المجتمع الدولي يكتفي بالقلق من تصعيد إيران النووي

الأنظار تتجه إلى الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة لجسّ نبض توجهات الإدارة الإيرانية بشأن الاتفاق النووي.


هل تكسر اجتماعات الأمم المتحدة جمود مفاوضات العودة للاتفاق النووي


طهران تلعب على إضاعة الوقت حتى تواصل بناء نفوذها


إيران بشكل كبير من عدد أجهزة الطرد المركزي

فيينا- تتسلّط الأضواء مجددا على برنامج إيران النووي هذا الأسبوع في نيويورك حيث تلتقي الأطراف الرئيسية في هذا الملف خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وسيطرح الملف أيضا على المؤتمر السنوي العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يبدأ الاثنين في فيينا.

وسيترأس الوفد الإيراني في نيويورك وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان من دون أن يكون له أي لقاء مجدول مع مسؤولين أميركيين في ظل العلاقات المقطوعة بين البلدين. وسيلقي الرئيس الإيراني، الثلاثاء المقبل، خطابه الأول أمام المنظمة الدولية عبر الفيديو.

ومن المتوقع، أن يشكل دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي وأطراف أخرى مثل روسيا، صلة الوصل بين الإيرانيين والأمريكيين.

 لكن لا يتوقع مراقبون وخبراء تحقيق اختراق يذكر على مستوى استئناف المفاوضات الدبلوماسية المتوقفة منذ ابريل الماضي. وبينما تصر طهران على  الطبيعة السلمية لأنشطتها، فإن سلوكها الأخير يقلق الخبراء  الذين يرون أن المشهد اليوم يشبه إلى حد كبير المشهد خلال توقيع مفاوضات توقيع اتفاق 2015.

ويحذر الخبراء من أن المماطلة تعني استمرار طهران في تخطي الحدود وخرق بنود اتفاق 2015. وكلما طالت فترة الانتظار، أصبحت إيران أقرب لامتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي في حال رغبت بذلك.

ما الحدود التي تخطتها طهران

وفقا لبنود الاتفاقية المبرمة في فيينا العام 2015 مع القوى العظمى (الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وروسيا)، وافقت إيران على تخصيب اليورانيوم بنسبة 3,67% كحد أقصى مع سقف محدد ب202,8 كليوغرام.

تكمن العملية في زيادة نسبة النظائر الانشطارية في اليورانيوم، وخصوصا في أجهزة الطرد المركزي.

اليورانيوم الطبيعي المستخرج من الأرض يضم 99,3% من اليورانيوم 238 غير قابل للانشطار. ويشكل الجزء الانشطاري وهو يورانيوم 235، نسبة 0,7% فقط. هذا اليورانيوم المخصب بنسبة تراوح بين 3 و5% يستخدم لتزويد محطات الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء.

لكن ردا على قرار دونالد ترامب في 2018 الانسحاب من الاتفاق، حررت إيران نفسها تدريجا من التزاماتها.

وهكذا بدأت في تجاوز الحد المسموح به أثناء التخصيب بنسبة تصل إلى 5%. وبحسب أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد راكمت حتى نهاية آب/أغسطس 2441,3 كيلوغراما من اليورانيوم، أي أكثر بـ12 مرة الحد المسموح به.

في بداية العام، ذهبت إيران إلى أبعد من ذلك وبلغت نسبة 20%، وهو مستوى يسمح نظريا بإنتاج نظائر طبية تستخدم خصوصا في تشخيص بعض أنواع السرطان. وبات مخزونها المخصب بهذه النسبة يبلغ الآن 84 كيلوغراما.

ثم في أبريل تجاوزت إيران عتبة 60% غير المسبوقة وأنتجت مذاك 10 كيلوغرامات واقتربت بذلك من نسبة ال90% اللازمة لصنع قنبلة ذرية.

أخيرا، طورت إيران للمرة الأولى اليورانيوم المعدني "بحجة مدنية في حين أنه مادة أساسية لصنع سلاح نووي" كما تقول أندريا سترايكر المؤلفة المشاركة في تقرير حديث صدر عن معهد واشنطن للعلوم والأمن الدولي.

في موازاة ذلك، زادت إيران بشكل كبير من عدد أجهزة الطرد المركزي وأدائها لزيادة الإنتاج بشكل أفضل وأسرع.

ولم تحدد الكمية المسموح بها بموجب الاتفاقية بشكل عشوائي. لقد كانت نتيجة حساب دقيق يهدف إلى تحديد "وقت الاختراق"، أي الوقت الذي ستستغرقه إيران نظريًا للحصول على المادة اللازمة لصنع قنبلة نووية.

كانت هذه المهلة محددة بعام واحد.

ونظرا للتطورات التقنية الأخيرة، باتت الآن "أقل بكثير" كما ذكر دبلوماسي مطلع على الملف مؤكدا أنه "ليس معقدا من الناحية التقنية" الانتقال من 60 إلى 90%.

بالتالي فإن إيران "قطعت 99% من الطريق" ببلوغ نسبة تخصيب بـ60%، في رأي الخبراء "ما يدل على خطورة الوضع" على حد قول سترايكر. لكنها في المقابل أكدت أن "لا حاجة للهلع".

وتابعت "إنه أمر مقلق للغاية لكننا لا نعرف نوايا طهران"؛ بالإضافة إلى ذلك "لم تقم إيران بإعادة تكوين مخزون كبير من اليورانيوم كما كان قبل اتفاقية 2015" وفقا للباحثة.

معارف لا يمكن محوها

حتى إذا تمكنت من جمع ما يكفي من المواد لصنع قنبلة "سيتعين على طهران تحويلها وتجميعها مع متفجرات ومكونات أخرى" كما يقول إريك بروير أخصائي الانتشار النووي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

وبعد ذلك، ثمة مراحل إضافية ضرورية "لتكييف السلاح على صاروخ وتشغيله بشكل صحيح".

طهران ستعمل على ربط الملف النووي بالملفات الخلافية الأخرى والتفاوض حولها كحزمة واحدة

بالإضافة إلى ذلك، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية رغم فرض قيود على تحركاتها منذ دخول قانون إيراني جديد حيز التنفيذ في فبراير، تقوم بانتظام بتفتيش المواقع الرئيسية للبلاد ولا سيما مجمع التخصيب في نطنز (وسط(.

في المقابل، يقول الخبير إن طهران راكمت على مدى أسابيع معلومات ومعارف لا رجوع عنها "لا يمكن محوها بمجرد العودة إلى الاتفاق".

مكاسب سياسية

لم يفشل الاتفاق النووي لسنة 2015 فقط في تحقيق أهدافه ومنع النشاط النووي الإيراني، بل جاء بعكس غاياته وساهم في إطلاق يد إيران في الشرق الأوسط، وعوض أن تذهب الأموال التي أفرج عنها بموجب الاتفاق إلى الإيرانيين الذين يرزحون تحت نير العقوبات ذهبت إلى تقوية ميليشيات إيران في المنطقة.

لا شكّ أن جميع الأطراف ستتوصّل في النهاية إلى اتفاق وستكون الجولات المقبلة من التفاوض جدية، خاصة بعد قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

لكن الخبراء يحذرون من أن الأوضاع في الشرق الأوسط لم تعتد تحتمل تصعيدا جديدا ولا استمرارا في نفس النسق الذي سارت عليه الأوضاع في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي تخلى عن المنطقة من أجل توقيع الاتفاق النووي، ولا كما في عهد دونالد ترامب الذي عمق الأزمة بانسحابه من الاتفاق النووي المكلف.

في عهد أوباما وترامب كان هناك شق معتدل يميل للتفاوض مع الغرب وكانت إلى حد ما يحقق بعضا من التوازن الذي ولئن لم يؤدي إلى نتيجة فعّالة إلا أنه أبقى الأمر بين مدّ وجزر. اليوم الوضع مختلف مع وصول رئيس محسوب على المتشددين ورشّح لخلافة المرشد الأعلى ومقرب من الحرس الثوري الإيراني.

ويقود فريق المفاوضين المحافظ علي باقري كني، الذي سبق أن أدلى بمواقف منتقدة للاتفاق وما يعتبرها تنازلات قدمتها حكومة الرئيس السابق المعتدل حسن روحاني في المجال النووي. ويدعمه رئيس دبلوماسية متشدد.

وتدل التركيبة الجديدة في وزارة الخارجية وفي فريق التفاوض حول النووي على أن طهران ستعمل على ربط الملف النووي بالملفات الخلافية الأخرى والتفاوض حولها كحزمة واحدة على عكس الحكومة السابقة التي كانت تعتمد فصل المسارات.

بينما تتواصل التحذيرات الإسرائيلية من البرنامج النووي الإيراني، اتجهت دول الخليج العربي إلى تطوير سياسات دفاعية مبنية على تنوع التحالفات والبدائل وهي أهم عبرة خرجت بها بعد مفاوضات الاتفاق النووي لسنة 2015.

وبينما لا يبدو أن هناك خطة بديلة واضحة لواشنطن التي تركز جهودها الآن في الحرب ضد الصين، تواصل القوى الأوروبية المشاركة في المفاوضات تخبطها بين مسعى لإقناع إيران بالعودة إلى المفاوضات والامتثال لنقاط اتفاق 2015 وبين قناعة بأن  المزاج والظروف في طهران أصبحت مختلفة كثيرا عما كان عليه الوضع مع حكومة حسن روحاني وقبل الانسحاب الأميركي من الاتفاق، كما أن واشنطن تبدو مع الديمقراطي جو بايدن أقرب لسياسة أوباما.

ظروف المفاوضات كانت أسهل مع حسن روحاني ووزير خارجيته جود ظريف، رغم التعقيدات المرتبطة بطبيعة الحكم في إيران عموما. أما اليوم فالمفاوضات مع المتشددين الذين عارضوا في السابق توقيع الاتفاق.

الحرس الثوري بشكل أساسي، الذي كان من أشدّ المعارضين لتوقيع الاتفاق سيعمل على الحفاظ على ما غنمه خلال المفاوضات الأولى، وسيطبق نفس إستراتيجية المماطلة والشد والجذب لتحقيق أكبر قدر من المكاسب. ومن قبل كان الحرس الثوري الطرف المقابل الرافض للتفاوض والذي قبل الاتفاق كأمر واقع، أما اليوم فهو الطرف المفاوض وسيعمل على وضع شروطه.

ويرى علي واعظ، الباحث في الشأن الإيراني لدى مجموعة الأزمات الدولية، إن "الولايات المتحدة قريبة جدا من حدودها القصوى". ولا يعتقد أنه "يتبقى أمام إدارة بايدن هامش واسع للمناورة (...) لذا في حال يسعى الإيرانيون إلى مقايضة أكبر، فذلك سيكون بمثابة صيغة للوصول إلى حائط مسدود" وحتى لو تم التوصل لاتفاق فإن تكلفته ستكون أعلى بالنسبة للولايات المتحدة فك الارتباط المعقد مع للشرق الأوسط، وتأجيل ما يتأجل من ملفاته، للتفرغ للصين..