواطنين. المواطن، عضو في المجتمع المدني وفي العائلة أيضاً، ولكن ما يميزه كمواطن ليس رابطة الدم غير المشروطة أو الحب غير المشروط، ولا رغبته في الاكتفاء، وإنما قدرته على الحكم على ما هو خير وما هو شر.

وقراءة في سيرة الدولة العراقية نرى حصول نوع من الوحدة (الاجتماعية ـ السياسية) داخل مجتمع سكان بلاد الرافدين قبل تشكل الدولة الحديثة بعد ان توحدت التعدديات الإثينية والقومية في ثورة العشرين واشتراك أبناء العشائر إلى جانب رجال الدين وأصحاب التعليم والثقافة الحديثة، ثم تمكنت هذه الدولة بفعل ظروف داخلية وخارجية من إعالة نفسها ومراكمة مواردها الاقتصادية وفق مراحل الدولة ما قبل الريعية (1921ـ1951) الدولة الريعية (1951ـ1964) الدولة الريعية المالكة والمنتجة (1964ـ1991)، وقد افلح ذلك في إطلاق مسار اجتماعي حيوي باتجاه تشكيل (ذات وطنية عراقية) ساهم في نموها توسع المدن وشيوع القيم المدنية، وانبثاق طبقة وسطى ترتكز على مكون أخلاقي صلب أهلها لأخذ زمام المبادرة في التنشئة الوطنية وقضايا الشأن العام عبر إبداعها الثقافي والفني وحضورها المؤثر في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية والتنظيمات العسكرية الوطنية التي اشتهر بينها "تنظيم الضباط الأحرار".

كان انسياق الدولة والمجتمع العراقي في مجرى الحداثة العالمية ظاهرياً أكثر من كونه مرناً في صيرورة التطور والتجاوز لمراحل انجاز الدولة الحديثة لمهامها التاريخية وتقدم المجتمع ضمن دائرة التعدد الخلاق في إطار الوحدة الصلبة.

فلم تتمكن الذات الوطنية الناشئة من فك إسارها أو الانعتاق من سطوة بنى الانتماءات الأولية السابقة للدولة (العشيرة، الطائفة) وقد سجلت هذه العصبيات حضوراً مؤثراً في عصب الدولة وحراكها بصرف النظر عن طبيعة الحكم (ملكي.جمهوري) ونظريته السياسية (محافظ، ثوري) وآليات تحكمه (ملاَّك إقطاعيون، أحزاب محافظة، أحزاب ثورية شعبوية).

في دراسة أسباب احتفاظ الشبكات الاجتماعية التقليدية بقوتها في المجتمع والدولة العراقية نكتشف حضور عوامل التاريخ والجغرافيا في انساغ حياة هذه الشبكات ودور الطبيعة السهلية لأرض العراق مع وجود النهرين في لعب دور مزدوج ساعد على توطن القبائل الكبيرة التي هاجرت حديثا إلى العراق من الجزيرة العربية وتغيير نمط معيشتها بالتدريج إلى امتهان الزراعة، وقد سمي العراق بمقبرة البدو، إلا انه من جانب آخر حافظت القبيلة على مستوى عالٍ من وحدتها وبقي التعاقد بين الفرد والقبيلة رابطاً مهما في حياة الطرفين، والسبب هو الفرصة التي وفرتها سهولة الأرض لاستيطان القبيلة كوحدة متكاملة على بقعة جغرافية واحدة وعلى ضفاف الأنهار بالتحديد.

وهذه ميزه للمناطق السهلية على المناطق الجبلية حيث لا تسمح ضيق الوديان هناك بتجمع القبلية في قرى متلاصقة. وفي العراق غلب اللقب العشائري على انتماء الأسرة والمدينة والحرفة. وأيضاً ظلت القيم البدوية راسخة على حساب القيّم الريفية لدى العشائر التي استوطنت الريف منذ عشرات أو مئات السنين.

أما الطائفة فقد ورثت قوتها السياسية في الدولة العراقية الوليدة من نتائج الصراع التاريخي بين الصفويين والعثمانيين الذي استغل قداسة الأماكن الدينية في العراق رمزاً لصراعه السياسي ـ الاقتصادي، حيث هبت المؤسسة الدينية السنية لفرض نفسها قيّمة على الإرث العثماني باعتباره امتداداً للحكم السني للعراق منذ العهد العباسي، وتصدى كبير علماء بغداد عبد الرحمن النقيب للتعاون مع الانكليز وترؤس أول وزارتين شكلتا في العهد الملكي. وبخصوص علماء الشيعة ومن باب رد الفعل فقد أفتى البعض من رجالهم المهمين بحرمة إرسال الأبناء إلى المدارس الحكومية أو الانخراط في الوظائف المدنية والعسكرية. ومع إن الشد الطائفي كان اقل توتراً على صعيد المجتمع، ظلت السياسة في العراق ساحة التغول الطائفي المتنامي بسبب تنكب السياسيين المؤثرين آنذاك لجادة الحكم الديمقراطي الرشيد.

فالحكومة تفرض التجنيد الإجباري على رعيتها ثم لا تسمح لهم بالانتخاب المباشر، فهي تريد ان تدرب الفرد العراقي ان يكون جنديا رغم انفه ولا تريد إن تدربه على ان يكون مواطناً صالحاً وعضواً فاعلاً في بناء أجهزة الدولة.

آذن الدخول العسكري الأميركي للعراق 2003 ببدء مرحلة دولة عراقية جديدة على أنقاض الدولة المنهارة، وشيوع مقولات التعددية والديمقراطية والفيدرالية بديلاً عن ايديولوجية الدولة المنهارة ذات البعد القومي الشعبوي.

وفي الحقيقة سجلت الأيام الأخيرة للدولة البعثية ضعفاً اجتماعياً كبيراً اختزله تمزق النسيج المدني وانهيار الطبقة الوسطى ودخول العصبويات التقليدية في عصرها الذهبي، ولم تلامس ظاهرة انتشار منظمات المجتمع المدني بعد التغيير الأميركي سوى قشرة هذا المجتمع، بسبب مناعة المجتمع العراقي في تعويض نشاط هذه المنظمات عن الدعم المالي الأجنبي، وتوجس الأحزاب الحاكمة من دور البديل أو المنافسة القوية لهذه المنظمات في تنظيم توزيع ما اصطلح عليه بالحوكمة بين المجتمع والدولة.

وباعتبارات التوأمة التاريخية بين المجتمع المدني ووجود الأمة الحديثة، يرتبط تشكل أي امة بوجود مجموع المواطنين الذين يشكلون سيادة او يسعون إلى تشكيل سيادة، وفقدان السيادة يقود إلى كسر معرفي في العلاقة بين المجتمع المدني والدولة حيث توظف المطالب الديمقراطية في العداء للدولة القائمة بدلاً من إصلاحها.

وقد عايشت الدول العربية ومن ضمنها العراق في القرن الماضي تمحور النزعة التحررية لدى النخب في السعي لتدمير الدول القائمة بحكم افتقادها للسيادة الوطنية وخضوعها لأوامر المستعمر.

ويمكن أن يؤدي النفور من الدولة إلى نفور من السياسة، وهذا هو ألد أعداء الديمقراطية وبخاصة عنصر المشاركة في الحياة العامة وهو العنصر الأكثر أهمية في تنمية مجتمع مدني. وقد تلتقي الديكتاتوريات مع التوجهات النخبوية في الأنظمة الديمقراطية حول مسألة تنفير المواطن من السياسة.

إن الامتحان الأول للمجتمع المدني كمفهوم معياري في الدولة الديمقراطية يتمثل بقدرته على الصمود أمام الرغبة لإعادة الوحدة إلى ما هو منفصل في الحداثة، أي إلى الأمة والقومية أو الأمة والطائفة الدينية، وقدرته على تمديد المسافة الفاصلة بينهما إلى حيز عام مشروع جاعلا المواطنة تذكرة الدخول إليه.

وهذا بالضبط ما يدفع بالتجربة الديمقراطية العراقية إلى حوائط الصد بسبب انغلاق التعددية السياسية الظاهرة على شبكات المصالح الشخصية والفئوية والاجتهاد الحثيث في منح عناصر القوة للشبكات القرابية والعصبوية الأولية التقليدية ومد سطوتها على مفاصل السياسة والاقتصاد والثقافة.

ويمكن إجمال مخرجات هذه الاستراتيجية البعيدة عن روح النظام الديمقراطي، بتحول الطوائف إلى أحزاب سياسية مغلقة، واعتماد آلية حكم عقيمة وغير مسبوقة في العمل الديمقراطي تحت مسمى فضفاض "الشراكة السياسية" بدلا من آلية الأكثرية والأقلية البرلمانية، تحول العملية الجراحية الدقيقة في نقل الحكم من الطائفة (الأقلية) إلى الطائفة (الأكثرية) إلى محض عملية نقل الامتيازات من نخب الطائفة الخاسرة إلى نخب الطائفة الفائزة، وفي أحسن الأحوال تقاسم غنائم النصر بين الفائزين من الطرفين بتمثيل البرلمان، إضافة أعباء جديدة على كاهل المجتمع العراقي تضاف إلى الأعباء الكارثية للدولة المنهارة وبالأخص التهجير الطائفي الذي نجم عن الاحتراب الأهلي مما تسبب بتجذير (الكوارث الوطنية) كبلوغ نسبة الأمية إلى مستوى الـ (26)% من السكان معظمهم من النساء (60 إلى 65%) ورفع نسبة الرازحين تحت خط الفقر إلى الـ (23)%.

حرمان المجتمع المدني من عطاء أبناء الأقليات الدينية التي دفعها الخوف للانزواء في غيتوات دينية اوالنزوح الجماعي من البلاد، كذلك حرم الوضع الكردي الجديد المجتمع المدني العراقي من إبداع حيوي سجله أبناء الكرد في بنية الحركة الوطنية العراقية وفي العطاءات الفكرية والأدبية والفنية.

يرتبط نمو المجتمع المدني في البلدان حديثة النشأة ارتباطاً ايجابياً مع قوة الدولة، وفي العراق لعب الريع النفطي المتزايد دوراً كبيراً في اتساع قاعدة الطبقة الوسطى التي مثلت الحاضن الأهم لانطلاق نشاطات المؤسسات الأهلية أو المدنية (الأحزاب الوطنية، النقابات المهنية، الجمعيات الأهلية)، ويبدو أن الخطر الذي لحق بالطبقة الوسطى في العشرين عاماً من عمر الدولة المنهارة لازال ماثلا مع الاعتماد الكلي لاقتصاد الدولة الجديدة على بيع النفط، والانجرار الأعمى خلف النظرية الاقتصادية الليبرالية، مما يتسبب في ظل الضعف الحالي للدولة بجعل المجتمع المدني والسوق شيئاً واحداً، أي إخضاع المجتمع المدني لآليات السوق وإقامة دولة تابعة تزداد فيها الهوة بين غنى النخبة المشاركة في السلطة وفقر أغلبية المواطنين الذي لابد إن يهمش من مشاركتهم السياسية، ويعني بالنتيجة هدم أي إمكانية لإقامة مجتمع مدني، والفقر بحد ذاته لا ينتج الحالة العقلية التي يسميها هيغل "الرعاع" وإنما تنشأ خصوصية هذا النوع من الفقر من إضافة الاغتراب عن الدولة والمجتمع والنظام القائم وذلك بتحطيم البنى الأهلية (المدنية).

وفي واقع انضواء العراق تحت جناح الاقتصاد المعولم تقع على الطبقة الوسطى العراقية بالخصوص تحمل مسؤولية القيادة للمجتمع المدني عبر تثوير مكونها الأخلاقي للدفاع عن البنى المدنية الحديثة بمقابل سوق الاقتصاد والسياسة السوداء، بمنافسة وتحجيم دور عصبويات ما قبل الدولة في إدارة شؤون البلاد عبر غرس الانتماء الوطني، وكذلك لعب دور الطبقة الاقتصادية التي تكفل تحقيق التناغم بين منهج التخطيط واليات السوق بما يحافظ على ثروات البلاد ويحمي المجتمع العراقي الذي لا يزال منهكاً، من آثر تفجر الفقاعات المالية الرأسمالية وفقدان الوزن خارج إطار الحاجة النفطية العالمية.

صلاح حسن الموسوي

مدير مركز الجنوب للدراسات والتخطيط الستراتيجي