المجتمع التونسي ما زال يقاوم التخلّف...

هناك مقاومة تونسية لمحاولة فرض نظام متخلف على البلد بدل أن تكون "ثورة الياسمين" مدخلا الى نظام ديموقراطي حقيقي يليق ببلد منفتح على الحضارات قريب من اوروبا. بلد، كان فيه، حتى الامس القريب، احترام كبير للمرأة والمساواة بينها وبين الرجل وحياة ثقافية معقولة وحركة فنّية مزدهرة ونظام تعليمي متطور، الى حدّ ما طبعا.

مصدر المقاومة التونسية هو المجتمع التونسي الذي يرفض الاغتيالات السياسية وكلّ ما له علاقة بالعنف من قريب او بعيد. هذا المجتمع المسالم الذي رفض دائما الاحتكام الى السلاح والمرتبط بثقافة الحياة، لا يصدّق أن وراء اغتيال شخصية مثل السيد شكري بلعيد، وهو رئيس حزب يساري، "فلول" النظام السابق. هذا المجتمع يعرف مَنْ وراء الاغتيال ويعرف أنّه لا يمكن أن يخرج من عباءة الاحزاب الدينية، مهما ادّعت الوسطية، سوى متطرفين. في النهاية، من اين خرج اسامة بن لادن. الم يكن اصلا من جماعة الاخوان؟

كانت جريمة اغتيال بلعيد نتيجة مباشرة لغياب دولة القانون بعد سقوط هيبة الدولة. هذه الهيبة تحطمت بعد رحيل زين العابدين بن علي الذي تميزت فترات من حكمه بالمحسوبية والفساد وقد كان مسؤولا جزئيا عن وصول تونس الى ما وصلت اليه عشية الثورة بسبب تمسّكه بدولته "البوليسية" بالمفهوم الضيّق للكلمة.

من بلد عصري يمتلك مؤسسات قويّة يطمح الى ان يكون على تماس مع اوروبا، عادت تونس عقودا عدة الى خلف. خسرت معظم ما بني منذ الاستقلال. خسرت قبل كلّ شيء قدرتها على تطوير نفسها، خصوصا تطوير المجتمع برجاله ونسائه الذي يمتلك امكانات كبيرة، نظرا الى ان ثروة البلد كانت دائما في الانسان التونسي المثقف القادر على أن يكون قادرا على شغل مواقع في اهمّ المؤسسات والشركات العالمية.

على الرغم من ذلك كلّه، ثمة امل في استعادة تونس حيويتها وفي استعادة موقعها. هناك بكلّ بساطة مقاومة من المجتمع التونسي لحال من التخلف يسعى الاخوان المسلمون الى فرضها على البلد. بكلام اوضح، ان تونس التي استقلت منذ العام 1956 استطاعت ان تبني مجتمعا منفتحا بفضل القوانين العصرية والمتطورة التي فرضها الحبيب بورقيبة من جهة والنظام التعليمي من جهة اخرى. الاهمّ من ذلك، ان طبقة متوسطة نمت في عهدي بورقيبة وزين العابدين بن علي. هذه الطبقة وراء تطوّر تونس وتحويلها الى دولة تسعى بالفعل الى تجاوز مشاكلها والانتماء الى العالم المتطور، وانّ في ظلّ حدود معينة فرضتها السلبيات التي شابت عهدي الرئيسين اللذين حكما البلد منذ الاستقلال.

تكمن مشكلة الاخوان المسلمين، الذين يسمّون نفسهم في تونس "النهضة"، في أنّهم غير قادرين على الاقدام على اي خطوة في اتجاه تطوير المجتمع التونسي او الاجابة عن أي سؤال مرتبط بكيفية انعاش الاقتصاد او استعادة هيبة الدولة ومكافحة الفساد. أنهم عاجزون عن ذلك، اللهم ألاّ اذا كان هناك مشروع اخواني يستهدف اقامة ميليشيات دينية تسيطر على الاراضي التونسية وتكون بديلا من الاجهزة التي استعان بها الرئيس السابق زين العابدين بن علي في اقامة دولته "البوليسية".

الاخطر من ذلك، أن مشكلة الاخوان المسلمين في تونس تعود الى انهم ورثوا اسوأ ما في تجربتي بورقيبة وبن علي. الاكيد أنّه لا يمكن مقارنة رجل استثنائي مثل بورقيبة بضابط مثل بن علي لم يستطع يوما قبول أن يكون في تونس سياسيون بالحد الادنى لما كلمة سياسي من معنى. ولكن ما لا بدّ من الاعتراف به أنّ بن علي لم ينقلب كلّيا على تجربة بورقيبة والقوانين التي جعلت من تونس دولة متقدمة بكل المقاييس. فبورقيبة كان رجلا مثقّفا نقل الى تونس افضل ما في فرنسا وسعى في الوقت ذاته الى اقامة نظام عصري. مشكلة بورقيبة أنّه لم يعرف متى يتوقف. اصطدمت عبقرية الرجل الذي دعا العرب في العام 1966 الى قبول قرار تقسيم فلسطين، بالشبق الى السلطة. كانت السنوات الاخيرة من عهد، "الرئيس لمدى الحياة"، سنوات محزنة، خصوصا أن العمر تقدّم به وفقد سيطرته على مقاليد السلطة لمصلحة مجموعة من النساء تحكّمن بقصر قرطاج بينهن ابنة شقيقته سعيدة ساسي.

سهّل ذلك الانقلاب الذي نفّذه بن علي ورفاقه الضباط في العام 1987. ولكن من الواضح أن الضابط الطموح لم يتعلّم شيئا من تجربة السنوات الاخيرة من عهد بورقيبة، فكانت نهايته اسوأ من نهاية الرجل التاريخي، مؤسس تونس الحديثة.

ثار التونسيون على بن علي لاسباب لا تخفى على احد. في مقدمها أنه اختصر الجمهورية بشخصه ولم يكن هناك وريث له سوى زوجته السيّدة ليلى في انتظار اليوم الذي يصبح فيه احد الاصهار، مثل السيد صخر الماطري، جاهزا لان يكون في قصر قرطاج.

حتى في عهد بن علي، وعلى الرغم من كلّ التجاوزت والفضائح ذات الطابع العائلي، بقي هناك هيكل للدولة. لم يستطع الاخوان المسلمون الذين اتوا برئيس صوري لتونس كي يحكموا البلد من خلف الستار، المحافظة حتى على المظاهر... حتى على ما بقي من الدولة ومؤسساتها.

جاءت جريمة اغتيال شكري بلعيد لتكشف افلاس الاخوان سياسيا واقتصاديا من جهة وأنّ لا مستقبل لتونس الاّ في حال تابع المجتمع مقاومته من جهة اخرى. هذا المجتمع عرف بحدسه أنّ ليس امامه سوى التمسّك بايجابات عهدي بورقيبة وبن علي ورفض سلبياتهما. تلك هي الفكرة التي حرّكت "ثورة الياسمين". من لا يعترف بهذه الايجابيات انما يريد القضاء على تونس. هل هذا ما يريده الاخوان غير مدركين أنّ سعيهم الى الاستحواذ على تونس نهاية للدولة ومؤسساتها... أو نهاية لتجربة الاخوان في الحكم التي راهن عليها الغرب وبعض حلفائه في المنطقة العربية!